تقديم:

هل انتصرت المقاومة؟ وما هي تجليات هذا النصر؟ سؤال يطرحه أحد اثنين:

– لئيم غاضته نهاية معركة، لم يكن يتصور في مخيلته المريضة، أن يكون النصر فيها حليف رجال قل عددهم وعدتهم، محاصرين جوا وبحرا وبرا، في مساحة أرض تكاد تتيه على خارطة فلسطين المحتلة، تكالب عليهم العرب قبل العجم، إلا من رحم الله، وهذا سليل صهيوني أو سيسي، وفي لعقيدته، لا يلام.

– أو عامي اختلت موازينه، فعميت بصيرته، أو قل بصره، وصم سمعه، فكيف وهو يعيش أطول حرب صهيونية عدوانية في تاريخ العرب، بين فئتين غير متكافئتين، تمرغت أثناءها كبرياء أحدث جيوش المنطقة، في صورة لم تألفها الجيوش العربية.

إن الواقع شهد وسجل، بأن المقاومة انتصرت، عندما حنث الكيان الصهيوني، بعدما فكر وقدر، بأنه لا يرضى بغير إفناء المقاومة بديلا في عدوانه، فخسئ واندحر على عاقبه، هاربا ذليلا من حدود غزة، ثم راهن على هدم الأنفاق ونزع سلاح المقاومة كشرط مقدس لتوقيع الهدنة، فقتل كيف قدر، تحت رشقات صواريخ عز الرجال الأشاوس، فخنع وخضع، انتصرت المقاومة يوم أن فرضت على قطعان المستوطنين النزوح من المستعمرات نحو داخل الكيان، بعدما عجزت المخابئ عن حمايتهم، وانتصرت المقاومة، لما فرضت نمطا جديدا من الحياة اليومية غير الآمنة على كامل تراب فلسطين المحتلة.

فما هو سر هذا النصر الذي عمت فرحته قلوب الأمة والناصرين للحق والعدل؟ فلئن قصر نظرنا، واعتمدنا الأسباب المادية المشهودة في تحقيق هذا النصر، نكون قد بخسنا القضية حقها، وأسأنا التقدير، وجانبنا الصواب، لأن المنطق السليم، لن يقبل أو يستسيغ معجزة نصر غزة العزة في زمن طغيان العقلانية، وسطو المادة على فطرة الإنسان، حتى غدا اعتماده على الأسباب أسبق من توكله على رب الأسباب وخالقها.

1- اليقين سبيل النصر:

يعلمنا القرآن الكريم اليقين، وهو الرسالة الخالدة، والمصدر الأعلى لكل مؤمن في اعتقاده وتربيته ويقينه ومنهجه في الحياة، وتأتي سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم والمهديين من بعده، لتجسد تعاليم القرآن على أرض الواقع، في مسيرة نورانية، على محجة بيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها مؤمن صفت بصيرته، وطهرت سريرته، ولعل هذا هو السر الخفي الأول، الذي صنع رجال المقاومة الفلسطينية، الذين أبهروا العدو قبل الصديق بروحهم المتفانية، ومعنوياتهم الإيمانية، وعقيدتهم القتالية، إنهم رجال تربوا على مائدة القرآن، يحاكون الجيل الفريد الأول، في إيمانهم ويقينهم بوعد الله العلي القدير، وقد خالطت تعاليم القرآن دماءهم وأنفاسهم وحياتهم، ألم يشاهدهم العالم وهم في ثغور الجهاد ركعا في الأنفاق؟ سجدا تحت الماء؟ يد على الزناد، ويد تمسك المصحف، يتشربون منه في يقين، ما حدثهم به المولى سبحانه، وهو أصدق القائلين، عن اليهود ومآلهم، وعن الأرض المباركة ونصر الله للفئة المجاهدة بأكناف بيت المقدس، وعن ضريبة النصر وما يكتنفها من تمحيص وابتلاء، ومن بأساء وضراء التي ما أخطأت حتى المصطفين من الرسل والأنبياء، وأنهم ليسوا بدعا في هذه المسيرة المباركة، فكان هذا اليقين في موعود الله، مرآة تعكس لهم نهاية الطريق، وتزف لهم صبح الليل البهيم، الذي لن يعدو إحدى الحسنيين أو هما معا: النصر لغد الأمة، والشهادة للذين سبقت لهم من الله الحسنى. إنها عقيدة عسكرية من نوع آخر، لا يفقهها إلا من دمعت أعينهم في محارب الأسحار، وخلوات الاستغفار، حيث تشرق أنوار السرائر بالتصديق واليقين.

