للتمكين للمؤمنين والاستخلاف في الأرض شرائط وأساسات حددها المولى – جلت قدرته – بقوله في سورة النور: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. 1

ترسم لنا الآية الكريمة شرطين أساسين للتمكين والاستخلاف في الأرض هما: عبادة الله وعدم الإشراك به، يتأسسان على أصلين هامين هما: الإيمان بالله والعمل الصالح.

ولا يتعلق هذا الوعد من رب العالمين بفئة من المؤمنين دون فئة، أو بعصر دون عصر، بل كما يقول الإمام القرطبي في تفسيره: “هذا وعد لجميع الأمة في ملك الأرض كلها تحت كلمة الإسلام؛ كما قال: عليه الصلاة والسلام -) : “زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها.” 2 واختار هذا القول ابن عطية في تفسيره… قال ابن العربي: قلنا لهم هذا وعد عام في النبوة والخلافة وإقامة الدعوة وعموم الشريعة.) 3 ويضيف القرطبي: وهكذا كان الصحابة مستضعفين خائفين، ثم إن الله تعالى أمنهم ومكنهم وملكهم، فصح أن الآية عامة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم غير مخصوصة؛ إذ التخصيص لا يكون إلا بخبر ممن يجب له التسليم، ومن الأصل المعلوم التمسك بالعموم.) 4

1- عبادة الله:

هذا شرط أساس أول، وهو حق من حقوق الإنسان الأصيلة، والمقصد الأسمى من بعثة الله تعالى رسلَه إلى خلقه، وهو أن يكون الدين كله لله المعبر عنه في قوله تعالى: span class=”quran” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون 5 وقد عمل الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم على تحقيق هذا المقصد الأسمى، وبلغ وأسمع وأرشد ليكون الدين كله لله، وكذلك كان الخلفاء الراشدون مشمرين السواعد لتحقيق هذه الغاية وترسيخ دعائم الحكم بما أنزل الله عدلا وتشريعا وتربية وجهادا. عبادة ومعاملات، وخضوعا وتبتلا لله الخلاق العظيم.

ويعتبر الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله أن: هذا شرط الوفاء أن نكون له سبحانه عبادا عابدين، لا عبادا للدنيا وزينتها، لا خدَمَةً لهوانا ولذتنا،لا عبيدا للدنيا والدرهم والقطيفة والشهوة والغضب والميل والبغض وسائر ما يحرك الحضارات الأرضية وأهلها.) 6

فالأمر إذن إيمان وإخلاص للواحد الأحد وعبادة له، وقهر للخوف وثقة وأمل. موعود رهين بشرط، والشرط واضح لا لبس فيه “يعبدونني لا يشركون بي شيئاً”. ) 7 ولئن كان الناس عباد الله جميعا بنسبة الخلق والتدبير منه تعالى ونسبة الافتقار منهم. فإن جند الله، زيادة على عبودية القهر هذه، يكتسبون بالإقبال على الله تعالى عبودية الإرادة والاختيار من جانبهم، والرحمة والنصرة من جانبه عز وجل. فالمؤمن يحقق الله له، لمن يشاء، عبودية كمال ولايته، وجماعة المؤمنين يحقق الله لهم النصر والتمكين في الأرض، وكرامة المجاهدين في أية عاقبة من إحدى عاقبتي الحسنيين.) 8

وتُفَصِّل هذا الشرَط الوصايا الموجهة إلى المؤمنين المبايعين لله عز وجل أن يخلصوا له أولا ثم يعدلوا. ففي سورة النحل أيضا أمر ووصية بسلوك اجتماعي لا تكمل عبادة المؤمنين إلا به. آيتان تكذبان ادعاء اللائيكية أن شؤون المجتمع لا تَمُتُّ بأية صلة إلى الدين. قال الله تعالى:)إن الله يامر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون. وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم. ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا. إن الله يعلم ما تفعلون 9 . 10

وعليه ما تحقق النصر والتمكين لمن انتصر وتمكن إلا بهذه العبودية الخالصة لله، وبهذا الخضوع التام لجلاله، وبهذه الطاعة الاختيارية له جلت عظمته.

2- عدم الإشراك بالله:

وهو شرط أساس ثان له أهميته في ربط العلاقة بالله تعالى، علاقة لا تشوبها شائبة من اعتقاد أو سلوك أو فعل، من جعل غيره معه بقصد أو بغير قصد،ولا يقبل الله من العبد إلا ما كان صوابا وخالصا، ويتخذ الإشراك أشكالا وألوانا، منها ما يرتبط بتقديس الأشياء والأشخاص والنظم والعادات، ومنها ما يرتبط بالاعتقاد والظن والمغالاة، ومنها ما يتعلق بالسلوكات والممارسات، كتقديس الملوك والرؤساء وأصحاب القوة والنفوذ وإكراه الناس على ذلك، والاعتقاد في نفع الإنسان في ذاته أو ضره بواسطة أو بغير واسطة، إلى غير ذلك مما نراه ونشاهده من مظاهر الإشراك الظاهر والخفي، أفقدت الناس صلتهم بالله، نعوذ بالله.

