سيبقى يوم 27 غشت 2014 موشوما في الذاكرة الفلسطينية باعتباره فيصلا بين عهد من الهزائم العربية الرسمية ومقدمة لعهد من الانتصارات للمقاومة الشعبية الفلسطينية التي فرضت شروطها على المحتل الغاصب بعد أن أرعبت المستوطنين وأرغمتهم على اللجوء للمخابئ، وأرغمت جيش العدوان الصهيوني على الهزيمة المادية والمعنوية، وأفشلت القيادة السياسية الصهيونية في تحقيق أهدافها السياسية والدبلوماسية والعسكرية. كما ستبقى معركة “العصف المأكول” موشومة في ذاكرة الكيان الصهيوني الذي ذاق المرارة وعدم الأمن والعزلة.

أطلقت المقاومة على هذا اليوم عيد الانتصار، وهو عند الصهاينة يوم تحطم أسطورة جيشهم الذي حاولوا إيهام العالم أنه “لا يقهر”، وسيشكل هذا العدوان مادة خصبة للباحثين والساسة والجيوش لمعرفة أسباب هذا الانتصار وعوامله الحاسمة، ومساهمة في الإجابة عن هذا السؤال تأتي هذه المحاولة الأولى.

صمود وصبر وثبات المقاومة

يقول الله عز وجل في محكم التنزيل يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (الأنفال 45). فقد أثبتت فصائل المقاومة، وعلى رأسها كتائب القسام، أن اليقين في الله عز وجل هو حافزها ومحركها وضمانتها لأنه هو الذي يصنع الثبات ويشحذ العزائم ويقوي الإرادة ويزود المقاوم بميزان غير مادي يقيس عوامل القوة بمقاييس أخرى يقف فيها معيار الإرادة والصدق ضد معيار القوة المادية.

سيقف المحللون طويلا أمام العوامل التي جعلت قطاعا صغيرا بحجم غزة (360 كلم مربع) يسكنه حوالي مليون و800 ألف إنسان أغلبهم مهجرين من باقي فلسطين بحكم سياسات الاحتلال البغيض، التوسعية والعنصرية، يصمدون في وجه واحد من أقوى جيوش العالم لمدة 51 يوما من دون ظهير سياسي أو عمق عسكري وأمني أو مساعدة اجتماعية. وحتما سيتوصلون أن المقاومة هيأت تربة خصبة حاضنة لمشروعها ومستعدة للتضحية بأغلى ما تملك لنجاحه. ولذلك لن يستغرب هذا المتتبع استهداف الكيان الصهيوني للمدنيين ومبانيهم وأرضهم ومدارسهم لأنهم يشكلون البيئة الحاضنة للمقاومة.

لن يجد المطلع على العقيدة العسكرية للمقاوم المجاهد أدنى صعوبة في فهم العوامل الإيمانية والنفسية المحفزة على قتال المحتل الغاصب ومخزون الشجاعة والبطولة والصبر الذي يستوطن كيان المقاوم وروحه وجوارحه، وهو الموعود بأغلى الأماني: الشهادة في سبيل الله والوطن والمستضعفين من بني أمته وشعبه أو النصر والتمكين.

الصمود الأسطوري للمقاومة والإبداع في قتال العدو، بحرا وجوا وفوق الأرض وتحتها، دروس ينبغي للعالم أن يتناولها ويستفيد منها في كلياته الحربية العسكرية.

البيئة الحاضنة للمقاومة

مرت 51 يوما من الحرب قبل توقيع اتفاق الهدنة، فعاث الكيان الصهيوني في الأرض فسادا، حيث قصف من البر والبحر والجو وقتل وجرح خلالها الآلاف من السكان، معظمهم من النساء والأطفال والمسنين، ودمر وخرب مئات البيوت، ولم تسلم حتى الأبراج السكنية العالية التي استهدفها العدوان بغاراتٍ قاسية، ورغم هذا كله، لم يكن لهذا النصر أن يتم لو لم تكن له حاضنة شعبية استرخصت الأرواح والأموال والممتلكات في سبيل هذا النصر الرائع على قطعان عساكر العدو المهزومة والخائبة.

وغير خاف على المراقب والمحلل للأحداث أن قصف المساكن والممتلكات والحرب النفسية الصهيونية على الشعب الفلسطيني كان القصد منه أساسا كسر الثقة التي بنتها المقاومة على مدار عقودٍ طويلة مع الشعب، لكن طبيعة الشعب الفلسطيني وخبرته الطويلة بمكر الاحتلال وخبثه تجعله أكثر تمسكاً بالمقاومة ونصرتها، ثم كان هدف الاحتلال نزع سلاح المقاومة وتدمير الأنفاق، ولكن كانت النتيجة عكس ما أراد العدو، وعربون ذلك الاحتفاء بالمقاومين وتتويجهم بتاج المحبة والتقدير.

خيار المقاومة هو الأنجع

إن خيار المقاومة هو السبيل لاستعادة الأرض وتحرير أرض فلسطين إن شاء الله تعالى، في حين أن خيار التفاوض لم يزد أصحابه إلا بعدا عن الشعب واجترار الخيبة والمذلة من قبل العدو الصهيوني ومَن وراءه، الذين لا يحترمون إلا القوة ولا يتراجعون إلا أمام الأقوياء.