إن الأمة إذا فقدت اليقين، وودعت الأمل، حل دونهما اليأس والقنوط، وبقيت رهينة الاستكبار العالمي، سجينة الطغيان الفرعوني، ومن ثم تحتاج الأمة الناهضة إلى الأمل الواسع الفسيح، وقد أمد القرآن أممه بهذا الشعور بأسلوب يخرج من الأمة الميتة أمة كلها حياة وهمة وأملا وعزما، وحسبك أنه يجعل اليأس سبيلا إلى الكفر والقنوط من مظاهر الضلال، وإن أضعف الأمم إذا سمعت قوله تعالى:)وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ 1 .

وقوله تعالى:)وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ 2 .

وقوله تعالى:)هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ 3 .

وقوله تعالى:)أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ 4 .

وبشرى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:)“لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ”. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: “بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ” 5 إن أضعف الأمم إذا سمعت هذا التبشير كله، وقرأت ما إليه من قصص تطبيقية واقعية، لا بد أن تخرج بعد ذلك أقوى الأمم إيمانا وأرواحا، ولابد أن ترى في هذا الأمل ما يدفعها إلى اقتحام المصاعب مهما اشتدت، ومقارعة الحوادث مهما عظمت، حتى تظفر بما تصبو إليه من كمال) 6 .

2- الصبر والذكر والثبات قوة لا تقهر:

سر آخر من أسرار النصر لمقاومة غزة الباسلة، أمام أعتى جيوش المنطقة عتادا، فقد سطروا قصصا وحكايات في الصبر والثبات على لأواء الحياة معاشا وسكنا وأمنا، لمدة أشرفت على الشهرين، فمنهم الثابت في الأنفاق على علتها، من تحت زمجرات الآليات العسكرية، أو في حفر معدة في الأحراش، أو تحت الركام ولفحات نيران العدو، وأنفاسهم بين الحياة والشهادة، وقد ودعوا الأهل والأولاد، محتسبين أمرهم لله تعالى، أرواحهم ترفرف على أكفهم، حتى إذا أمسوا أو أصبحوا فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً 7 ، جنود خفاء ينجزون في صمت، لا تسمع منهم غير اللهج بذكر الله تعالى، على نهج الرعيل الأول من خير القرون، ولولا ضرورة جهاد الإعلام ما صرحوا بكلمة، ملبين نداء الحق سبحانه: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون 8 ، عين على العدو، وعين على مقام أسمى ندبهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يخطب في الرعيل الأول من إخوانهم، في يوم ملحمة، فيقول: “يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف” 9 . إنها الجنة إذن تحت ظلال الأنفاق والبنادق والصواريخ، وإنها لصفقة تجارية رابحة تبارك راعيها سبحانه، وطاب مشتريها عند ربه حي يرزق مع النبيين والصديقين، ثمنها الثبات عند لقاء العدو، وكم سمعنا عن سواعد المقاومة وهي تضرب من مساحة الصفر، في ثبات قل نظيره، وكيف لا يفعلون، وهم الذين تتلمذوا على مائدة القرآن وقد خاطبهم في بيانه الجهادي: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار 10 . لقد أعطت المقاومة أمام عتو الصهاينة درسا في الصبر، لم تعهده الجيوش النظامية، خلا المقاومة المسلحة أيام جلاء الاستعمار، لكن الفارق أن المقاومة الفلسطينية، كانت وهي ترد العدوان، تواجه بأسا ومكرا مزدوجا من العدو والأخ العاق، وبذلك كانت استثناء، مؤيدا ببشرى الرحمان: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ 11 .

