إن المتتبع لفكر الأستاذ ياسين، صاحب نظرية المنهاج النبوي، المبثوثة في عدد هائل من الكتب، ليجد رحابة وأفقا شاسعا يساعد الباحث على اعتباره مفكرا شموليا يفكر من منطلق ما يخدم “أمة الإسلام”. ولنا أن نتساءل: ما فائدة ما ألفه الأستاذ، ونظر له، وأسس من أجله إطارا تنظيميا أبرز من خلاله بعض معالم فكره، وبعض سماته العامة؟

الجواب عن هذا التساؤل وغيره يمكن فقط من خلال النظر إلى بعض الملامح التي أحاطت بفكر الأستاذ ياسين والتي يمكن إجمالها فيما يلي:

التفكير في إعادة قراءة التاريخ

إذ عمل الأستاذ على إثبات فشل نظرية الاجترار والوقوع في فخ “التاريخ”، وتقبله كما هو. وعمل الأستاذ أيضا على التفكير من “أعالي التاريخ”، حيث يعتقد أن النموذج النبوي، والفترة الراشدة نموذجان جديران بالبحث والتقصي والإتباع، لكن بعقلية الباحث المجدد الفاعل في الأحداث.

اعتبار الفكر الإسلامي إطارا مهما للبناء عليه وتنميته لكي يكتمل المشروع التغيري

إذ يعتبر الأستاذ عبد السلام ياسين أن الفكر المادي ـ وإن حقق نجاحات مادية باهرة ـ ساقط في هوة “اللادين”، وبالتالي يجعل الإنسان عبدا لعقله وإنجازاته الاقتصادية والسياسية. ومما لا يدع مجالا للشك فإن منطلقات الأستاذ تروم قراءة الموروث الإنساني، وتحليله، ونقده، والاستفادة من نقاط “المشترك الإنساني” اعتمادا على نظرية النظير في الخَلق والخُلق.

أصالة المنطلقات وامتداد الأفق

كما أسلفنا فمنطلقات الأستاذ عبد السلام ياسين كلها ضاربة في أصالة المشروع الإسلامي، ومنخرطة ـ كغيرها من محاولات المفكرين المحسوبين على المشروع التغيري التجديدي ـ في المشروع الكبير الذي عمل من أجله، وتحمَّل المشاقَّ كغيره من أصحاب الفكر المتحرر من تبعات، وما علق بالفكر الإسلامي منذ نشأته.

وبالإضافة إلى أصالة المنطلقات، نجد امتداد أفق التطلعات، إذ أن فكره يتطلع للحرية والنجاح الاقتصادي والتفوق الصناعي والاستقلال السياسي لأرض الإسلام والمسلمين.

عالمية الفكر

لا يقتصر الأستاذ ياسين فيما كتب على تحليل الواقع الإسلامي، أو دراسة التاريخ الإسلامي منفردا ومنعزلا، بل ينحو في تناولاته الفكرية مبدأ الانفتاح على نماذج الفكر المادي الغربي: مقارنة ودراسة موضوعيتين.

استقلالية المبدأ وحرية التحليل

من خلال ما كتب الأستاذ ياسين، وما سجل من أشرطة، وما صرح به، يثبت لدينا أنه لم يكن يوما تابعا في فكره لأي نظرية فكرية أو مشروع نظري سابق، ولم يعرف عنه تبني تجربة محددة بعينها، حتى ولو كانت ضمن الإطار العام الإسلامي، بل زاوج بين موضوعية التحليل الانحياز لقضايا الأمة، وبين استقلالية الاستنتاج والاستقراء، وأسَّس لنفسه نظرية خاصة تتسم بالأصالة الإسلامية أولا والمنهجية العملية ثانيا؛ إذ حرص على تبني مقولة العلم محكه العمل).

إن الأستاذ ياسين وفكره ليس ملكا لجماعة العدل والإحسان كتنظيم قطري في حدود المغرب، وإنما هو فكر عالمي ينبثق من حاجات الأمة الإسلامية للتحرر، والعبودية التامة لله عز وجل فكره ساقه الله عز وجل للمساهمة في بلورة مشروع تجديدي أممي كغيره ممن سبقوه من مجددي هذه الأمة الإسلامية.

ومع ما يربو على أربعين عاما من التأليف والتنظير والاجتهاد، ما زال فكر الأستاذ عبد السلام ياسين ينتظر من يتعمق في دراسته، ويستخلص نوعيته وجديته، ويقدمه للعالم باعتباره مجتهدا مجددا.