مقدمة

بعدما تكرس في الأذهان نتيجة الدعاية الرسمية المتوارثة والسيف السلطاني المصلت على الرقاب أن الأنظمة السياسية العربية راسخة البنيان عريقة الطغيان، لا يجرؤ عن الحديث في تغييرها إنسان، أتيحت فرصة لبعض الشعوب الإسلامية العربية لتجهر برفضها للظلم والانفراد بالسلطة والمجد والثروة. فوقع ما وقع في كثير من الأقطار مثل: تونس، مصر، ليبيا، اليمن… الخ، حيث اشتد الخناق على الحُكام وضاقت بهم الحيل وتساقطت حُججهم كما تسَّاقط أوراق الخريف. وبدت مظاهر التحول جلية وإن كانت متباينة، فسمي الحدث يومذاك بـ”الربيع العربي”.

شاعت التسمية إعلاميا للدلالة على الإرادة الجماعية الإجماعية للأمة على طلب التحول من واقع سياسي اجتمعت فيه جميع المعاطب إلى نظام سياسي بديل يفك الرقاب من الظلم ويستوعب الجميع، ويتجاوز تلك العقابيل ليصنع تحولا سياسيا وثقافيا حقيقيا، فينشئ بذلك كيانا جديدا للأمة تُعالج فيه الأمراض التي أنتجتها بيئة الاستبداد والفساد وكرستها أحداث التاريخ وثقافة الانقياد. هذه الأخيرة قاومت التحول وحاولت طمس معالمه. فهل تمَّ هذا التحول فعلا؟ وما هي الخلاصات التي يمكن أن نخلص إليها من وقائع هذا “الربيع”؟

1- حتمية التحول السياسي

التاريخ البشري هو تاريخ تحولات مستمرة، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الإنسانية عامة. أحيانا تكون فجائية وغير منتظرة للذين يظنون أنهم قادرون عليها، وأحيانا أخرى تتم بشكل خطي تتلاحق حلقات عناصرها. وقد وقع هذا وذاك ويقع في تاريخ البشرية باختلاف أديانها ولغاتها وأجناسها. كما أن عقلاء العالم يدركون أكثر من غيرهم أن دوام الحال السياسي لأمة من الأمم أو دولة من الدول من الـمُحال. وعليه فدعاة الإسلام اليوم كما دعاة العلمانية في حاجة إلى استخلاص العبر من التاريخ الذي هو حصيلة سنن تحكم الطبيعة والإنسان والعالم) 1 ، أو بتعبير “ولفرد كانتول سميث” (Welfered Cantel Smith) هو سجل المحاولات البشرية الدائمة لتحقيق ملكوت الله في الأرض)، فلا يصح أن يفارق اعتقاد الناس وتفكيرهم اليقين في سُنة التحول الجارية على الأشياء والأشخاص والأمم والأزمان، من أجل حسن النظر والتثبت والتدقيق حسب تعبير ابن خلدون.

والتحول قانون يطال كل مخلوق دون محاباة أحد. والعالم بقُراه العادلة والظالمة مخلوقات من مخلوقات الله تجري عليها أقداره، حتى وإن كرِه كبراء القوم وساداتهم السياسيين والاقتصاديين والفكرانيين أن يطالهم التحول ويقض مضجعهم الإصلاح. وما وقع في زمننا المعاصر من مظاهر هذا التحول كافٍ لاستجلاء الفكرة واستخلاص العبرة. وإلا من كان يظن أن حاكما مستبدا مثل “بن علي” في تونس يفر فرار المجرم من قبضة شعبٍ كان ضحية دعايته الرسمية التي تفننت في تنويمه ومسخ هويته؟ ومن كان يتوقع أن ينقلب العسكر في مصر على الشرعية الشعبية القانونية الانتخابية؟

إذن التحول واقع ومستأنف في الأمة الإسلامية كما في العالم. وهو كذلك يحمل معه اجتهاداته وعِبره وإنجازاته. يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: إننا بحول الله مُقْدِمون على الدخول في سياق التحول من الحكم الاستبدادي إلى الحكم الشوري. وإن إحكامَ الخطى في مراحل التحول مقدمةٌ صحِّيَّةٌ للثبات على منهاج إعادة البناء. بحاجة لإعادة البناءِ نظامُنا السياسيُّ الموبوء الموروث، بحاجة إليها اقتصادُنا المخرُوب ومجتمعنا المنهوك. بحاجة إليها على الأخص النفسية الخانعة المنقادة، نفسية الجماهير السَّلْسَةِ القياد، العالَةِ على أبَوِيَّةٍ سلطوية، التي قد تنتفض في «مظاهرات الجوع» لكنها قلما تنكر المنكر الجاثم على الصدور، منكر الحكم الفاسِدِ) 2 .

