شعار جديد..

يبدو للوهلة الأولى أن عنواننا هذا لا يصلح لأن يكون شعارا يرفع في بداية الدخول المدرسي بقدر ما يكون مناسبا لنهاية السنة كما جرت العادة، وكما صار معلوما لدا الخاص والعام. ورغم الحملات التي تتناسل كل متم موسم دراسي فهي لم تؤت أكلا. وهكذا تتعبأ كل المصالح، وتنسق الوزارات المختلفة، وتذاع البيانات الصحفية المتوعدة، وتعقد اجتماعات وتنفض، كل ذلك في جو مهيب يقول: إن الغش والغشاشين لا مكان لهم في منظومتنا، وسيتم الضرب بيد من حديد على أيدي من تسول لهم أنفسهم مخالفة قيم النزاهة والمصداقية. وتنضم إلى الجوقة وسائل الإعلام، وتُرفع اللافتات، وتُتلى لائحة العقوبات… وسرعان ما ينكشف غبار المعركة لتكون النتيجة ارتفاعا في حالات الغش وإبداعا جديدا في الأشكال، وليرجع المسؤولون بخفي حنين، ويتحولوا إلى مجرد متفرجين على سيل عرمرم من ألوان الغش وفنونه، ليضربوا لهم موعدا في نهاية موسم جديد. فإذا كان الأمر كذلك، فالمستفاد منه أن التوقيت والكيفية والشكل غير صالحين ووجب إعادة النظر فيها. فلِم لا نرفع الشعار مع بداية الدخول المدرسي….

وإذا كان الأمر كذلك فالمتغير لن يكون بالطبع توقيت الشعار وحده بل له متعلقات أخرى تتبعه منطقا. يكون التلميذ بالدرجة الأولى هو المعني بالحديث عن الغش، وتوجه كل السهام والرماح والملامات له، ويطلب إليه أن يكون من طينة المواطنين الصالحين ولو لمدة قصيرة من فترة الامتحان ويتحلى بالقيم النبيلة والمثل العليا، كل هذا وواقعه التعليمي لا يُلتفت إليه طيلة سنة دراسية بائسة، ليوضع المتعلم أمام صورة مقلوبة: يكون طيلة السنة ضحية غش في الخطاب والممارسة قبل أن تنتقل إليه إشارات الأصابع وتتهمه في النوايا والممارسة، والواقع أكبر من أن يوصف.

فمع بداية كل موسم دراسي تتجدد المأساة على جميع الأصعدة ابتداء من السياسات العامة وليس انتهاء بواقع الحجرات الدراسية، يسمع هذا التلميذ -ويرى- عن المليارات التي أهدرت في برامج تعليمية وبيداغوجية فاشلة تجعل منه فأر تجارب لإصلاحات تتوالد دون جدوى، إصلاحات تعمق الجراح في جسم المنظومة التعليمية ثم لا يسأل عن الهدر والتبذير أحد قبل أن تسترجع من أرزاق آبائه أضعافا وترفع نسبة الاقتطاعات من أجورهم ويزاد في سنوات تقاعدهم. أليس هذا غشا؟ ومن هو الطرف المسؤول عنه؟

ومع مطلع كل موسم دراسي يجد آلاف التلاميذ أنفسهم بدون أساتذة، ويشردون لأسابيع وأشهر قبل أن تتفتق إبداعات المسؤولين عن حلول تضم أقساما إلى أخرى وأقساما مشتركة وإعادة البنيات التربوية لتقليص عدد الفصول، وتعاقدات جديدة مع معطلين، وتكليفات لا تخلوا من ارتجالية… لتكون النتيجة في النهاية جسما مشوها يسمى قسما لا تراعى فيه أبسط الشروط التربوية بل الإنسانية. عشرات التلاميذ يحشرون في حجرات دراسية دون مراعاة للفوارق التربوية أو التعليمية أو النفسية، ويتحول معها المعلم إلى مجرد ضابط للحركة في انتظار رنين الجرس، لينطلق القطار وليس مهما أن تعلم الوجهة. أليس هذا غشا؟

بنايات متهالكة، ومؤسسات بدون ماء أو كهرباء أو مرافق صحية، وخريطة مدرسية تفرغ العملية التربوية من مضمونها، ومجالس شكلية لا تملك من أمرها شيئا، مؤسسات تعليمية في نهاية العالم بدون سكن أو طريق معبد، وأمن مفقود داخل المدرسة وخارجها، عبث في التعيينات والانتقالات والتكليفات… تضخيم للغات الأجنبية على اللغة الأم وتبخيس للمواد التي تصون الهوية في مقابل إطلاق اليد لسماسرة القيم والمبادئ يصولون ويجولون في رسم خطط وبرامج تمسخ الهوية وتعلب منتوجات بشرية على حسب الطلب. أليس هذا غشا؟

ودعك من معناة فئات الأساتذة في الفيافي، ولا تتحدث عن حالة البنايات في المؤسسات، ولنتجاوز التلاعبات التي يعرفها القطاع، وما يجري في القطاع الخاص، والصورة المرسومة عن رجل التعليم في الإدارة والخطاب الرسمي وفي الإعلام…

تبرير… تمرير…

قد أتفق مع من يقول إن المسؤولية هنا متنوعة ومتشعبة، ومن الحيف أن نحملها طرفا دون غيره، هذا عين الصواب. ولا يجوز تبرير كثير من السلوكات التي تصدر عن التلميذ وشركائه في العملية التعليمية بدعوى عدم وجود جو ملائم مساعد، لا يجوز تبرير ذلك بأي حال من الأحوال. ومع عدم جواز هذا التبرير لاعتبارت عدة فلا يجوز تمرير كثير من المغالطات والنفخ في الأرقام والنسب المئوية، ونعت الواقع التعليمي المزري بغير التوصيفات الحقيقية، لا يجوز مع عدم التبرير تمرير سياسات جديدة خرقاء تقضي على النزر القليل المتبقي، لا تبرير لواقع تعليمي عاجز منكفئ يخرِّج الأميين وأنصاف المتعلمين بعد سنوات في طاحون مدرسة فقدت كل الوظائف، حتى صار الجميع يترقب الانفجار الوشيك في أي لحظة. ولا تمرير -بدعوى التبرير- لخطابات تجمل الواقع، وتبني الأحلام الوردية على رمال متحركة تصنع الوهم وتبيعه على حساب وجود الأمة والوطن.

أما بعد..

إن حالنا اليوم يشبه تلك الواقعة على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما جاءه أحد الآباء يشكو عقوق ابنه، فلما استفسره عن حاله هو مع ابنه، وجده على غير ما ينبغي أن يكون عليه، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لقد عققته قبل أن يعقك). فيجوز لنا أن ننقل هذه الصورة على واقعنا التعليمي لنقول للمسؤول عن تدبيره: لقد غششت التلميذ قبل أن يغشك)، وغشك أكبر من غشه، لأنه غش يقوض بنيات الأمة وروحها، وينسف أجيالا، ويصيب في مقتل، غش يقضي على مقومات النهوض والبناء لأنه يستهدف الأساس الحضاري للأمة.

ما أحوجنا اليوم إلى الى الرجوع خطوة إلى الوراء وفتح نقاش وطني جاد يساهم فيه الجميع بعيدا عن المزايدات والإقصاء، حتى ننسج على أساس متين يقوى على مواجه التحديات الداخلية والخارجية، أما سياسات الهروب إلى الأمام فلن تزيد الواقع المظلم إلا قتامة، ولن تكون مخرجاته إلا أسوأ من سابقاتها.

نحن في بداية موسم دراسي جديد… فلنحارب الغش…