3- وحدة المقاومة ووحدة الشعب الحاضن:

كثير هي الضربات التي تلقتها حركات التغيير في الربيع العربي، المقاومة للطغيان والفساد، ومن بين قواصم ظهر هذه الحركات، الفرقة الطائفية والحزبية، وغياب الغطاء الشعبي الحامي لظهر المقاومين، لكن المقاومة الفلسطينية وهي تخوض ملحمتها الثالثة مع العدو الغاصب، أبانت عن عمقها الشعبي المتنامي، وعن وحدتها الميدانية والقتالية، فكانت أنموذجا للاعتصام بحبل الله القائم على الأخوة والتعاون والتآزر، وقد فقهوا قول الله تعالى محذرا من معاول الفشل والهزيمة: التنازع والاختلاف والبطر والرياء: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون، وأطيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهبَ ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين، ولاتكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس، ويصدون عن سبيل الله، والله بما يعملون محيط 12 ، وكم راهن العدو على نفاذ صبر المستضعفين الآمنين في بيوتهم، وهو يصيبهم في مقتل عاطفتهم، عندما يحيل أجساد صغارهم أشلاء، أو يشردهم من بيوتهم، بعد تدمير مآويهم ومصادر أرزاقهم، لكنهم لم يكونوا أقل من المقاومة إصرارا على التصدي للعدو، وإيلامه ماديا ومعنويا، فما ضعفوا وما وهنوا وما استكانوا، فأضحى سلاح التحمل، واحتضان المقاومة دون تلكؤ أو تباطؤ مقاومة من نوع آخر، عضددت من ساعد المقاومة المسلحة وقوت شكيمتها، فهل كان هذا التلاحم وليد اللحظة؟ أملته ظروف الحرب وشراسة العدو؟ إن سيرة المقاومة الغزاوية في شعبها زمن السلم، لم تقم أبدا على الترفع أو العيش في معزل عن معاناة الشارع وهموم أبنائه -كما يفضل معظم المناضلين- بل كانوا أوفياء لشعبهم، خداما له، زمن الحكم والإقالة سواء بسواء، لأنهم يعلمون ببصيرة إيمانهم، أن رياح النصر إنما تأتي من تضرع المستضعفين رجالا ونساء وولدانا، الذين لايجدون حيلة غير الوفاء للمجاهدين ولقضيتهم العادلة، وهم يصغون لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: “إِنَّمَا يَنْصُرُ اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بضَعِيفِهَا بدَعْوَتِهِمْ وَصَلاَتِهِمْ وَإِخْلاَصِهِمْ” 13 . لقد جسدت المقاومة بسلوكها الجماعي الموحد، خصال قوم مجدهم الله في القرآن، بصفاتهم الإيمانية الصادقة: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ، ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ 14 .

وبعد، فقد أبلت المقاومة بغزة البلاء الحسن، ومنحت النصر المبين جزاء وفاقا، بعدما أخذت بأسباب إعداد القوة، جهد المستطاع، لكن سر قوتها لم يكن في قوتها المادية فحسب، وإن كان بالآكد لا بد منها، فنصر الله للمؤمنين -كما سطرته أيقونة الجهاد في غزة- رهين بسلوك نهج من سبقهم من الرعيل الأول، الذين ارتشفوا من معين القرآن الكريم، فجعلوا الأسباب المادية وسيلة لا غاية، وصبغوها باللجإ الدائم لرب الأسباب، طاعة وتوجها وإقبالا، وكلما بزغت بشائر النصر ازدادوا تواضعا وشكرا للمنعم، وخدمة للمستضعفين في الأرض، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فلا ناصر إلا الله، ولا غالب إلا هو سبحانه: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ، وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون 15 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] القصص: 5 – 6\
[2] آل عمران: 139 – 140\
[3] الحشر: 2\
[4] البقرة: 214\
[5] رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة\
[6] الإمام حسن البنا: رسالة النور\
[7] الأحزاب: 23\
[8] الأنفال: 45\
[9] أخرجه البخاري ومسلم\
[10] الأنفال: 15\
[11] البقرة: 177\
[12] الأنفال: 45- 46- 47\
[13] أخرجه النسائي\
[14] المائدة: 54\
[15] ءال عمران: 160َ\