تقديم

منذ الصدر الأول من الإسلام كان المنبر ولا يزال مؤسسة توجيهية تربوية تستقطب الناس ويستقطبون إليها، فيه يجدون ملجأهم للسؤال والبحث عن المسؤول، كان المنبر قبلة للفتيا ومكاناً عالياً شامخاً لكل متفقه في الدين عالم به متبحر في دروبه، مرتدياً عباءة الصدق والورع وحفظ الأمانة وصدق الحديث.

كان المنبر والفتوى والفقيه رمزاً للدعوة، ومؤسسة إيمانية توجه المجتمع وتنصح المسلمين وتأخذ بيد شاردهم وتضرب على يد ظالمهم وتقف في صف مظلومهم وتثور في وجه متعسِّفيهم.

وكلما حفظنا هذه المؤسسة من الضياع والذوبان في دواليب المصالح الذاتية والفلانية ومن الغرق في خدمة السدة الحاكمة صُـنَّا ديننا وهيبة هذه المؤسسة العظيمة.

وكلما رأينا وللأسف انجراف هذه المؤسسة إلى هوى الدنيا وخدمة السلطان الممكَّنِ وتسخير جهودها أولا وقبل كل شيء في خدمة وإضفاء المهابة والجلالة والشرعية على ذوي السلطان، سلطان المال والجاه والنفوذ، رأينا أثره السلبيُّ على المجتمع. ماذا يفعل الناس وقد خاب وباع من يوجههم ويربيهم ويفتيهم ويرشدهم؟

ولا ضير عندئذ إن رأينا من يبحث عن منبر صادق غير المنبر الرسمي، وعن فتوى عن غير المؤسسة الرسمية وعن فقه نبوي سليم غير الفقيه المُعَمَّمِ المُجَلبَب.

منذ زمن ونحن نرى بامتعاض هذه المؤسسة تتجوَّل في سوق الجملة تباع بأبخس الأثمان بالفرد والجملة، رخصت العمامة، وتسيبت الفتوى، ونخر السوس منبرنا فلم تترجم لنا بصدق ما كانت تترجمه في الصدر الأول وما بعده.

المنبــر

أخرج البخاري في صحيحه قال: “حدثنا أبو حازم بن دينار: أن رجالا أتوا سهل بن سعد الساعديَّ، وقد امْترُوا في المنبر مم عوده؟ فسألوه عن ذلك فقال: والله إني لأعرف مما هو، ولقد رأيته أول يوم وضع، وأول يوم جلس عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلانة ـ إمرأة قد سماها سهل: “مُري غلامك النَّجَّار أن يعمل لي أعواداً أجلس عليهن إذا كلَّمت الناس”، فأمَرته فَعَمِلَهَا من طَرْفَاء الغابة، ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بها فوضعت هاهنا، ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، وكبَّر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر، ثم عاد فلما فرغ أقبل على الناس فقال: “أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا ولِتَعَلمُوا صلاتي”” 1 .

صنع منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدوات بسيطة كما هو حال مسجده صلى الله عليه وسلم لأن المقصد ليس هو الزخرفة والزينة بقدر ما يؤدِّيه هذا المنبر من رسالة وحق، وبما يتشبع به من صدق وأمانة.

كان صلى الله عليه وسلم يخطب متكئاً على جدع نخلة، فلما صنع المنبر صعد عليه فكادت النخلة تنشق وتئن، فنزل صلى الله عليه وسلم حتى أخذها فضمَّها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرَّت، وقال: “بكت على ما كانت تسمع من الذكر”.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي”.

قيمة المنبر ليس بقيمة خشبه، بل بقيمة ما يقال عليه من الحق والصدق والدعوة ونشر الرسالة وتبصير الناس وكشف ما غاب عن أعينهم وما حجب عن بصائرهم. المنبر هو موقع الكلمة الصادقة الحقة والصدع بها، وإنه ليتبرَّأ من كل خَوَّارٍ مداهن متصنع يتشدَّق بالحديث ويلوك الكلام ويجامل الباطل ويشرع له افتياتاً على الدين وهضما لحق هذا المنبر.