وقد وردت آيات كثيرة تؤكد على وحدانية الله تعالى وتدعو إلى توحيده بما يليق بجلاله وعظمته وقوته وجبروته. وتؤكد على أنه خالق الكون المتصرف فيه بما يشاء وكيف يشاء، قال تعالى: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا. 11 فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئاً من مخلوقاته، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لمعاذ بن جبل: “أتدري ما حق اللّه على العباد؟ قال اللّه ورسوله أعلم، قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم قال: أتدري ما حق العباد على اللّه إذا فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم. “ 12 ” يا معاذ، أتدرى ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ “فقلت: الله ورسوله أعلم، قال:” فإن حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، “فقلت: يا رسول أفلا أبشر الناس؟ قال:” لا تبشرهم فيتكلوا. “ودعا الإنسان إلى مخالفة الوالدين في طلبهما ذلك من المؤمن في قوله: وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا. 13 لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ومتى تجرد الإنسان من هذه العبودية للخلق والمخلوقات والأشياء المعبودات، وإفراد الله تعالى بعبادته وحده لا شريك له، كان سبحانه وتعالى قريبا منهم، سميعا بصيرا مجيبا ملبيا ناصرا وداعما، وهذه حال من أخلصوا ووحدوا وأيقنوا واستجابوا، فتجلت لهم كراماته وعطاياه العظيمة في أنفسهم وبين الناس.

ويتأسس هذان الشرطان على أصلين هامين هما:

– الإيمان بالله:

فالله تعالى وعد الذين آمنوا بأن يستخلفهم في الأرض ويمكن لهم فيها، لأنهم استجابوا لله وللرسول لما دعاهم إليه من الإيمان، أحيى به قلوبهم وزكّى نفوسهم، وطهّر جوارحهم من الأردان والوساوس والخطايا والكبائر.

وهكذا كان الإيمان درجة ثانية في ترتيب حديث جبريل عليه السلام: قَالَ: فأخبرني عَنْ الإيمان؟ قَالَ:)“أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؛ وتؤمن بالقدر خيره وشره”قَالَ صدقت…) 14 فيتلازم الإيمان بما ذكره الحديث تلازما ينفي الشك في ما خلق الله وما برأ من ملائكة وكتب ورسل، وما سطر في لوحه المحفوظ من غيب يتمثل في ما كان وما هو كائن وما يكون، وفي اليوم الآخر والقدر خيره وشره فيقع للمؤمن التسليم والرضا بما قدره الله وأراده لعباده من أحداث ووقائع وانتصارات وهزائم، وهذا منتهى التسليم.

– العمل الصاللح:

ولا معنى للإيمان دون عمل صالح، والعبارة المغرضة تلوكها الألسن دون وقوف على حقيقتها يقول المرء” الإيمان في القلب” ولا ينتبه إلى ما وراء ذلك من أعمال تترتب عن الإيمان، من ترك المنهيات وفعل الأوامر، بل والتنافس في ذلك، وقد ورد فيما ذكر عن الحسن البصري – رضي الله عنه – قوله ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه الفعل، العلم علم باللسان وعلم بالقلب، فأما علم القلب فالعلم النافع، و علم اللسان حجة الله على بني آدم.

ومن العمل الصالح ما هو منوط بذمة الفرد كالصلاة والصيام، ومنها ما لا يمكن القيام به إلا بتعاون جماعة المؤمنين، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله. وإن الله عز وجل شفَع أمره للجماعة بالعمل الصالح الجماعيِّ المؤَذِّنةِ به “يأيها الذين آمنوا” افعلوا أو لا تفعلوا بأمره.

ومما سلف يتضح أن التمكين والاستخلاف في الأرض للمؤمنين ناشئ عن إيمان وعمل صالح، وعبادة لله وإخلاص له وعدم الإشراك به. وإن العبد يكون بهذا أقرب إلى مولاه يرضى عليه ويوليه، ليكون سندا للمستضعفين من عباده ينشر بينهم العدل، ويجلي لهم معاني الإسلام والإيمان والإحسان.وتلك لعمري هي رسالة الإسلام الخالدة.

ونحتاج في ذلك إلى التمكن من الشرائط الكونية الشرعية كما يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: أما نحن فدعوة الله عز وجل لنا للاستخلاف في الأرض، ووعده لنا بالتمكين فيها، متى وفينا الشرائط الكونية الشـرعية حافزٌ معنوي إيماني قوي لنزاحم أبناء الدنيا في الأرض، ونزحزحهم عن القيادة، ونقيم دين الله عز وجل، ونأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، ونحكم بالعدل، ونَحنُوَ على الإنسانية بالإحسان.) 15


[1] سورة النور:55.\
[2] رواه مسلم والترمذي وأحمد والحاكم وأبو داود وابن أبي شيبة وابن حبان والطبري في مسند الشهاب والبيهقي،عن ثوبان رضي الله. بلفظ : إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً”.\
[3] القرطبي الجامع لأحكام القرآن،ج 12، ص: 276-278.\
[4] القرطبي الجامع لأحكام القرآن،ج 12، ص: 276-278.\
[5] سورة الذاريات:56.\
[6] ياسين عبد السلام، العدل، ص: 195.\
[7] ياسين عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص 259.\
[8] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 155.\
[9] سورة النحل: 90- 91.\
[10] ياسين عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص 259.\
[11] سورة النساء: 36.\
[12] أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن معاذ بن جبل بلفظ:” عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال لي:\
[13] سورة لقمان: 15.\
[14] رواه الإمام مسلم عن عمر بن الخطّاب من حديث طويل.\
[15] ياسين عبد السلام، العدل، ص:194.\