بعد العدوان الغاشم المبيت على غزة، لأسباب جلية ترتبط أساسا بالقضاء على المشروع الإسلامي المقاوم للاحتلال ومن يسير في فلكه، وبالإجهاز على كل صوت حر يدعو إلى الحرية والانعتاق من التبعية، وليس بما ادعاه الصهاينة من قتل المستوطنين، وبعد ما واجهه الكيان الصهيوني من صمود المقاومة مسنودة من أهل غزة وتحقيقها للنصر المبين على قوات هذا الكيان الغاصب في المعارك الضارية، وبعد أن غرق الكيان الصهيوني في مستنقع لم يحسب لدخوله حسابات دقيقة ميدانية واستراتيجية، اعتقادا منه أن دخول أرض غزة سيكون سهلا، كما اعتاد على ذلك في حروبه السابقة مع العرب، مما جعله يضرب بكل قوته المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ، فأثار حفيظة الأحرار في العالم في أمريكا اللاتينية وأوروبا وباقي دول العالم الحر. بعد كل هذا سارع مجبرا إلى مفاوضات تحفظ له جانبا من وجهه الذي مرغته المقاومة الإسلامية في الوحل، مستنجدا في ذلك براعيته أمريكا ومن يسير في فلكها من حلفائه المخلصين، وآملا أن يحقق نصرا وهميا يغطي به عن هذا الفشل الميداني والهزيمة العسكرية والتعري بين الشعوب الحرة.

تلك لعمري طبيعة الصهاينة المعروفة، وتلك حقيقتهم الموصوفة، لقد انهزموا وما كان لهم أن ينتصروا يوما إلا بقدر من الله الذي يجري أقداره بين خلقه بحكمته وتدبيره، وتلك حالتهم لا يقاتلون إلا من وراء جدر: جدار الراعية الأم أمريكا، وجدار الحليفة أوروبا، وجدار الأمم المتحدة، وجدار العملاء من العرب المنبطحين على أعتاب هذا الكيان الغاصب، جدار الدعم المادي والعسكري والسياسي والإعلامي.

لكن مع وصول الوفد الموحد الفلسطيني المفاوض إلى القاهرة بدا أن الصهاينة لم يكونوا جادين في عملية التفاوض، وأن عملية التفاوض مراوغة لفك الضغط الميداني المتصاعد، والتجاوب الحي الحر الجماهيري والشعبي المتزايد في أنحاء العالم وفي ساحاته وشوارعه، وللتخفيف من التقدم الميداني لفصائل المقاومة، ولكسب الوقت لتخطيط ما يمكن تخطيطه للنيل من المقاومة عبر عمليات نوعية كاغتيال القادة، وضرب قدرتها العقلية المدبرة بذلك.

وقد ساهم في هذا التوجه الخبيث وفي هذه المكيدة النكراء “الوسيط المصري” الذي لم يقدم أي شيء خلال هذه المفاوضات واكتفى ظاهريا بالوساطة، لكنه في الحقيقة ظل يخدم المشروع الصهيوني ومخططه في تحقيق تقدم ما، ميداني إن أمكن ذلك بالمزيد من التقتيل والتنكيل بشعب غزة المدني، وسياسي بلي ذراع المفاوض الفلسطيني، ومن ثم الوصول إلى تحقيق وقف لإطلاق النار وفق شروطه هو، لا كما تريدها المقاومة المنتصرة ميدانيا وعسكريا وجماهيريا. شروط تضمن له التحكم والسيطرة على أرض غزة والعودة إلى الحصار والتضييق على المقاومة والسعي لنزع سلاحها.

ويتساوق مع هذا الطرح فريق من المحسوبين على منظمة التحرير الفلسطينية، الذين يستمدون رؤيتهم من المصالح المتقاطعة مع حلفاء الكيان الصهيوني في الشرق الأوسط وباقي دول العالم المتكالبة أنظمته على المسلمين والمشروع الإسلامي.

كما تم تسخير الإعلام الغربي والعربي والمصري على الخصوص لوصم المقاومة بأبشع الأوصاف وإدراجها في خانة الإرهاب، وهذا ما يؤكد أن الوساطة المصرية ليست بريئة لأنها لم تكل بمكيالين فقط بل اصطفت في جانب واحد هو جانب العدو الصهيوني على حساب الشقيق الذي يعاني جوعا ومرضا وحرمانا من أبسط الحقوق الإنسانية، وتشتد معاناته يوما بعد يوم.

وقد أظهرت المفاوضات على الرغم من تماسك وفدها الفلسطيني ما يأتي:

– أن الكيان الصهيوني سعى من خلال المفاوضات إلى كسب الوقت لترميم صفه الداخلي، وأنه لم يكن جادا في مفاوضاته غير المباشرة تلك، وإنما أراد له مخرجا من هذا العار الذي أوقع نفسه فيه غير محرج.

– أن “الوسيط المصري” الخادم المطيع لداعمه في الانقلاب، لم يكن جادا أيضا في وساطته، وإنما حاول أن يكسب شرعية له من خلال وساطته هاته، وهو كما نعلم المنقلب على مسار ديمقراطي شهد العالم بشفافيته وجديته لأول مرة في مصر، وأن هذا الوسيط إنما هو مسخر لخدمة المشروع الصهيوني، وإكمال ما بدأه من إجهاز على المشروع الإسلامي المهدد للمصالح الصهيونية والمؤذن بزوال الشر من الأرض، وأن هذه المفاوضات عرت من جديد هذا الانقلاب وكشفت عن عورته، وأظهرت نواياه، وأن من خان شعبه، وانقلب على رئيسه لا يمكن الوثوق به أبدا.

– أن حقيقة المعتدي الغاصب، هي الكيد والتماطل والمراوغة والخداع، وأنه لا يسمح وبمساعدة حلفائه وتوجيه منهم، بتقديم تنازلات تظهره منهزما وفاشلا أمام العالم مما يفقده هيبته التي صنعها في غفلة عبر حروب لم تكن تدوم طويلا، لتكشف عن حقيقته.

– أن “الأنظمة العربية” وكما عودتنا دائما حليفة للصهاينة ومدعمة للمحتل، لتقاطع مصالحها مع مصالحه، وما سكوت “الجامعة العربية” إلا دليل على تواطئها مع المحتل ضد شعوبنا الأبية.

– أن ما أخذ بالقوة والنار لا يسترجع إلا بالقوة والنار، على قاعدة “وأعدوا لم ما استطعتم”، وها هي الأحداث في أرض المعركة تؤكد هذه القاعدة وتزكيها، فلم يكن للمقاومة أن تظهر هذا الظهور بعد فضل الله ومنه وعونه إلا باتخاذ الأسباب المؤدية للنصر، معنوية روحية ومادية سببية.

– أن الرابح الأكبر في هذه المفاوضات وبلا منازع هي المقاومة والشعوب المستضعفة، لأن هذه الحرب وبعدها المفاوضات قدمت أملا للأمة ينير لها طريقها على درب التحرر والكرامة والقوة في أفق توحيد صفها لحمل السلام المنشود للعالم.

– أن الله أذن لهذه الأمة بالنصر والتمكين في الأرض، وأن درب الجهاد طويل محفوف بالتضحيات والمخاطر، وأن وعد الله آت بأيدي رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. والله المستعان.