مدخل

من الكتابات التنظيرية الأساسية لفكرة “الدولة الإسلامية” التي صدرت في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، كتاب قليلا ما يُلتفت إليه عندما يُراد التأريخ لبداية الفكرة وتطورها، رغم أن أفكاره ـ في حينها ـ كانت متقدمة جدا، وتعتبر من مصادر أغلب المفكرين الإسلاميين الذين نظَّروا للفكرة وطوَّروها، لكن للأسف دون أن يحيلوا عليه؛ إنه كتاب “منهاج الإسلام في الحكم” لمحمد أسد.

فمن هو محمد أسد؟

الذي قُدِّر له أن يطلع على سيرته الذاتية، والموسومة بـ “الطريق إلى مكة”، سيجد نفسه أمام شخصية متميزة ونادرة، أقل ما يمكن أن توصف به مسيرة حياته: الإصرار المضني في سبيل البحث عن الحقيقة والمعنى.

اسمه الحقيقي هو “ليوبولد فايس”، وهو يهودي الأصل، ولد في الإمبراطورية النمساوية الهنجارية عام 1900، وهو كاتب وصحفي ومفكر ولغوي وناقد اجتماعي ومصلح ومترجم ودبلوماسي ورحالة، درس الفلسفة والفن في جامعة فيينا، ثم اتجه للصحافة فبرع فيها، وأصبح مراسلا صحفيا في الشرق العربي والإسلامي. زار القاهرة فالتقى بالإمام مصطفى المراغي، وحاوره حول الأديان، ثم بدأ بتعلم اللغة العربية في الأزهر.

انتقل للعيش في القدس بعد تلقيه دعوة من أحد أقاربه اليهود للإقامة معه في الوقت الذي كانت فيه فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وكتب هناك عدة مقالات مهمة أبرزت وعي العرب بخطورة “المشروع الصهيوني” وقلقهم من نتائجه. ثم انخرط في دراسة متعمقة للإسلام، حتى قرر التحول من اليهودية إلى الإسلام في 1926 وهو في برلين، وبعد عدة أسابيع من ذلك أعلنت زوجته إسلامها. يقول محمد أسد في وصف هذا التحول: جاءني الإسلام متسللاً كالنور إلى قلبي المظلم، ولكن ليبقى فيه إلى الأبد. والذي جذبني إلى الإسلام هو ذلك البناء العظيم المتكامل المتناسق الذي لا يمكن وصفه، فالإسلام بناء تام الصنعة، وكل أجزائه قد صيغت ليُتمَّ بعضها بعضاً. ولا يزال الإسلام بالرغم من جميع العقبات التي خلّفها تأخر المسلمين أعظم قوة ناهضة بالهمم عرفها البشر ، لذلك تجمّعت رغباتي حول مسألة بعثه من جديد).

أثناء ترحاله التقى السنوسي الكبير وعمر المختار والكثير الكثير من الشخصيات الفاعلة في عهده، وفي باكستان التقى بالشاعر والفيلسوف الكبير محمد إقبال، الذي أقنعه بالبقاء والعمل على مساعدة المسلمين لتأسيس دولة باكستان الوليدة، فمُنح الجنسية الباكستانية، ثم تولى هناك عدة مناصب منها: منصب مبعوث باكستان إلى الأمم المتحدة في نيويورك، ثم رئيسا لمعهد الدراسات الإسلامية في لاهور حيث قام بتأليف الكتب التي رفعته إلى مصاف ألمع المفكرين المسلمين في العصر الحديث، ومن أشهرها الإسلام على مفترق الطرق) والطريق إلى مكة) ومنهاج الإسلام في الحكم)، كما قام بترجمة معاني القرآن الكريم وصحيح البخاري إلى اللغة الإنجليزية. ويعتبر محمد أسد أحد أكثر مسلمي أوروبا في القرن العشرين تأثيرا. توفي رحمه الله في إسبانيا عام 1992م.