ليس الحديث عن المنبر كذات وإنما لما له من واجهة دعوية تربوية إصلاحية جهادية، مكتوب على واجهته “الساكت عن الحق شيطان أخرس”. فهل يَعِي هذا خطباؤنا المُعْتلون درجه، أم هي مفخرة وعمامة ورداء.

ارتبط هذا المنبر بخطبة الجمعة التي جعل الله يومها عيداً للمسلمين، وحثهم على الاجتماع في المسجد لأدائها فقال: يَأيُّها الذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ للصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ وذرُوا البَيْع 2 .

وهيأ الله النفوس والقلوب ونزَّل الرحمات ونشر ملائكته على أبواب المساجد يستقبلون المصلين لسماع عظة وخطبة المنبر الكريم.

عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يُنْصِتُ إذا تَكَلَّمَ الإمام” 3 .

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت” 4 .

يأتي الناس زمراً لحضور الجمعة وسماع الخطبة، والشرع هيأ للإمام كل الأجواء، من حض على الاجتماع وحث على السماع وانضباط فلا انصراف إلا بعد انصراف الإمام، فهل هناك من مؤسسة إرشادية تحظى بمثل هذه الميزة التي يسيل لعاب الكثيرين عليها لما يجدونه من صعوبة في مخاطبة الحاضرين.

كان المنبر وخطبة الجمعة ملاذ المسلمين، فما بالهما الآن أصبحا بلا صوت وبلا معنى وبلا رسالة حتى إنها لا تكاد تسمع صدى صوتها.

كنا نحسب أن المأمومين يَلْغُون فصرنا نرى الإمام يبتدئ خطبته لغواً في لغوٍ، ويصم آذان المصلين بما غثَّ من الكلام، أو إماما خاض معارك تضاهي القادسية واليرموك من أجل صعود المنبر ابتغاء الأجر والوظيفة، حسبوا الخطابة حرفة كالتجارة والزراعة والفلاحة، وما دروا أنها ولاية من ولاية الدين.

اجتهد فقهاؤنا في وضع شروط الإمام الخطيب، فمنها المتفق عليه مثل:

1 أن يكون مسلماً. 2 ـ أن يكون بالغاً مميزاً. 3 ـ أن يكون الناس وراءه راضين عنه.

واختلفوا في الشرط الأهم، العدالة، أعني اختلفوا في فروعه، مع أنه الأولى أن يفصلوا فيه، وهو صدق الإمام وعدالته وإخلاصه وما جرى مجرى هذا الباب لأن الإمام قدوة ومبلغ عن الله تعالى وموقع عنه، وإذا فسد فسد الحال وضاعت الرعية وأهمل الدين.

قال عبد الله بن المبارك: وهلْ أفْسَدَ الــدِّينَ إلا الملوكَ… وأحبَــارُ سوءٍ ورُهْبَانُهــَا).

ـ من الشروط الأدبية في الخطبة والخطيب حتى يكون للمنبر إشراقه أن تكون موضوعات الخطبة متعلقة بهموم الناس وقضاياهم ومتماشية مع احتياجاتهم وتساؤلاتهم ومستجداتهم، بل كنا نقرأ أن الإمام من الأحسن أن يعد الخطبة في طريقه للمسجد يستمدها مما يراه من حياة الناس وواقعهم.

ولكن خلال تجولنا في سوق الجملة نرى واقع خطبنا غير ما سطره علماؤنا، وجراء احتضان الحكم الجبري لهذه المؤسسة، وأرخى عليها ظلاله الكالحة حتى مَسَخَ منها الوجه والأطراف، فلا غرو إن رأينا خطباء يقتنون كتب الخطب المكتوبة، الخطب المنبرية مثلا على اختلاف مؤلفيها وأزمانها ويكتب الخطيب ناقلا بالحرف خطبة كتبت في القرون الماضية في واقع آخر ولقوم آخرين، وقس عليها الخطب المبعوثة للأئمة من الوزارة تتحدث عن السلطان وأعياده والمأمومين جالسين صامتين خشية أن تفسد جمعتهم باللغو، وما دروا أن الإمام هو أول من يلغو.

