بعد الإعلان عن انتهاء حرب غزة صرح نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في أول ظهور له مند بدء العدوان الصهيوني: انتصار غزة هو تراكم عمل جاد عبر سنين طويلة من الجهاد والاستعداد ليس فقط لمعركةٍ في غزة بل للتحرير الشامل لفلسطين والأقصى). وأضاف هنية: هذه المعركة أعادت الاعتبار لفلسطين وأحيت مشاعر العرب والمسلمين نحوها من جديد)، مشيراً إلى أن المعركة كشفت عن منحنى تطور المعركة في فلسطين على مدار ثماني سنوات).

هذا التصريح وغيره من أعلى هرم القيادة السياسية للمقاومة الفلسطينية يسلط الضوء على الإعداد طويل النفس والمتأني لأسباب القوة لمعركة استراتيجية حاسمة هدفها تحرير الأقصى وعموم فلسطين من عصابات العدوان الصهيوني.

فيما يلي نبسط أبعاد الانتصار المتحدث عنه والعوامل المساعدة لتحقيق النصر الاستراتيجي وتحرير الأرض والإنسان الفلسطينيين.

الانتصار العسكري

أقوى تجليات الانتصار العسكري للمقاومة كان ضرب أسس الاحتلال التي قامت على:

* الوطن الآمن لليهود في كل العالم الذي أصبح مع صواريخ المقاومة أخطر بقعة على وجه الأرض لبني صهيون.

* الرفاه الاقتصادي والاستقرار المجتمعي اللذان أصبحا في مهب الريح بعد تكبيد دولة العدوان الصهيوني خسائر بالمليارات.

فيما أبرز مميزات “معركة العصف المأكول” كانت:

* الأداء الجيد للمقاومة التي طورت من أساليبها بحرا وجوا وفوق وتحت الأرض مما أرعب القيادة العسكرية الصهيونية.

* إسقاط منظومة الردع الصهيوني (القبة الحديدية).

* ضرب العمق الصهيوني، حيث دكت صواريخ المقاومة أهدافا بعمق 160 كلم لأول مرة.

* ارتفاع الكثافة الصاروخية واستمرار القصف.

* عجز الاحتلال عن التحكم في نهاية المعركة.

* تهجير قطعان المستوطنين من غلاف غزة لشمال فلسطين الآمن نسبيا.

* لأول مرة يتم التفاوض تحت النار والمقاومة تطلق الصواريخ، عكس الماضي عندما كان الوسطاء يستجدون الاحتلال وقف الحرب.

وعليه فالانتصار العسكري للمقاومة الفلسطينية بغزة لا يجادل فيه إلا صنفان:

* كاره للمقاومة، منبطح مع المطبعين أو بالتعبير الجديد “صهاينة العرب”، وهؤلاء يحسب للمقاومة أنها أخرجتهم من جحورهم وفضحتهم أمام شعوبهم.

* غير مطلع على ثورات الشعوب ومقاومتها للمحتل الغاصب.

فالتاريخ الحديث ينبئنا في الجزائر وفييتنام وجنوب إفريقيا أن للحرية ثمن، وبما أنها غالية فالثمن يكون غاليا، والمهم ألا تنكسر الإرادات ويتحقق في النهاية التحرير.

ولتأكيد انتصار المقاومة لا بد من الإشارة إلى أن الاحتلال أخفق في تحقيق أي من أهدافه المعلنة والمتمثلة أساسا في: شل القدرات العسكرية للمقاومة، القضاء على حماس، هدم الأنفاق.

الانتصار الأخلاقي

لعل من أبرز أبعاد انتصار المقاومة الفلسطينية في المعركة الأخيرة، البعد الأخلاقي.

ونظرة بسيطة على أعداد القتلى من الصهاينة المحتلين والشهداء الفلسطينيين المدنيين وحجم الدمار في المساكن والمساجد وغيرها مما يحسب على المرافق المدنية يدلل على الأخلاق العالية للمقاومين زمن الحرب كما السلم ويفضح بالمقابل سفالة وحقارة وعنصرية ولا إنسانية قادة عصابة تل أبيب.

ولم يكن مستغربا من المقاومة إبداع أشكال في التواصل مع قطعان المحتلين المستوطنين لحثهم على تجنب التجمعات العامة كما في الملاعب الرياضية، وتحذير شركات الطيران العالمية.

وهذا جزء من العقيدة العسكرية للمقاوم المجاهد الذي تحكمه ضوابط صارمة في هذا الباب.

الانتصار السياسي

قبل الحديث عن أي انتصار سياسي لا بد من التذكير بسياق هذه الحرب، فالمقاومة فرضت عليها الحرب أطول مدة في تاريخ الحروب العربية التي كانت لا تتعدى ستة أيام أو ست ساعات بجيوش عربية نظامية.

ثم إن المقاومة دخلت الحرب في أسوإ الظروف منذ 1948، في سياقات غير مساعدة:

* سياق عربي رسمي معادي في أغلبه للحركات الإسلامية ومنشغل بحروبه ومنازعاته الداخلية.

* سياق دولي أعلن الحرب على كل ما يمثل هوية الأمة وعبر عن نفاق خطير في موضوع الديمقراطية وحرية الشعوب واختياراتها.

* سياق فلسطيني يطبعه التنسيق الأمني بين السلطة والكيان الصهيوني ويمثل طعنة غادرة في ظهر المقاومة خصوصا بالضفة الغربية.

* سياق صهيوني مطبوع بتسارع وتيرة التهويد والاعتداء على الأقصى وباقي المقدسات.

غير أن مرونة حركة حماس في موضوع الوحدة الوطنية وتقديمها لتنازلات في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية لتجسير الهوة مع حركة فتح وباقي الفصائل قرأه البعض ضعفا، فيما حماس كانت منشغلة ببناء قدراتها العسكرية وتقوية الحاضنة الشعبية للفعل المقاوم.

هذا الفعل المقاوم الذي سيصبح بقوة الواقع بعد الانتصار رافعة للنضال الفلسطيني ومعبرا عن وحدة الشعب الفلسطيني في الداخل كما في الشتات، كما سيثير الكثير من الانتقادات لنهج التفاوض الذي لم يحقق شيئا مند أكثر من 20 سنة.

هذا الفعل المقاوم الذي فضح جرائم الكيان الغاصب المحتل وعنصريته وفرض عليه بالتالي عزلة دولية حتى بتنا نسمع عن مناطق محظورة على السياح الصهاينة ومنتجات الاحتلال (انظر تصريح النائب البريطاني جورج كالاوي في الموضوع).

ثم ماذا بعد؟

لما كانت المقاومة تحفر في الصخر كان إعلام العار العربي المتصهين يسمي المقاومين تجار أنفاق فيما اتهمها البعض بالتراجع والرضا بالعيش على المساعدات وسط سجن كبير اسمه غزة.

اليوم تثبت المقاومة للأمة أنها الأمل في التحرير وأنه بعد “العصف المأكول” بات تحرير الأقصى مسألة وقت وتخطيط وإعداد وإمداد.

واليوم أثبتت حرب غزة أن الشعوب العربية والإسلامية في حاجة لتحرر حقيقي حتى تؤدي مهمة النصرة والدعم والمساندة على أكمل وجه، فلسطين ليست قضية إنسانية محتاجة للدواء والطعام فقط، بل هي قضية مصيرية ومركزية في كيان ووجدان الأمة، تحتاج للدعم السياسي والعسكري والإعلامي والاقتصادي، قضية أرض مقدسة مباركة مغتصبة، وقضية شعب عانى ولا يزال من أسوإ وأبغض احتلال على وجه الأرض.