قصـة الكتـاب

في سنة 1957، صدر كتاب منهاج الإسلام في الحكم) لمحمد أسد، والذي صاغه ـ كما يقول ـ تطويرا لأفكار أولية ظهرت سنة 1948 في رسالة له بعنوان بناء الدستور الإسلامي)، وكان حينها رئيسا لدائرة إحياء النظم الإسلامية)، وهي المؤسسة الحكومية الباكستانية التي كانت مهمتها وضع الأسس الفكرية والاجتماعية التي سيقوم عليها دستور الدولة الناشئة بعد أن استقلت عن الهند.

من بين المشكلات الكبيرة التي واجهت اللجنة أسلوب الحكم الذي سيعطي للدولة شخصيتها الإسلامية المتميزة ويتَّفق في نفس الوقت مع مقتضيات العصر، والنتيجة أن وقع تضارب كبير بين الأفكار؛ كان البعض يعتقد ولكي تكون باكستان دولة إسلامية وجب أن تقوم على نسق الخلافة الراشدة، وهذا يعني إعطاء صلاحيات دكتاتورية تقريبا لرئيس الدولة.

وفي المقابل كان هناك من يرى أن باكستان كي تتطور تحتاج أن تقوم على أسس حديثة، لكن ـ ولكي تتجاوب مع مشاعر الجمهور ـ يُكتفى بالنَّصِّ في الدستور على أن الدين الرسمي للدولة هو الإسلام)، ويتم تأسيس “وزارة للشؤون الدينية”.

اللجنة طبعا وجدت صعوبة كبيرة في التقريب بين وجهتي النظر، وعندما أرادت الاستعانة بالمؤلفات الإسلامية التي تناولت الموضوع اكتشف أعضاؤها أنها لا تقدم لهم أية إشارات تُعينهم على قهر الصعوبات التي كانوا يواجهونها؛ فالكتابات القديمة كانت متأثرة ببيئتها، ومطالبها كانت محكومة بظروفها، أما الكتابات الإسلامية المعاصرة فكانت تعاني من آفة الاستعداد السريع لتقبل المفاهيم والأنظمة وأساليب الحكم المعاصرة باعتبارها “النموذج” الذي يجب أن يحتذى.

بقي طريق واحد أمام اللجنة ـ يقول أسد ـ العودة إلى المصادر الأصلية للشريعة الإسلامية: القرآن والسنة، والنظر إلى نصوصها بشكل مستقل عن كل ما كتب عن “الدولة الإسلامية”.

يعترف محمد أسد، وبسبب تطورات سياسية يرفض الإفصاح عنها، فإن مقترحاته لبناء دستور إسلامي لم يُنتفعْ بها كثيرا في بناء دستور دولة باكستان الحديثة.

ومع ذلك فإنه يؤكد بأن هدفه الأساسي من الكتاب ـ والذي صاغه بعد أن غادر اللجنة ـ لم يكن وضع مشروع دستور لدولة إسلامية، بل أن يناقش بعض النصوص الشرعية التي لها علاقة بالموضوع، وكيفية تطبيقها حسب مقتضيات العصر، وأن يلفت النظر إلى أن هناك “مواد شرعية” يجب أن تحتل مكانها في أي دستور يسم نفسه بالإسلامي، وأن يثبت أن الدين الإسلامي يقدم مبادئ محددة لنظام سياسي خاص به.

المقال التالي هو عبارة عن عرض تركيبي لأهم الأفكار الواردة في الكتاب، مع الإشارة إلى أن جزءا منها أصبح الآن متجاوزا بسبب تطور الرؤية الإسلامية لمسألة الحكم وإشكالاته.

الكتاب يقع في 192 صفحة من الحجم المتوسط، وقد اعتمدتُ على الطبعة الخامسة التي صدرت سنة 1978 عن دار العلم للملايين.

لماذا نريد الدولة الإسلامية؟

في بداية الكتاب يطرح محمد أسد سؤالا عريضا مفاده :هل يريد الإسلام حقا من أتباعه أن يعملوا في كل الأزمنة والظروف على إقامة الدولة الإسلامية؟ وبعد أربع صفحات من التحليل يوضح “أن استعداد المجتمع للتعاون وفق مبادئ الإسلام لتحقيق غاياته سوف يظل استعدادا نظريا ما لم تكن هناك سلطة زمنية مسؤولة عن تطبيق الشريعة الإسلامية ومنع الخروج عنها ـ على الأقل في الأمور ذات الطابع الاجتماعي ـ من جانب أي فرد من أفراد المجتمع، ومثل هذه المهمة لا بد أن تسند إلى مرجع له من السلطة ما يتيح له الأمر والنهي في المسائل الاجتماعية، وذلك المرجع هو الدولة”.