2- فقه الواقع في حركيته المتسارعة

معلوم أن الواقع الذي نعيشه متحرك بشكل معقد وسريع، فهو متصل من جهةٍ بثقل الماضي والقوانين الاجتماعية التي تحكمت فيه، ومشدود من جهة أخرى إلى الحاضر بضروراته ومخاضاته، ومنفتح أيضا على المستقبل بمآلاته وانتظاراته، مما يستوجب:

أولا: تعميق الوعي العلمي والتاريخي بطبيعة المعْمَعان السياسي والثقافي والاقتصادي الذي تتحرك فيه الأمة والإنسانية، و”مساعفة القِران الدولي” كيلا يصطدم الحالمون بصخورٍ حسبوها حبات رمل صغيرة فيكررون الأخطاء وتتجرع معهم شعوبهم مرارة المغامرة وعلقم الفشل.

وثانيا: تحصيل اليقظة الكافية للقيام بواجب الوقت والتحصن من الذوبان في إحدى دوائر العدم الداخلية (خدمة الاستبداد) أو الخارجية (التبعية للخارج).

وثالثا: امتلاك الخبرة الميدانية وسط الناس ومع خيارهم عوض التمني الكسلان والبطالة والانسحاب أو الاندفاع الفارغ والمستعجل الشبيه بهجوم الفراش على النار.

ورابعا: من أوجب الواجبات في إحداث التحول الحقيقي إعداد مشروعٍ عملي واضح له غاية ينشدها وله أهداف مرحلية يحققها وقادر على الوصول إلى السواد الأعظم من الناس ليقنعهم بجدواه ونجاعة الأجوبة التي يقترحها لأسئلتهم، يستمد مرجعيته من مرجعية الأمة التي تحتضنه، ويقبل التطبيق حالا أو مآلا، كما يستحضر مختلف المعطيات التي تؤثر في سير عملياته المركبة.

3- الوعي بخطورة المرحلة الانتقالية

يعاب على كثير من الحركات السياسية والاجتماعية غفلتها عن تطبيب المرحلة الانتقالية، وتؤاخذ على فشلها في إنجاح التحول من “الفعل الثوري الحماسي” إلى “الفعل الديمقراطي البنائي”، أي فترة ما بين عملية الانتفاضة الحماسية التي قد تهدم كوخا قديما لكنها تعجز عن إقامة بنيان جديد من أساسه. وإن عملية بناء نظام سياسي جديد يرث الخراب من سابقه والممانعة من جيرانه والاستعجال من أبنائه لمن أخطر ما ينتظر بُناة ودعاة التحول والانتقال. ولا شك أن عملية التمريض هاته تتطلب من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين:

أولا: القطع مع الاستبداد كُلية ورفض كل أشكال التعايش معه لأنه صاحب خبرةٍ طويلة في التمويه والانحناء للعواصف، وباستدعاء رموز ابن المقفع نقول إن الغزال الصغير لا يمكن أن يتعايش وينمو نموا طبيعيا مع قسورةٍ متمرس في الفتك مهما بدا رحيما. وهذا القطع لا يعني كسر أجهزة الدولة بقدر ما يعني التخلص من شيوخ الفساد والاستبداد.

وثانيا: توسيع دائرة التعاون والتوافق والتشارك مع جميع الفضلاء والخبراء من أفراد وهيئات مختلفة في تصوراتها ما عدا سدنة الفساد “أكابر مجرميها”، مع التركيز على القواسم المشتركة الكبرى، وتجنب التوثب إلى السلطة والفرح بالمنصب والاحتفال بالأغلبية. وتضييق دائرة التنابز والتخالف والإقصاء.

وثالثا: حيازة التغلغل الكبير في الشعب بمختلف نخبه وجماهيره، وتوعيته بمستلزمات التحول وأثمنة العدل والحرية والرخاء، وإشراكه في قسمة التضحيات والواجبات حتى لا يتكلس فهمه على ذهنية مطلبية تستزيد بلا حدود وتتشفى بلا قيود. والحذر من ترويج خطاب الاستلاب الذي يُرسخ دين الانقياد باسم الدّين.

وكل تجاهل أو تهوين بخطورة هذه المرحلة يؤدي غالبا إلى أوخم العواقب. وللعاقل أن ينظر في تاريخ التحولات السياسية التي جرت في العالم حتى لا تفوته سنة الله في الأمم السابقة، إذ تقدر بعض الدراسات هذه المرحلة بحوالي 10 سنوات من الانتقال حتى يتحقق الاستقرار على النظام الجديد.

