صدرت للباحث خالد ناصر الدين – عن مطبعة الرشيدية كرافيك – مجموعة قصصية بعنوان “ذات فجر..!”، تتكون المجموعة من تسع وتسعين (99) صفحة من الحجم المتوسط، وتشمل ثمانية نصوص سردية (قصص قصيرة)، مرتبة على الشكل التالي: ” أوهام / سيوف / منارة / ذات فجر ..! / لقطتان .. لقطتان ..! / خجول / أطفال وأطفال / أيام عالمية “، وقد قدم الباحث لهذه النصوص بمقدمة جاء فيها:

“أقتحم العقبة أخيرا، وأُقْدِمُ على ضم هذه النصوص السردية بعضها إلى بعض، أرتبها زهرة زهرة في بُوَيْقَةٍ واحدة، أنظمها حبة حبة في عُقَيْدٍ واحد، وأسكبها قطرة قطرة في كُوَيْبٍ واحد، وأصهرها نسمة نسمة في بوتقة واحدة أصوغها قُلَيِّدَةَ عِطْرٍ نفاذ أقدمها هدية متواضعة للقارئ الكريم من قلم ضاق ذَرْعًا بالصمت والتخفي والاستتار.

ولقد آثرت أن أسمي هذه الْبُوَيْقَةَ “نصوصا سردية”، وإن كان أغلبها ينتمي إلى جنس “الأقصوصة”، ولا أريد أن أستبق الأحداث، وأعلق عليها من حيث التيمات التي سَكَنَتْهَا، أو من حيث الأفكار التي تبلورت في أحشائها، ولا من حيث مقوماتها الفنية لغة وأسلوبا وحبكة… سوف أترك النصوص تقدم نفسها بنفسها، والأمل كله معقود على القارئ، ليبث فيها حياة جديدة، تخرجها جميعا من دائرة الصمت/ الموت، ومن جُحْرِ المعنى الواحد الأوحد…

لكل نص من نصوص هذه المجموعة ذاكرة خاصة، تختزل مراحل تشكله: فكرة، ثم علقة، ثم مضغة.. ثم خلقا آخر.. ثم مخاضا ثم صراخ اللقاء فَرْحَةً بالحياة وبالانتصار على العدم، وعلى هواجس التردد والحيرة والخوف من المجهول، وربما من غمزات ولمزات وهمزات القارئ الذي في غيابه لا تعدو هذه النصوص أن تكون مجرد خطوط سود لا أقل ولا أكثر .

تمتاح هذه النصوص حيواتها من الذات، هذه الذات التي أعلنتها صرخة مدوية منذ استفاقت من عالم الغفلة عن الله تعالى، وعادت متعطشة إلى عالم الأنوار الربانية، ترى جماله وجلاله آيات بينات في كتابيه المقروء و المنظور معا… عادت يهزها شوق الفرح بالله، وأي شيء فقد من وجد الله ؟! وأي شيء وجد من فقد الله ؟! من وجد الله وجد كل شيء، ومن فقد الله فقد كل شيء، عادت تكرع من عين صحبة ربانية حاضنة رحيمة بشوش مبشرة، لتصيح بملء الصوت أنه من ذاق عرف، ومن عرف اعترف، ومن اعترف اغترف”، ولتنخرط في كتائب مجاهدي الكلمة الربانية، الذين آمنوا بدورها الحاسم ” في تربية أجيال المسلمين على يقين الرجعة إلى الله، وعلى إسلام لا إله إلا الله، وعلى إيمان المعتدين بأن الله أكبر، وأن جهاد الكلمة من فرائض الدين) 1

على شبكة الإنترنيت كان اللقاء الأول لهذه النصوص مع جمهور القراء، نشرتها تباعا على صفحات بعض المواقع الإلكترونية، كان الأمر بالنسبة إلي كافيا حينها، وتبين لي بعد ذلك أن عالم الإنترنيت أَعْجَزُ من أن يُسْتَأْمَنَ على الأمانات التي تُسْتَوْدَعَ في خزائنه الافتراضية، لذلك وجدت نفسي ملزما بتجميع ما تناثر في سماء ذلك العالم الجديد في دفتي كُتَيِّبٍ ورقي آن الأوان لأن يرى النور في هذه الحلة .

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: هل العلاقة بين عالم الإنترنيت وعالم الكتاب الورقي، بين الأدب الإلكتروني والأدب الورقي علاقة تكامل وتواصل، أم علاقة تنافر وتنافس وصراع وقطيعة؟!

الأكيد أن ثورة الإنترنيت حطمت حدودا كثيرة، وجدرانا عالية سميكة كانت تفصل بين المبدعين والنقاد وجماهير القراء، كما أنها أتاحت للأقلام الشابة فرص بناء الذات المبدعة وصقل المواهب عبر اقتحام لُجَّةِ النشر والتواصل، إذ لم يعد النشر حكرا على النخبة من المبدعين والمثقفين، ورغم ذلك فإن “الكتاب الورقي” يبقى هو الأصل الذي لا غنى عنه، ويبقى هو الرحم الذي احتضن المعرفة الإنسانية منذ الأزل، والصندوق المصون الذي ينظم كل الجواهر النفيسة وكل اللآلئ الثمينة في عِقد واحد، والنهر المتدفق الذي يصل الأواخر بالأوائل دون أن تضيع من مياهه العذبة الرقراقة قطرة واحدة…


[1] ( المنظومة الوعظية ) / عبد السلام ياسين / موسوعة ” سراج ” / ص : 14 .\