ولماذا لا نرضى بدولة علمانية؟

يؤكد محمد أسد على أن مفهوم “التقدم” مقترن في أذهان الكثير من الناس، وخاصة المثقفين منهم، بمفهوم “العلمانية”، فكل الاقتراحات ذات الأساس الديني ينظر إليها على أنها “حركة رجعية”، مما يجعلهم يصرون على أن الدين لا حق له في التدخل في شؤون الحياة السياسية).

بعد ذلك يلاحظ ـ وهو الخبير صاحب الدار ـ أن هناك أسبابا خاصة بالغرب وحده جعلت أهله على غير وفاق مع دينهم)، والنتيجة النهائية أن أصبحت “المصلحة” ـ والمصلحة وحدها ـ هي المعتبرة والقانون الوحيد المهيمن الذي تعالج على ضوئه كافة الشؤون العامة، ومن ثم ينعدم في الدولة العلمانية الحديثة مفهوم ثابت يمكن به التمييز بين الخير والشر، والعدل والظلم.

وأمام هذا الغياب لـ”ميزان ثابت للقيم الخلقية” فإن الناس ستصبح لديهم وجهات نظر متباينة إلى حد التناقض حول ما يخدم “مصلحة الأمة”، فكل نظام له تصوره الخاص للعدل والظلم على ما توهمه مصالح ومنافع، وهذا ما دفعه للتأكيد على أن النظم العلمانية شيدت تصوراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية على أهواء الناس ومطالبهم المادية وحدها، وهي بطبيعتها في تغير دائم.

وفي نهاية التحليل يستخلص أسد أنه يستحيل على أية أمة أن تعرف طعم السعادة ما لم تكن مُتَّحدَةً من الداخل، ويستحيل على أية أمة أن تتحد من داخلها ما لم تصل إلى نوع من الاتفاق على تحديد واضح لما هو عدل وظلم في شؤون الناس والحياة، ويستحيل الوصول إلى مثل هذا الاتفاق ما لم تتعارف هذه الأمة على التزامات خلقية منبثقة من قانون أخلاقي دائم مطلق، ومن الواضح أن الدين ـ والدين وحده ـ هو القادر على أن يقدم لنا هذا القانون المطلوب).

مجال الشريعة الإسلامية

يشير أسد إلى أن المدى المحدد للأحكام المنصوصة في القرآن والسنة لم يكن نتيجة سهو وقع من الشارع، ولكن على العكس، لقد أراد به أن يكون درعا لا غنى عنه يقي الأمة من الجمود التشريعي والاجتماعي)، وعلى هذا الأساس فإن الشريعة الحقيقة أكثر إيجازا وأصغر حجما من ذلك البناء القانوني الذي ساهمت في تضخيمه وتوسيعه المذاهب الفقهية)، فلا يصح إذن أن نعطي لتلك الاستنباطات صفة الصحة المطلق. والشارع أراد منا أن نقوم بوضع التشريعات الإضافية الضرورية التي تناسب ظروفنا عن طريق التحليل العقلي المستقل، بشرط واحد ووحيد؛ أن يكون منسجما مع روح الإسلام وغايته.

حاجتنا إلى البحث الحر

المسلمون اليوم يعيشون كغيرهم في عالم متغير، فيجدون أنفسهم في دوامة من التيارات الفكرية والسياسية، السير في ركابها يساعد على طمس معالم الإسلام، والتغطية على آثاره كعامل حضاري مستقل، من أجل ذلك فإنهم ـ حسب أسد ـ في أمس الحاجة إلى أن يكتشفوا من جديد وبسرعة منهاجهم. فلا يكفي أن نقول “بأننا مسلمون وإن لنا فكرة ونظاما خاصا بنا”، ولكن علينا أن نكون في “حالة” نستطيع معها أن نثبت لأنفسنا وللعالم أن هذه “الفكرة” فكرة حية تستطيع أن تقدم لنا توجيهات حكيمة لبناء أنظمتنا السياسية. والمطلوب هو اجتهاد جديد بأسلوب إبداعي خلاق على ضوء مصادر التشريع الأصلية بعيدا عن الأحكام الاجتهادية التي يريد البعض تقديمها وكأنها نهائية.

