لعل كلمات الإخفاق والفشل والاستعجال والإفلاس والأزمة… باتت من المفردات اللصيقة بواقع تعليمي يرثى لحاله من غياب مشروع مجتمعي في مستوى اللحظة التاريخية التي تمر منها البلاد. هذا الوضع الكارثي الذي أضحت معه المنظومة التعليمية بالمغرب، سفينة تائهة على وجهها لا قبلة لها ولا غاية، يعبرُ عنه حجم الإخفاق في هذه المنظومة. فمن تصنيف المغرب ضمن أسوإ الأنظمة التعليمية في العالم بحسب التقارير الدولية الرسمية، إلى فوضى “مشاريع الإصلاح” السطحية التي لا يلبث وقعها أن يتلاشى، مرورا بالعلل المزمنة التي أصبحت تنخر الهيكل التعليمي، ووصولا إلى انسداد الأفق وفشو العبثية في المقاربة والتدبير…

إن الحديث عن انهيارات منظومة التربية والتعليم بالمغرب حديثٌ لا يمكن فصله عن الوضع الكارثي العام للبلاد. وكل عزل أو نظر أحادي الجانب لهذا الموضوع، يعد ضربا من العسْف، وفصلا لما لا يقبل الفصل والتجزيء. بل ينم في العمق، بتعبير أحد المفكرين، عن حالة مَرضِيةٍ وخَبْل وجنون. فإذا تحدثنا عن إخفاقات المنظومة التعليمية ببلادنا، فهذا يعني أن مجتمعنا يعاني بأكمله، وأن أوضاع هذه المنظومة تدهورت بتفاقم أزمات البلاد ومعضلاتها. فهذه من تلك، وإنَّ العصا من العُصيَّة كما يقول المثل العربي في مجيء بعض الأمر من بعض.

إنها “منجزات” مخزية لحكامنا نصوغها بالتعابير الواضحة، مجددا مع الدخول التعليمي الجديد، لنعرض الحقيقة الصريحة التي نتقاسمها مع الفضلاء، على الشعب، بدل أن نقدم إليه الأطباق المتبلَّة بالبهتان. حقيقة لا يستطيع غربال الدعاية المخزنية إخفاءها. وإنها، لعمري، حقائق جمَّة هي كوارث ثقيلة بما كسبت أيدي الجهات التي تحتكر القرار في التعليم وغيره من القطاعات الحيوية ببلادنا. وللتاريخ فقد ألمحنا في افتتاحيةٍ سابقة بعنوان (من المسؤول عن كارثة التعليم؟) إلى ديدن القصر في إطار احتكاره للمبادرات بالمسارعة كالعادة في عديد الخطب إلى التلويح بما هو في حكم المعلوم لتسجيل السبق، والتنصل من المسؤولية المباشرة عن مثل هذه الإخفاقات بإلقائها على الجهاز الأداتي الحكومي فحسب دون غيره.

إن للتعليم – يا أهل السَّماح والفضل – مكان الخطورة وبالغ الأهمية في أسبقيات البناء المجتمعي الذي يوشك على الانهيار. لذا يُلح الواجب، الذي عجز عن الوفاء به الممسكون بأزِمَّة الحكم، على أحرار الشعب وفُضلائه أن يَحْشُدوا الجهود للتفكير في إعادة بناء هيكل التربية والتعليم وتنظيمه على قواعد الجدوى والتخطيط، والتسيير المعقلن، المسند إلى مردودية اقتصادية، وخبرة بإدارة المال والأعمال. تعليم يتكيف ويتطور ويبتكر وينفق على الاختراع والبحث. تعليم لا يغادر أصالته وينفتح في الوقت نفسه على حكمة العصر…

وليس أسبق ولا ألح في القيام بهذا الواجب المقدس من أن يجتمع فضلاء البلد وخبراؤه في جبهة وطنية لاستنقاذ البلاد من براثين الفساد والاستبداد، وليقودوا مسيرة بناء دولة الكرامة والعدل والحرية والحقوق على جميع الأصعدة والمستويات. وفي صدارة ذلك، بناء تعليم يحررنا من ربقة التبعية والتخلف، ويربي في الأجيال الباعث الداخلي الرافض للخنوع والاستبداد، ويخلص المنظومة التعليمية من الهيمنة الأحادية للدولة، كي تصبح شأنا عاما في كنف الشعب، ومجالا حيويا للتنافس على الخير والصالح العام.