أئمة يشترون المنابر من الأوقاف ويتصيدون الفرص للوقيعة بخصومهم، وضاع المنبر بجشع الإمام المعمم حتى سيق به بضاعة يباع في سوق الجملة حتى زهد فيه الناس وزهدوا فيما يقال فيه.

الفتـوى

الفتيا والفتوى الجواب عما يشكل من الأحكام.

هي جواب عما يشكل من الأحكام على الناس فيستفتون المفتي ليوضح لهم ما أشكل ويبين لهم ما عجزوا عن فهمه أو ما وقعوا فيه، وتكون كذلك تحذيراً للعامة من هول الخطر مداهم إما للدين أو بالوطن أو بالمجتمع أو بالأخلاق والقيم وهلم جراً.

فإذا رأينا فتاوى تشكل على الناس وتغيب عقولهم وتفتنهم وتضللهم وتبعدهم عن واقعهم لتحيي لهم واقع القرون الغابرة وفتاوى الحَلَزُونَة، فما يكون واقع فتوانا ومفتينا حينئذ؟

يشترط في المفتي ما يشترط في المجتهد:

1 ـ أن يكون عدلا ثقة.

2ـ أن يكون الإرشاد وهداية العامة إلى معرفة الأحكام الشرعية يبتغى في ذلك وجه الله.

3 ـ أن يكون متصفاً بالعلم والسكينة والوقار.

4 ـ أن يكون عارفا بأحوال الناس وعاداتهم في تصرفاتهم ومعاملاتهم وبما عرف عن مجتمعهم من الاستقامة والصدق والثقة أو الكذب والمكر والتدليس وما إلى ذلك. 5

ولابن القيم كلام نفيس قال: ما يشترط فيمن يوقع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم):

ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ، والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالماً بما يبلغ صادقاً فيه، ويكون مع ذلك حَسَنَ الطريقة، مرضي السيرة، عدلا في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله) 6 .

كراهة التسرع في الفتيا:

قال مسروق: جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فكانوا كالأخَاذِ: الإِخَاذةُ تروي الراكب، والأخاذة تروي الراكبين، والأخاذة تروي العشرة، والأخاذة لو نزل بها اهل الأرض لأصدرتهم وإن عبد الله من تلك الإخاذ).

ومع ذلك كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين يكرهون التَّسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياه غيره، فإذا رأى بها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم يفتي.

هذا عهد راشد جدير بالاقتداء به، وخلف من بعدهم خلف امتهنوا الفتوى وجعلوها قِرباً فضفاضة خاوية ومعاشاً يدر ربحاً على المفتي.. قلوب طامعة إلى المنصب ومدَّعون لأحقية المنصب الكبير باذلين من المظاهر الكذابة الشيء الكثير حتى يقنعوا العوام بأهليتهم، دعاية في الجرائد والمجلات وأرقام الهواتف تنشر لمن يريد السؤال، وفتوى الشرق تعطى للغرب والعكس. غاب كليا فقه الواقع على المفتي إلا من رحم ربك، واتخذ الحكم العاض والجبري هذا الأمر واستفاد منه لصالحه فآوى المفتين وجعلهم يخدمون سلطانه ويفتون لتثبيت عروشه، وكلما دخل في أزمة خرج المفتون كالجراد يفتون بفتاوى مريخية تغيب الناس عن واقعهم ومطالبهم لئلا يتفطنوا لقسوة فساد سلطانهم.

أقلب بعض الفتاوى رأساً على عقب فلا أرى لها طَعْماً ولا معنىً ولا قدراً وليس لها مستند شرعي صحيح ولا علمي ولا واقعي تفسد الناس أكثر مما تصلحهم وتخدرهم أكثر مما توقظهم وتفتنهم أكثر مما تطمئنهم، فتاوى أصبحت نكتاً في المقاهي وعلى الصفحات الجرائد والمواقع.