وعليه، فإن جهاز الدولة الإسلامية ووظيفتها ليس من الضروري أن يكونا متفقين مع أية “سابقة تاريخية”؛ إذ إن كل ما نريده من الدولة لكي تنال بحق صفة الإسلامية ـ يقول أسد ـ أن تدمج في دستورها وأن تستهدي في أعمالها تلك الأحكام الظاهرة المنصوصة في القرآن والسنة، والتي لها علاقة مباشرة بحياة المجتمع السياسي)، وهي ذات طبيعة مرنة تسمح لها بالحياة والعمل في كل الأزمنة وفي كل الظروف الاجتماعية.

الخطأ في استعمال المصطلح واضطراب الصورة

يتوقف محمد أسد ـ فيما يشبه الاكتشاف حينها ـ عند نقطة حاسمة في تحليله لـ”منهاج الإسلام في الحكم” مقتضاها أن اضطراب الصورة التي تسود اليوم الأذهان عن الدولة الإسلامية مردُّه إلى كون المنادين بضرورة قيام هذه الدولة والذين يخاصمونها على حد سواء يخطئون في استعمال المصطلحات السياسية الغربية للدلالة على فكرة تختلف في حقيقتها عن فكرة الدولة الإسلامية). وينبه ـ بالتَّبع ـ إلى أن الإنسان الغربي حينما يتحدث عن الديمقراطية أو التحرر أو الاشتراكية أو الثيوقراطية أو الحكومة البرلمانية فإنه يستخدم هذه المصطلحات وفي ذهنه أحداث تاريخ الغرب التي صنعها في حاضره وماضيه كله، وفي حدود هذه التصورات التاريخية لا تكون هذه المصطلحات في موضعها الطبيعي وحسب، ولكنها تصبح سهلة الفهم معروفة المقاصد). ورغم أن معاني هذه المصطلحات اليوم تختلف كل الاختلاف عن المعاني التي اكتسبتها عندما تكونت في الأصل، ولكن سياقها يظل ماثلا في ذهن المفكر الغربي. فلا يصح ـ إذن ـ أن تأتي أمة من الأمم انتسبت إلى حضارة مختلفة، ومرت بتجارب تاريخية متنوعة فتقتبس هذه المصطلحات السياسية كما استعملت في الغرب وتستخدمها وكأنها تحمل في ذاتها معاني مطلقة.

وعلى هذا الأساس فإنه من باب التضليل المؤذي إلى أبعد الحدود أن يحاول الناس تطبيق المصطلحات التي لا صلة لها بالإسلام على الأفكار والأنظمة الإسلامية. إن للفكرة الإسلامية نظاما اجتماعيا متميزا خاصا بها وحدها) ولا يمكن لهذا النظام أن يدرس إلا في حدود مفاهيمه ومصطلحاته) وإلا فهو الغموض والالتباس.

لا وجود لـ”شكل معين” للدولة الإسلامية

يؤمن محمد أسد ـ شأن الجميع ـ بأن القرآن والسنة لم يحاولا المستحيل، ومن ثم لم يَنُصّا على “شكل معين” للدولة الإسلامية، ولم يضعا لنا خطة مفصلة لنظرية دستورية، فقد جاءت الأحكام المتعلقة بهذا المجال في هيئة مبادئ عامة ترسم حدودا جلية لمنهاج سياسي صالح للنفوذ والتطبيق في كل الأزمنة والظروف، على اعتبار أنه ليس هناك أنظمة أو أحكام سياسية يمكن لها أن تحد من فعالية قانون التغير والتطور.

الخطأ وقع تاريخيا عندما اعتبر بعض العلماء كل صغيرة أو كبيرة مما وصل إليه الصحابة عن طريق اجتهادهم في أمور السياسة نوعا من “السوابق الشرعية” التي يجب أن تلتزم بها الأمة على الدوام.