إن الصورة الموحدة التي ظهرت بها جميع فصائل المقاومة أثناء العدوان وبعد الهدنة هي السبيل لإنجاز وتحقيق مطالب الشعب الفلسطيني، وهم بوحدة صفهم هيأوا عنصر قوة للفريق السياسي أثناء تفاوضه وقدموا درسا للساسة حتى يستفيدوا من هذه التجربة الرائعة وينسجوا على منوال فريق المقاومة لتجاوز الخلافات.

عزلة دولية للكيان الصهيوني

من أهم عناصر هذا الانتصار قدرة إعلام المقاومة ودبلوماسيتها الشعبية في حشد رأي عام عالمي مناهض للكيان الصهيوني العنصري بسبب جرائمه ضد الإنسانية والمنافية لكل قواعد القانون الدولي ومقتضيات الاجتماع البشري. ولذلك جمع هذا العدوان كل أحرار العالم في كفة مناهضة للصهاينة وأتباعهم، وأخرج القضية الفلسطينية من بعدها الوطني والإقليمي إلى بعد عالمي وإنساني أرحب ضدا على السياسة الإسرائيلية والأميركية والعربية الرسمية التي قلصت هذه القضية وحصرتها في هامش مواجهة بين الفلسطينيين والصهاينة. ولعل الفعاليات التضامنية المتعددة والمستمرة والمواكبة لأيام العدوان في بعض العواصم الغربية والدعوة إلى مقاطعة الشركات التي تستثمر في أرض فلسطين المحتلة وكذا المواقف الجريئة الذي اتخذتها جل دول أمريكا اللاتينية، وعلى رأسها بوليفيا التي اعتبرت دولة الكيان المغتصب دولة إرهابية وسحب العديد منها سفرائها لدى الكيان الصهيوني خير مثال.

فضيحة للنظام الرسمي العربي

شكلت هذه الحرب فضيحة مدوية للنظام الرسمي العربي الذي كان في أشد حالات وهنه وانفصاله عن قاعدته الشعبية التي شكلت الدعامة الشعبية للمقاومة القادرة على تحدي الموقف الرسمي والتعبير بكل الأشكال المتاحة عن الارتباط الكلي بالقضية الفلسطينية وشعب فلسطين.

يساهم هذا الانتصار في إعادة ترتيب أوراق المشهد من جديد وتعديل ميزان القوى وترجيح كفة خيار المقاومة وتقديم المثال على إمكانية تحقيق التكامل بين شقي المقاومة العسكري والسياسي، والطريق لذلك هو تحقيق المصالحة الحقيقية وإيقاف كل أشكال التنسيق الأمني مع الصهاينة وإعادة بناء المؤسسات على أسس مهنية في ظل احترام خيار المقاومة واستشعار أن فلسطين دولة محتلة وأولى أولوياتها هي دحر الاحتلال من كل فلسطين واستعادة القدس والمسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين.

ونتساءل لمن تجهز الأنظمة العربية جيوشها وتنفق عليها مليارات الدولارات لتقوية الترسانة الحربية وما تتطلبه هذه الترسانة من صيانة وتجديد وهي قابعة في المخازن؟ وغزة العزة تعاني من الحصار وانقطاع الكهرباء وقلة الغذاء والدواء، ونشير أيضا أن المستشفيات ومصنع الأدوية بالقطاع لم يسلم من قصف العدو الصهيوني.

وانتصر الغزاويون…

انتصرت غزة بفضل الله وتوفيقه ومعها انتصرت كل فلسطين وخيار المقاومة، وحتى آخر دقيقة وهي تطلق الصواريخ على “تل أبيب” وانتصرت يوم أن بقيت شامخة لا تحني رأسها إلا لرب العالمين، وانتصرت غزة لما رفع الكيان الصهيوني الراية البيضاء ورجع يجر ذيول الهزيمة والعار.

اتنصرت غزة لما أجبرت سكان الجنوب الإسرائيلي على إخلاء بيوتهم وعدم الرجوع إليها إلا بإذن المقاومة.

انتصرت غزة لما وحدت جهود فصائل المقاومة والوقوف صفا واحدا موحدا أمام الكيان الصهيوني.

وأخيرا احتفلت الضفة وغزة والقدس والـ48 والشتات ومجموعة من دول العالم العربي والإسلامي وأحرار العالم بنصر غزة ووقفت وقفة إجلال وإكبار أمام التضحيات الجسام والبطولات التي أظهرها الشعب الفلسطيني في تلاحمه مع المقاومة الباسلة.

هل باستطاعة المكونات السياسية الحفاظ على هذا النصر؟ وهل ستصمد المصالحة الفلسطينية أمام مناورات الصهاينة ودسائس الأنظمة العربية؟ هل ستتحقق الشراكة الحقيقية في صناعة القرار الفلسطيني وإعادة إعمار غزة؟

وحدها الأيام القادمة قادرة على الإجابة عن هذه الأسئلة.