تسعى المخططات الاستراتيجية للاستعمار الجديد، في دول العالم الإسلامي عموما ودول العالم العربي خصوصا، توظيف المصطلحات القرآنية والنبوية توظيفا سلبيا لتحريف معناه والزيغ به عن مقصده ومرماه. كما يستعمل من أجل نفس القصد “صناعة دمى” تجسد المعنى السلبي في الساحة العربية، أو خارجها، بهدف صناعة “ثقافة الكراهية” وتقويض مشروع الحركات التحررية عموما والحركات الإسلامية الجادة خصوصا.

هذه المصطلحات القرآنية والنبوية شريفة المعنى والمبنى كثيرة، وهي مبثوثة في القرآن العظيم في كثير من الآيات الكريمة، وفي الأحاديث النبوية الشريفة في كثير من الأبواب، تناولها المفسرون والمحدثون بالشرح الواضح والتبيان المستفيض وتركوا باب الاجتهاد مفتوحا للأمة حتى لا يقع المقلد في التقليد الضيق ويقبع المتبع في دائرة الفقه المنحبس…

من بين هذه المصطلحات المراد تقزيمها وتلطيخها بالدماء: الجهاد، الدولة الإسلامية، الخلافة، القومة…

فجأة نشأت “تنظيمات جهادية” تحمل أسماء مقدسة لكن بنيات فاسدة ومفسدة ك:

“داعش” في أرض الشام والعراق، وحركة “بوكو حرام” في نيجيريا تقتل المسلمين باسم إقامة الحدود وتستبيح الأعراض والأموال بغير حق وتبث الرعب في قلوب الناس وتؤسس ثقافة الكراهية ونعرة الطائفية بين المسلمين على أرض العراق الذي مزقته حرب الخليج الأولى والثانية ليضخ نفطه من آباره إلى أمريكا، وكذلك على أرض سوريا التي دمرها أزلام النظام البعثي وتدمرها دمى الخلافة الوهمية صنيعة أمريكا ، وتونس وليبيا ومصر… بلدان الربيع العربي التي تخضع لإجهاض ثوراتها الشعبية بإدارة عربية لكن بإرادة غربية.

لست في هذه المقالة بصدد شرح كل مصطلح ومقتضياته، أو وضع كل مشروع نهضة تحت المجهر، وإنما أريد أن أبين المراد من هذا الغزو الجديد لعقول تقع في دائرة الأسر ولعواطف توظف للتنابز بالألقاب، يروج لها بقوة حتى تصبح متداولة عند الرأي العام بشكل يومي وبالصورة السلبية المرسومة لها. تصور قاتم للمصطلح حتى تصنع تلك الصورة الوهمية القبيحة المراد ترسيخها في الأذهان، وذلك بما يخدم “الرواية الاستعمارية” ويسهم من وجهة نظرها في تعميمها وتكريسها وجعلها في المحصلة مألوفة على مستوى الوعي وجزءا من الخطاب المتداول.

يدرك العقل الاستعماري أن هذه المهمة ضرورية في سياق الحرب الجديدة المستمرة من أجل إلغاء هوية الأمة وتشويه تاريخها.

فهذا العقل الاستعماري الجديد جند “آلة إعلامية” ضخمة مهمتها الأساسية قلب الحقائق وتزوير التاريخ. من أجل ذلك يحرص المستعمرون الجدد، بعد زلزال الربيع العربي، على تعميم وترسيخ جملة من المصطلحات والتعبيرات والمفردات عبر مختلف وسائل الإعلام، فيما تسعى بكل ما أوتيت من عسف إلى مواجهة أي محاولة لنقد وتفنيد هذه الرواية والتصدي بحزم لأي مسعى يجهد لتقديم رواية مغايرة.

انتبه المستعمر الجديد لبلاغة المصطلح فتصدى له ويحاول اليوم إفراغه من معناه، فهو يقود حربا يريد من خلالها ترسيخ المصطلح السلبي، لأن انتصار المصطلح هو انتصار للرواية والصراع بجوهره هو صراع روايات..

المتأمل في العدوان الإسرائيلي على أرض فلسطين المغتصبة وشعب غزة الأبية يدرك أن إسرائيل تحاول إرساء أسطورتها الدينية والسياسية والأمنية للاحتلال في القدس، وذلك باستعمال مصطلح “السياج الأمني” بدل “جدار الفصل العنصري” لإظهار أنه أقيم من أجل حفظ أمن إسرائيل والقول إنه يفصل بين المدنس والمقدس، الأمن والقتل، الجدار الذي يجلب الأمن لإسرائيل ويحميهم من الإرهاب الفلسطيني.

التسويق لهذا النوع من المصطلحات السلبية، وسيلة لإنجاح مشروع الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا، بجعل كثير من الناس يعتقدون أن العمل العدواني الإسرائيلي واستباحة الدم الفلسطيني يندرج في إطار الدفاع عن النفس، والانقلاب العسكري في مصر مشروع ضد الديمقراطية وصناديق الاقتراع التي أعطت الأغلبية للإسلاميين لتسيير دواليب الحكم، لأنها سوف تسطو بعد حين، على الحكم وتقطع الرقاب لإقامة الدول الإسلامية في تونس وليبيا ومصر والعراق وسوريا واليمن والبحرين… ثم الخلافة الإسلامية الممتدة من المشرق إلى المغرب العربي.

من أجل ذلك أنشِئت المساجد الضرار وأسست الدولة الإسلامية الوهمية والتنظيمات الجهادية التي تسعى في الأرض خرابا، وهو الأمر البارز اليوم للعيان والمستهجن من طرف القريب والبعيد؛ ما تقترفه الأيادي غير المتوضئة واللحى الملطخة بالدماء والأجساد الخشنة التي تعتلي منابر المساجد لتجيز قتل الأبرياء وتنهب الأموال وتهتك الأعراض باسم الإسلام، والإسلام منهم براء.