ما يفعل الناس إن رأوا مفتيهم يصانع ويداهن ويقبض الثمن باسم الفتيا والدين ويساوم باسم الإسلام ويرتمي في أحضان السلطان بإصدار فتوى تلو فتوى تشرع للفساد والاستبداد.

ورأينا كيف أن شيخ الأزهر يتواطأ بفتواه مع قوى الاستبداد والانقلاب، ولولا خروج أئمة الأزهر الشريف رافضين لهذا الموقف المخزي ووقوفهم مع الشعب لقلنا ضاعت هذه المؤسسة التاريخية الكبيرة.

ألا يعلم المفتي أنه موقع عن الله تعالى وأنه ملك للأمة، وكل كلمة تخرج منه تحسب عليه، وأنه ليس ملكاً للسلطان كي يعبد له الطريق أو يسخر علمه ومقامه لطمع الدنيا.

ـ في عنوان ظريف للعلامة الأصولي التطواني العربي اللُّوه يكتب: ضمان المفتي) قال:

المجتهد إذا افتى غيره بما ترتب عليه الإتلاف، كما إذا أفتى بتنجيس جميع السمن الذي وقعت فيه فأرة فأتلفه المستفتي، ثم تغير اجتهاده بأنه لا يتنجس منه إلا البعض، فإن تغير اجتهاده لا لقاطع فلا ضمان عليه لأنه معذور، أما إذا تغير لقاطع كالنص والإجماع فإنه يجب عليه الضمان لتقصيره في البحث عنه قبل الإفتاء) 7 .

فكم يضمن هؤلاء المفتون ما يترتب على فتواهم من باطل وهدر للحقوق والمال العام وأرواح الناس وحرياتهم وكرامتهم وحقهم في العيش الكريم؟

كم وكيف يضمن شيخ الأزهر ومفتي مصر الأسبق وسحنون بشار وقوائم لا حصر لها تنكشف بالأزمات وهجوم التتار؟

يجتهد حكام الجبر لاحتواء مؤسسات الإفتاء وإضفاء صبغتهم عليها بل ويترأسونها ويضعونها في صفهم وتحت رداءهم حتى يجدوها أمامهم كلما احتاجوا إليها، وبدورها تثبت هذه المؤسسات نفسها على الناس بنصوص الكتاب والسنة المفسرة على هواهم، إنهم صوت الأمة ونبضها ، فكيف بهذا الصوت إذا بيع، فلا غرو إن رأينا هالة التعظيم والتوقير والاحترام قد رفعت عن هؤلاء وبحث الناس عن مفتين في غير سوق الجملة من الفتاوى التي لا تباع بالجملة وعبر الهواتف وبالرسائل النصية. أستغفر الله.

الفقيـه

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فقهاء الإسلام ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام الذين خصُّوا باستنباط الأحكام وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام، فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء بهم يهتدي الحيران في الظلماء وحاجة الناس إليهم اعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب) 8 .

يقال: فَقُهَ الرَّجُلُ فَقاهَة إذا صار فَقِيهاً، وَفَقِهَ أي فَهِمَ فَقَهاً وفَقِهَهُ أي فَهِمَهُ، وتَفَقَّهَ إذا طلبهُ فتخَصَّص َبه، قال تعالى:)لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّين (التوبة)) 9 .

والفقه هو الفهم الدقيق وهو أخص من العلم. ويطلق الفقه اصطلاحاً على العلم المعروف. واشتهاراً وشيوعاً عرفياً عندنا يطلقون الفقيه على كل من زاول مهام تتعلق بالدين من إمام خطبة ومعلم للصبيان القرآن وغير ذلك، ولا مشاحة في الاصطلاح وإن كانت الكلمة أكبر دلالة من ذلك.

كلمة الفقه والفقيه يجب أن نعطيها حقها، فشكلها قد هضمت وظلمت فكل من حفظ سطراً أو ارتقى درجاً أو لبس عمامة وصار له جلباب وصاغ خطبة يقال له فقيه. بل الفقه من أدرك وفقه العلم من القرآن والسنة وفهم المقصد الشرعي منهما والمغزى المراد من الآية او الحديث او الواقعة.

