بصرف النظر عما يبرر به الاحتلال الإسرائيلي قصفه للمدارس والمساجد الغزوية من كونها مخابئ للأسلحة و”الإرهابيين” (يقصد رجال المقاومة)، فالاحتلال له أسبابه “الوجيهة” لاستهداف هذه المؤسسات.

المدرسة والمسجد كالإعلام والثقافة والفنون في غزة العزة مؤسسات ومجالات في صلب المجتمع تتفاعل فعلا وانفعالا خدمة لمشروع تحرري عنوانه مقاومة الاحتلال، وهذا سر صمود قطاع غزة المحدود جغرافيا، لكن احتضان الشعب للمقاومة فتح آفاقه بما لا يستوعبه زمان أو مكان.

في قطاع غزة اندمجت كل المؤسسات والمجالات وتكاملت، فالمدرسة تضطلع بناء الانسان بدءاً باكتشاف ذاته ومحيطه وما يحبُل به من تحديات، فيعرف تاريخه ورسالته وواجباته نحو أمته، فينشأ معتزا بهويته وانتمائه، ومرورا باكتساب المعارف والمهارات والخبرات تنمية لقدراته وتأهيلا له للمنافسة في البناء.

في غزة الحصار، التعليم ليس ترفا أو امتيازا، وليس حقا، بل واجبا وفرضا عينيا، فمن لا يصلح للبناء عبء على الأمة، إن منْ لم يُسهم ـ عن غير وعي ـ في الهزيمة، سيؤخر النصر ويضاعف كلفته المادية والزمنية؛ وحيث إنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجبٌ، لذلك فطلب العلم واجب تأهيلا للأفراد ليصلحوا لبناتٍ للتحرير والبناء، فلا عجب أن يتبوأ قطاع غزة المحاصر الصدارة في التعليم تعميما وجودة، متقدما بفارق كبير عن أنظمة تعليمية عربية كسيحة، أو هكذا يراد لها، كما يتصدر البحث العلمي في غزة نظيره في بلدان النفط ومختلف الثروات والموارد الطبيعية.

المدرسة في قطاع غزة ليست رافعة للتنمية تحسينا لمؤشرات التنمية طمعا في الحصول على شهادة ثقة المؤسسات المالية المُقرضة، كما هو دأب أنظمة الاستبداد لإغراق بلدانهم في شبح المديونية ورهن مقدرات الشعوب؛ بل هي قاطرة للتحرر، وقبل ذلك إثبات للذات في مواجهة كيان عنصري غاصب.

المدرسة الغزوية روح وقيم ورسالة قبل أن تكون مبانيَ ومرافق، فكل فضاء آمن: خيام، ملاجئ تصلح أن تكون مدرسة، على قاعدة: “وجُعلت الأرض مسجدا”، ولا يعطلُ المدارس الغزوية إلا العدوان، عكس ما عليه الأمر في دول الاستبداد حيث المدرسة منفصمة معزولة عن المجتمع هويتِهِ وقضاياه، رغم ما يرفع من شعارات الانفتاح على المحيط. ويكفي مثالا صارخا الحرص على رفع أسوار المؤسسات التعليمية في مختلف الأسلاك تأكيدا لعزلتها وإقرارا بغربتها في محيطها الاجتماعي.

المدرسة في أنظمة الاستبداد أداة لتخريج الرعايا المبرمَجين على السمع والطاعة السلبيتين، فكيف يعترض أو يقترح من لا يعرف حقيقة تاريخه وعوامل تخلفه وهوانه على الأمم؟ كيف ينخرط في مشروع التحرر والاستقلال، من كرست المقررات التعليمية في نفسه ووعيه أن هويته هي أسُّ مآسيه، فغُرِّر به ليتنكر لها ويتبرأ منها، فكانت النتيجة أجيالا لا هوية لها، حُبب لها التقليد والاستلاب والاستهلاك في المصنعات كما في الفنون والرياضة والأزياء.

المدرسة الغزوية عنوان التحرر والاستقلال، تبني الولاء والهوية، تخرج أفواجا من الأحرار وعيا وإرادة؛ والمدرسة بهذه المُخرجات أخطر استراتيجيا من تطوير الصواريخ وتهريب الأسلحة والمُعدات. لهذه الأسباب لا خيار للاحتلال غير القصف استهدافا لأفواج ليس من المقاومين ميدانيا وعسكريا فحسب، بل مقاومين يطورون البحث العلمي ويمتلكون ناصية التكنولوجيا المدنية قبل الحربية. أما مدارس الاستبداد، فلن تكون هدفا لقصف إسرائيلي لأنها “ثكنات” لتبليد الحس وتثبيط الهمم؛ بمعنى أدق، إن مدارس الاستبداد قلاع لأعداء الأمة تنخر الوعي وتشكك في الهوية ومنظومة القيم وتكرس التبعية.

وكذلك، شأن المسجد، ففي غزة تتبوأ المساجد/الجوامع مكانة متميزة تتجاوز فضاء لأداء الصلوات الخمس المكتوبة، بل تضطلع بوظائف متعددة: تعلم، تفقه، تحفظ القرآن، تدرب على الانخراط الإيجابي في الحياة الاجتماعية تآمرا وتنافسا في المعروف وتناهيا عن المناكر ومشاركة إيجابية في البناء.

المسجد الغزوي يُخرِّج أجيالا ممن هانت عندهم الدنيا، وزهدوا في متاعها، وتطلعت أرواحهم للشهادة في سبيل الله دفاعا عن دين الله ومقدسات الأمة، والمساجد “الضرار” أقصاها الاستبداد وألغى وظيفتها التعبوية إلا ما كان دعاء حصريا له، مباركة لمبادراته، وشرعنة لحكمه، فاستحالت أداةً تنَوِّم الشعور وتخدر الوعي وتبرر الركون والتثاقل إلى الأرض بحجة تجنب الفتن ودرء المفاسد الكبرى، ومن “زاغ” من العلماء والخطباء والوعاظ على “محجة” هذا المسار التنويمي، وسوّلت له نفسه أن يندد أو يشجب تنظيم مهرجان أو استضافة وتكريم أحد رموز أعداء الأمة أو احترق منه الفؤاد لإبادة ممنهجة لإخوة في الإسلام والإيمان على يد بني صهيون، فلن يتأخر قرار فصله بدعوى أنه زاغ عن “ثوابت” الأمة.

المدرسة والمسجد في غزة مؤسستان تتماهيان، فالمدرسة مسجد، والمسجد مدرسة، وكلاهما يقوم بذات الوظيفة التربوية والتعبوية والتدريبية على الرجولة الإيمانية. والرجولة هنا مرادف للشهامة والمروءة وكمال الشخصية حسب التعبير القرآني. أما المدرسة والمسجد في ظل الاستبداد فهما على هامش المجتمع، لا يواكبان قضاياه، ولا يعكسان نبض الشارع، يفتلان في حبل الفساد والإفساد تكريسا للتبعية والذيلية لأعداء الأمة.

لهذه الأسباب وغيرها، لا ولن يتردد الاحتلال الإسرائيلي في قصف المساجد والمدارس الغزوية مهما كلفه ذلك من ثمن سياسي وأخلاقي.