1 – مقدمة:

للمغرب ميزات تاريخية وسياسية وواقعية، نمر على بعضها بعد إن شاء الله تعالى، دفعت كثيرا من المراقبين والمحللين والسياسيين إلى الترويج لمقولة الاستثناء المغربي من حيث ما عاشته بعض الدول العربية مع ما سمي بالربيع العربي.

وقد بينت الأحداث والوقائع والأفعال أنه ليس هناك استثناء في المغرب نظرا لتفاقم الأزمة الاجتماعية والأخلاقية والسياسية التي تجد أمامها تجربة هائلة لدى النظام السياسي في الالتفاف على إرادة الشعب ومطالبه وتهميش النخب.

فنحن أمام ثلاثة معطيات:

الأول:

إصرار النظام السياسي على مزاولة عمليات التفاف والتواء متكاملة الأركان دون الحد من التدهور السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تؤكده حتى الأرقام والخطابات الرسمية فضلا عن عيرها.

الثاني:

انهيار دول ومجتمعات عربية لما بلغ مثل هذا الإصرار مداه وتمادى إلى درجة توريث حكم “الجمهوريات”، علما أن نظام التوريث أصل من أصول العملية السياسية الفاسدة في المغرب.

الثالث:

وجود رؤية استراتيجية مصيرية لدى أكبر تنظيم دعوي سياسي مجتمعي، هو العدل والإحسان، وفرت إمكانية هائلة لاستشراف المستقبل واقتراح آليات وتنفيذ استراتيجيات جنبت المغرب كثيرا مما عاشته وتعيشه مجتمعات ودول، ولعل حرص هذا التنظيم منذ مباشرته للعمل السياسي على توفير آليات متجددة تؤكد على جدوى وفعالية هذه الرؤية؛ كان أبرزها في المجال “نظرية الميثاق” التي لم تخضع بعد للبحث الكافي من طرف الباحثين، علما أن الجماعة تتوفر على مفاهيمها وأدبياتها وفق نسق متكامل علميا وعمليا.

لذلك يمكن التساؤل بعد تجربة حوكة 2012، وبعد تجربة 20 فبراير، عن الطريق الأخير للاستثناء المغربي وفق استيعاب جيد لهذه المعطيات؛ ليس فقط من حيث تجنب انهيار السلطة والدولة وحتى المجتمع، لكن لإنجاز انتقال حقيقي من دولة ونظام الاستبداد إلى دولة ونظام الحرية الذي توظف فيه كل الطاقات الصادقة في التغيير والإصلاح والتحرير والبناء المستمر لواقع الكرامة والقوة والاستقلال.

طالع أيضا  الطريق الأخير إلى الاستثناء المغربي (3) أو سؤال المرحلة الانتقالية في مغرب اليوم بين استراتيجية العدل والإحسان وتكتيكات النظام

2. هل ضاعت فرصة “مذكرة إلى من يهمه الأمر”؟

اكتسى مفهوم المرحلة الانتقالية منذ أواسط القرن العشرين أهمية سياسية بالغة تكرست خلال ثورات أمريكا اللاتينية وأوربا الشرقية مع انهيار الاتحاد السوفياتي، دون أن نغفل تجربة جنوب إفريقيا بعد انهيار نظام الميز العنصري، كما ظهرت أهمية الاستعداد الجذري لهذه المرحلة لتأمين مسار الحرية مع ما سمي بالربيع العربي منذ 2011 لتجنب الانهيارات الكبرى التي لا يبقى معها معنى لشيء.

ولا ينكر باحث أو مراقب أن جماعة العدل والإحسان تتوفر على غزارة تنظيرية هائلة في الموضوع مصحوبة بمبادرات جدية عملية عبر تاريخها، ومتسمة بدرجة كافية من الوضوح والصرامة قلما استوعبها نظام التفكير السياسي السائد على الرغم من أن الأحداث المتتالية محليا وإقليميا ودوليا تؤكد جدواها ومصداقيتها.

كما لا ينكر باحث أن النظام السياسي في المغرب (القصر بالتحديد، والمقصود بالقصر هنا كل البلاط الذي يدير دفة الحكم والسلطة والثروة) كان سباقا لتأثيث مفاهيم من صناعته الخاصة لتمريض مرحلة معينة، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي مع بداية حقبة ما سمي بنهاية الحرب الباردة، أي منذ بدايات تسعينات القرن العشرين مع الانتباه إلى مفاهيم الترويض والاحتواء كمفهوم السلم الاجتماعي ومفهوم الإجماع الوطني وأخواتهما.