جاء في حديث معاوية رضي الله عنه قال: “سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين…”” 10 .

ومن دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن العباس رضي الله عنهما: “اللهم فقهه في الدين”.

ولم يكن المقصد ان يحيط بالعلم فقط، بل أن يفقهه كذلك ويدرك مغزاه وفحواه.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ربَّ حامل فقه غير فقيه، ومن لم ينفعه علمه ضره جهله، إقرإ القرآن ما نهاك، فإن لم يَنْهَك فلست تقرأه” 11 .

لا يكفي أن يطلق اسم فقيه على من أحاط بالنصوص والقواعد دون فقهها وفهمها على نحو ما نزلت ودون ربطها بفقه الواقع ومقاصد الشرع الحكيم.

قد يكون الفقيه بمصطلح اليوم مجرد حامل للمعلومات والأمة تحتاج لمن يصلها بالمعصوم ويصلها بالمنهاج النبوي الشريف غير مدلس عليهم ولا متاجر بدينهم أو مرتزق بقضاياهم باسم الدين أو الفقه تتقدمه عمامته إلى المناصب والمنابر ويجأر بلهجة العلم والفقه وتجده يعادي الحق والدعوة ملتواً على الآيات والأحاديث يقصي منها ما يشاء ويخرج ما يشاء منهمكاً في لمِّ متاع الدنيا ولا يخجل إن طلب من ذوي السلطان الرعاية والعناية والمدد.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يكون في آخر الزمان أمراء ظَلَمَةٌ، ووزراء فَسَقَةٌ، وقُضَاةٌ خَوَنَةُ، وفُقَهَاءٌ كَذبَةٌ فمن أدرك منكم ذلك الزمان فلا يكونن لهم جابياً ولا عريفاً ولا شرطياً”.

تعاني الأمة اليوم من فقه موروث تعلَّقت به شوائب عدة جراء المناخ السياسي والحكم العاض، ويحتاج هذا الفقه العظيم إلى تجديد وتطهير ودراسة وإعادة نظر في كثير من قضاياه.

وتعاني الأمة من زحمة الفقهاء المتفيقهين ديدان القراء، من يغريهم القرش ومن هو منكمش على ذاته طالب للخبز والمعاش يترزق ويكتم الحق، ومن جرَّته العادات الجارفة فصار يساق مع من يساقون ليبارك خطوات السلطان ويتلوا على العامة آيات تقديس السلطان وتمجيده التي هي ليست في قرآننا ولا في سنتنا، فعلى أي فقيه نتفقه، ونفسه الفقيه قد جمد نفسه، يتلوا على الناس أحكام النفاس حتى يدور العام وفي أوج الأزمات وغزة تقصف وإمام خطبتنا يفصل في الزكاة وأنواعها وفروعها إلخ… لتصير خطبة الجمعة مكاناً لتحدي الملل.

إن المسجد والجمعة والعلماء والفقهاء من حاملي رسالة الإسلام وورثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لهم الساهرون على هذه الشريعة السمحة والدعوة الخالدة، فحرام إن تركنا هذه المؤسسة الدينية يعيث فيها السلطان فساداً ويعبث بها ويجرها مكرهة أو طائعة إلى بلاطه لتباع بأبخس الأثمان.


[1] البخاري / كتاب الجمعة.\
[2] سورة الجمعة / الآية 8.\
[3] أخرجه البخاري / كتاب الجمعة / باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب.\
[4] نفس المصدر.\
[5] أصول الفقه / عربي اللُّوه / ص 410.\
[6] إعلام الموقعين / ج1 / ص8.\
[7] أصول الفقه / ص 409.\
[8] إعلام الموقعين / ص8.\
[9] مفردات ألفاظ القرآن / ص430.\
[10] أخرجه البخاري / كتاب العلم.\
[11] الترغيب والترهيب / كتاب العلم / ص50.\