أهداف الدولة الإسلامية

يحصر محمد أسد الغايات التي تعطي لفكرة الدولة الإسلامية معناها ومبررات قيامها في سبعة عناصر:

1 . أن تجعل من شريعة الإسلام القانون المهيمن على شؤون الحياة.

2 . أن تنظم العلائق الاجتماعية والاقتصادية بصورة تتيح لجميع الأفراد أن يحظوا بالحرية والأمن والكرامة.

3 . أن تذلل الصعوبات أمام الأفراد في نشدانهم التطور بشخصياتهم.

4 . أن تتيح للمسلمين أن يحققوا الأهداف الأخلاقية التي دعا إليها الإسلام: عقيدة وعملا.

5 . أن تكفل لرعاياها من غير المسلمين كل أمان فعلي وأن تمنحهم الحرية التامة في عقائدهم وطقوسهم.

6 . أن تحمي الوطن من العدوان الخارجي، وتصونه من التصدع الداخلي.

7 . أن تحتضن تعاليم الإسلام، وتنشر رسالته في ربوع العالم.

أربعة مبادئ حول إسلامية الدولة

تكتسب الدولة الإسلامية صفتها القانونية انطلاقا من قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (النساء 59). وانطلاقا من هذه الآية يعتبر محمد أسد أن القرآن الكريم يضع عدة مبادئ عامة تتصل بطبيعة الدولة الإسلامية، والتي يحددها في أربعة توجيهات:

1 . أهم واجبات الدولة إنفاذ الأحكام الشرعية في الأقطار والمناطق الخاضعة لسلطانها.

2 . دستور الدولة يجب أن يَنُصَّ على أن أية قوانين لا تصبح سارية المفعول إذا وجدت متناقضة مع نص شرعي.

3 . طاعة المجتمع الإسلامي “لأولي الأمر” مشروطة بشرط جوهري هو طاعتهم لله ورسوله.

4 . تولي الحكم من غير طريق الانتخاب يجعل الأمة غير ملزمة شرعا بطاعة المستولي على السلطة.

مصدر السيادة في الدولة الإسلامية

نصل مع محمد أسد إلى نقطة حساسة في الفقه الدستوري، وهي التي يُعبر عنها بـ “مصدر السيادة” في الدولة التي تسم نفسها بالإسلامية، فيرى أننا إذا نظرنا في الأمر على أساس أن الدولة الإسلامية ينبثق حقها الشرعي من اتفاق كلمة الشعب عن طواعية واختيار على إيديولوجية معينة، وإن استمرار الحكومة في السلطة مرتبط بموافقة الشعب على الأسلوب الذي تُدار به شؤون الدولة، فالمرء قد يُغرى بأن يقول بأن السيادة هنا هي “للشعب”، ولكن عندما نأخذ بنظر الاعتبار أنه في مجتمع إسلامي واع لا تكون موافقة الشعب على أسلوب الحكم سوى نتيجة مترتبة على قبوله الإسلام شريعة، وعندئذ لا جدال في أنه لا توجد في الواقع “سيادة” للشعب يمارسها كحق مطلق). والنتيجة التي يخلص إليها هي أن المصدر الحقيقي للسيادة في الدولة الإسلامية هو المشيئة الإلهية كما وُضعَت لنا في أحكام الشرع). لكن أسدا لم يحدد لنا سبل الخروج من ورطة الاختلاف في فهم وتفسير هذه “المشيئة”.