فما يعنينا هنا أن جماعة العدل والإحسان، باعتبارها معارضة قوية من حيث امتدادها المجتمعي ومن حيث وضوح موقفها السياسي ومن حيث حجم الانتهاكات التي تتعرض لها، وقبل ذلك من حيث قوة اقتراحها عبر مشروعها المجتمعي الذي تعرضه على المغاربة للخروج من أزمة شاملة لا تكفي فيها عمليات ترقيعية أو تلفيقية مهما كان حسن النية فيها، باعتبار كل هذا، تشكل الجماعة عاملا مهما لا يمكن تجاهله في حاضر ومستقبل العملية السياسية في المغرب، وأن تجاهله أو إقصاءه يعني فشل أي مبادرة لم تأخذ بعين الاعتبار حقيقة وجود العدل والإحسان، وفي نفس الوقت يجب أن يعي الجميع أن استراتيجيات الاحتواء بالعنف أو باللطف كما استراتيجيات استثمار الكم الجماهيري للجماعة فقط لن يكون له جدوى سوى تعطيل حركة التغيير والإصلاح وتعميق درجة الغموض والارتباك في العملية السياسية.

طالع أيضا  الطريق الأخير إلى الاستثناء المغربي (2)أو سؤال المرحلة الانتقالية في مغرب اليوم بين استراتيجية العدل والإحسان وتكتيكات النظام

وما يعنينا، كذلك هنا، ضرورة الوعي بأن النظام السياسي في شخص القصر في المغرب، مسئول تماما، باعتبار اللحظة التاريخية التي يمر منها المغرب، وباعتبار تموقعه (القصر) عبر تاريخ طويل في الحياة المغربية، وباعتبار ما يجري في عالمنا العربي والإسلامي وفي العالم، عن تفادي انهيار السياسة والمجتمع في المغرب لما يصر على أنه اللاعب المحوري، وربما الوحيد، والفعلي في الحياة السياسية والمجتمعية.

لهذه الاعتبارات، وغيرها كما سيتبين لاحقا، يبقى سؤال المرحلة الانتقالية في المغرب معروضا بالضرورة لتحقيق عمليتين متكاملتين؛ الأولى تتجلى في نقد جذري لعملية الانتقال والتوافق والمصالحة التي تمت في المغرب منذ تسعينيات القرن الماضي، بما في ذلك عملية الالتفاف الثانية مع دستور 2011 وحكومة 2012، للكشف عن أن هذا الإجراء لم يكن إلا احترازيا، والثانية تتجلى في الاستشراف الحقيقي لا التوهمي لمستقبل المغاربة على درجة كبيرة من الوضوح والمسؤولية، مع الانتباه إلى عدم اعتبار النقد الجذري لتجربة الانتقال والمصالحة التي شارك فيها أغلب مكونات اليسار وأهمها وانغمس فيها كثير من الإسلاميين دون أن يكونوا طرفا رئيسا فيها، نقدا ترفيا؛ إذ بمعيار الواقع المعيش اليوم في العملية السياسية والحياة الحقوقية والمجتمعية أصبح واجبا الوقوف على هذه التجربة التي أسالت مدادا كثيرا وأوهمت الكثيرين بأن شيئا جوهريا حدث في السياسة في المغرب، لأن الدخول في مرحلة انتقالية حقيقية يقتضي هذا النوع من النقد حيث من دونه يفتح باب المغرب على المجهول، وهو ما لا يقبله أي عاقل؛ بل مما لاشك فيه أنه ضاعت فرص حقيقية للدخول في هذه المرحلة بسبب لعبة سياسية فاسدة ممتدة في تفاصيل بنية النظام السياسي، وهو ما يجعل السؤال التالي مشروعا: هل ضاعت الفرصة من القصر ليقود عملية تغيير حقيقية يجمع عليها المغاربة ويتجندون لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل؟

طالع أيضا  الطريق الأخير إلى الاستثناء المغربي (2)أو سؤال المرحلة الانتقالية في مغرب اليوم بين استراتيجية العدل والإحسان وتكتيكات النظام

سأعالج هذه المسألة منتبها إلى كثير من تفاصيل ما تعيشه أمتنا من قريب أو بعيد، مستلهما اقتراح الإمام المجدد عبد السلام ياسين، رحمه الله، في الباب، ليس تعصبا، وإنما لكون حجم المعاناة التي تعرفها الأمة قاطبة قد تزود العقل السياسي لدى المعنيين بقدرة على استيعاب ما كرس هذا الرجل، وقد رحل، حياته لبناء لبناته على درجة عالية من الصبر والتحمل والوضوح والمسؤولية.

إنني لن أورد ما كتبه في كل مصنفاته ومسموعاته ومرئياته، ذلك أن المقام والمناسبة تكفي فيها العودة الرصينة إلى اقتراح “مذكرة إلى من يهمه الأمر” على اعتبار أن هذه الوثيقة ليس من الهين تجاوزها أو نسيانها؛ لأنها ببساطة ليست منتوجا سياسيا لحظيا استهلك في حينه او انتهى تاريخ استهلاكه، بل هي عملية تاريخية ضمن خطاب سياسي ذي عمق تاريخي، مما يفرض ضرورة العودة الراشدة للاستماع إلى هذا الخطاب، الذي نفسه سيكون مرجعنا في نقد تجربة التوافق والانتقال الديموقراطي والمصالحة في المغرب.