4- حِكمة التدرج وحِيلُ الدُّهاة

تظهر مما سبق الأهمية القصوى لحكمة التدرج في إحداث التحول وخاصة إذا كان يقصد إلى بناء دولة عصرية تجسد إرادة الأمة 3 وترعى الحقوق والحريات وتحقق العدل والرخاء، بعد انهيار المنظومة السابقة التي تتلخص في عنوانها ورموزها جميع الأزمات والمشاكل. فلا شيء يُبنى بالطفرة ودورة كف أو بالإكراه وضربة سيف، وإنما تجري الأحداث بشكل بنائي متدرج. عَلِمه الناس بعلومٍ تعلموها من تتلمذهم على آيات الله في الكون المسخر لهم وراكموا تجربة غنية بإيجابياتها وسلبياتها، أو ادَّارك علمهم فيها أحيانا وانبرى الخراصون والأفاكون للملمة خطابات تتلقف حكمة ما بعد الحدث لتغطي على قصورها. والتدرج لا يفيد الركون إلى العناصر الفاسدة أو تطعيم منظومة الفساد بعناصر صالحة، وإنما يفيد بناء جديدا انطلاقا من الأسس. حتى لا تنطلي على الدُّعاة حيل الدُّهاة.

الله سبحانه هو الفاعل الحكيم الذي يفعل ما يريد ولا يُسأل عما يفعل، بسط سبل الهداية والتبصر للخلق أجمعين، مَن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها. من بذل الجهد وواصل العمل ووافق السنن بلغ مناه. ومن تخلف وتأفف أو تحمس وعنف ساءت عقباه. والعياذ بالله. ومن يريد أن يغير الواقع في لحظة، ويرفع الموجود بضربة ليحضر مكانه “حلا إسلاميا” جاهزا مكتملا فإنما هو حالم أو مجنون) 4 .

5- تنصل الغرب من قيمه الحضارية

الحضارة الغربية فضاءٌ تتعايش داخله المتناقضات الفكرية والتربوية والسياسية والدينية، وهي التي تأكل مصداقيته المزعومة، والأحداث التي وقعت في ما يسمى بالربيع العربي أثبتت أن الغرب دائما مهووس بمصلحته المادية على حساب قيمه الحضارية والإنسانية التي يدعي أنها قيم كونية خالدة. فيناصر الأنظمة الأكثر استبدادا في العالم بوصفهم “عملاء أغنياء” ويقدمهم إعلاميا بكونهم أصحاب نماذج رشيدة ومعتدلة.

كل ما يفعله الغرب تجاه العرب والمسلمين منبثق عن رؤية استراتيجية في تغريب العالم وتأبيد مركزيته وضمان هيمنته، ويتجسد مرحليا في شعارات مسمومة من قبيل: “الشرق الأوسط الكبير”، كما لا يخفى تحيزه الديني والعرقي بشكل لا يمكن تجاهله، ناهيك عن استعماله لـ”باطل الفيتو” بُغية حماية كيانات محتلة كإسرائيل، وهو نفسه لا يراعي “إنسانية الإنسان” في مصر وسوريا واليمن وليبيا وفلسطين وغيرها من بلدان العرب والمسلمين، بل هو الفاعل المباشر في أفغانستان والعراق…

لقد افتضح ادعاء الغرب حماية الديمقراطية في العالم، وتقلص نموذجه الفكري والسياسي عند الشعوب التي لم تجد لها مع يقظتها منه ناصرا. ولعل هذا التواطؤ سيكون كافيا للتوعية بعدم التعويل المطلق على النموذج الغربي في الديمقراطية التي تكيل بمكيالين وتطفف في حق المسلمين. وسوف يضطر الغرب مستقبلا إلى التكفير عن خطاياه ليكون له وجه وحضور، إذ سيدرك حتما بعد أن تعييه الحيلة أن حسابات المصالح المستقبلية لن تكون إيجابية إلا بالتعاون مع هؤلاء الإسلاميين) 5 .


[1] عماد الدين خليل، في النقد الإسلامي المعاصر، ص: 123.\
[2] ياسين عبد السلام، العدل، الإسلاميون والحكم، مطبعة دار الآفاق، ط3، 1422ه/2001م، ص: 106.\
[3] تنظر معالم الدولة العصرية في: الفراك أحمد، الدولة المدنية وإشكال الهوية، دار القلم، الرباط، 2013، من ص: 37 إلى ص: 60.\
[4] ياسين عبد السلام، سنة الله، دار لبنان للطباعة والنشر، ط 1، 1428ه/2007م، ص21.\
[5] ياسين عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص: 313.\