مبدأ الشورى

يؤكد أسد أن الحاجة إلى سن القوانين الجارية المناسبة لكل عصر تبدو واضحة كل الوضوح، لكن هذه العملية ـ لأهميتها وسدّا لباب إنتاج حاكم مستبد ـ لا يمكن تركها لاجتهاد الأفراد، بل لا بد أن ينبثق ذلك عن مجلس شورى تنتخبه الأمة. و يحصر أسد عمل هذا المجلس في سن القوانين ذات الطابع العام والتي لا تتعارض مع صريح النصوص الشرعية، ويَشترط في المرشح للمجلس شرطان فضفاضان هما: الثقافة ورجاحة العقل، ويصر على أن قرارات المجلس يجب أن تصدر بأغلبية الأصوات، وإن كانت بسيطة، باستثناء إذا كانت القرارات المراد اتخاذها ذات أهمية قصوى؛ كاقتراح إسقاط الحكومة، أو تعديل الدستور، أو إعلان الحرب… فإن الأمر يحتاج إلى أغلبية ثلثي أصوات المجلس، وإن كان تأييد الأكثرية لإجراء قانوني معين لا يعني دائما ـ في رأيه ـ أن هذا الإجراء هو الأصلح والأصوب، ولكنه إجراء ضروري لإدارة الاختلاف، خاصة وأن العقل البشري لم يستطع لحد الآن أن يبتكر وسيلة يصل بها إلى اتفاق حول الشؤون المشتركة للمجتمع خيرا من مبدأ الأخذ برأي الأغلبية. و يستدل لتـأكيد رأيه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “اتبعوا السواد الأعظم” و“عليكم بالجماعة والعامة”.

إلى أي مدى يجب على الأمة أن تتذرع بالصبر إزاء حكم جائر؟

بعد أن يستعرض محمد أسد جملة من الأحاديث في الباب يستخلص أربعة مبادئ:

1 . للحاكم الذي يمثل الحكومة الشرعية في الدولة حق الطاعة من المواطنين جميعا.

2 . إذا ما أصدرت الحكومة قوانين تتضمن معصية صريحة بالمعنى الشرعي، فإنه لا سمع ولا طاعة على المواطنين بالنسبة لهذه القوانين والأوامر.

3 . إذا ما وقفت الحكومة موقفا تتحدى به تحديا صريحا متعمدا نصوص القرآن فإن هذا الموقف يعتبر “كفرا بواحا”، الأمر الذي يستوجب نزع السلطة من يدها وإسقاطها.

4 . نزع السلطة من يد هذه الحكومة يجب ألا يتم عن طريق ثورة مسلحة من جانب أقلية في المجتمع، بل عن طريق حكم علني يصدر من قبل أكثرية الأمة أو عن طريق حكم من قبل المحكمة العليا.

حرية الرأي في الدولة الإسلامية

يعتبر محمد أسد “حرية الرأي” حقا وواجبا؛ بحيث يجب على المواطن أن يمارس حقه في النقد، وأن يقف بشجاعة إلى جانب الحق والعدالة، لأن مصالح المجتمع تتطلب من جميع أفراده أن يتعاونوا على النهوض بالمستوى الخلقي والاجتماعي للأمة بكل الوسائل الممكنة.

لكن يجب ألا يستخدم هذا الحق في:

ـ التحريض على الاستخفاف بالشريعة أو نبذها.

ـ إثارة الشغب ضد الحكومة القائمة.

ـ الدعوة للرذيلة أو الاستهتار بالآداب العامة.

خاتمة

نختم هذا العرض بما بدأ به محمد أسد كتابه عندما ألح على أن مقترحاته لا يمكن لها أن تأخذ حقها في التجريب إلا إذا أتيح للأمة حق الاختيار، وهي تجتاز الآن ـ ويقصد الفترة التي تلت استقلال البلاد العربية والإسلامية ـ تلك المرحلة التاريخية.

يقول: تسنح في حياة كل أمة من الأمم ـ عاجلا أو آجلا ـ لحظة ثمينة، تجد الأمة نفسها خلالها في حرية تامة لاختيار مصيرها وتحديد مستقبلها، وهي لحظة يكون فيها القرار الذي تتخذه هذه الأمة، والمستقبل الذي تستهدفه، طليقا من كل ضغط قد تفرضه عليها ظروف مضادة معاكسة؛ لحظة لا تستطيع خلالها أية قوة على الأرض أن تمنع الأمة من اختيار الطريق الذي تنشده أو أن تستبدل به طريقا آخر. ومثل هذه اللحظات التاريخية نادرة كل الندرة في حياة الأمم تمر سريعا خاطفة بحيث إذا لم تستطع الأمة الإفادة من سُنوحِها فقد لا تتاح لها فرصة مماثلة قبل مرور عدة قرون).