إن السياحة دعوة إلى التدبر والتماس الحكمة من الطبيعة، فالذي خلق الطبيعة وخلق قوانينها من “التعاقب” و”الدوران” و”الزمنية” و”المآلات العمرانية” و”التغيرات الجيوستراتيجية” و”الإحساس المكاني” و”التعايشات البشرية”، هو الذي خلق القوانين العلمية والاجتماعية، إنه قانون “السياحة في القوانين”، تسافر، تسيح، تسير في الأرض بحثا عن قانون الحركة و”الإبدالات”.

يقول الإمام الشافعي:

 

سافر تجد عوضا عمن تفارقه***وانصب فان لذيذ العيش في النصب إني رأيت وقوف الماء يفسده***إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطب والأسد لولا فراق الغاب ما افترست***والسهم لولا فراق القوس لم يصب والشمس لو وقفت في الفلك دائمة***لملها الناس من عجم ومن عرب

إن حركة “النصَب “جزء من العبادة، فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب (الشرح 7-8)، تتجسد فيها مقاصد الكون، فوقوف الماء مفسدة، وجريانه طيبة ومصلحة فهي حركة “الرزق” والخروج من الضيق، إنها الإصابة التي تتبوصل، والحركة الكونية المتجددة.

إن السياحة وجهة في الزمان والمكان، بوصلة نحو كل الجهات، وبشكل دائري، تسيح وتعود إلى مكانك، “نقطة الأصل”، تدور وتعود وفي النفس إحساس العودة.

إن السياحة حركة العودة إلى الأصول، تأمل واعتبار في حياة البشر، إقامة للحجة على الذات والآخر، تفقد للأحوال في الجبال والسهول…

إن السياحة تأصيل للتجديد الذاتي الذي يقابل التجديد الفكري وإلا أصبحت حركة في الزمان والمكان دون وجهة وعبرة، فلا يمكن لحركة المسلم أن تخرج عن بوصلته الكبرى التي توجه حياته.

إن السياحة تحيلنا إلى مفهوم “الفسحة” بدلالته العميقة والمطلوب أن يعمقه المجتهدون، فهي ليست انطلاقا حرا متسيبا في اللذائذ والشهوات من غير قيد ولا شرط بل هي عروج روحي وسياحة قرآنية.

إن من نعم الله التي حظي بها بلدنا، والتي لا ندركها جيدا، هي الإمكانات السياحية التي يستفيد منها الأجنبي قبل المغربي، وهذه بعض منها:

السياحة البيئية

السياحة البيئية تضم كل أشكال السياحة التي تأخذ من الطبيعة مجالا لها، والتي يكون بها الوازع السياحي هو الملاحظة وحماية الطبيعة، ورصد الثقافات التقليدية السائدة بالمناطق الطبيعية.

إن السياحة تربية وثقافة، يشارك فيها الجميع وتنفتح على كل مجالات المجتمع، إنها تساهم في حماية الوسط الطبيعي، وترصد الإمكانات الاقتصادية المحلية وتخلق مناصب للشغل وتبحث عن مصادر دخل جديدة وترتقي بوضعية السكان وتحافظ على التراث الطبيعي والثقافي.

السياحة الزراعية

هي نشاط مكمل للزراعة، حيث يكون التفاعل بين المنتجين والسائحين، ويتم اكتشاف العالم الزراعي، وتؤخذ المعلومات مباشرة، ويستفاد من تجارب السائحين، وقد تصرف المنتجات دون تكاليف إضافية.

إن هذه السياحة تمكن من تنشيط الضيعات وتشجيع المزارعين على الرفع من المردودية وتطوير أشكال المنتوجات والاستجابة لمتطلبات التغذية الحديثة حيث المنتجات طبيعية بعيدة عن المواد الكيماوية.

ويمكن لهذه السياحة أن تفتح آفاقا للضيعات لتصبح مكانا للإيواء والتغذية بمنتجات الضيعة.

السياحة الريفية

تتميز هذه السياحة بتعدد المتدخلين وتنوع المنتجات وتوسع شريحة السياح، وتخلق مجالات ريفية متعددة. إن هدفها هو التقليل من حدة السياحة الحضرية الساحلية، والتقليل من الخلل الجهوي، والمساهمة في التنمية المحلية والتضامن الاجتماعي بين المدينة والريف ثم خلق أسواق محلية لترويج منتجات المجال السياحي، وتثمين الإنتاج الطبيعي المحلي.

السياحة العلاجية

من مقاصد السياحة البحث عن الأمل في الشفاء ولو تطلب الأمر السفر إلى أقصى بلاد العالم، وهنا يتم الجمع بين الحسنيين “الصحة” و”العوض”، فالتعويض إفراغ وإملاء صحي ونفسي وطاقي.

وقد عرفت الشعوب والحضارات هذه السياحة منذ القدم، ومع تطور متطلبات الحياة وارتفاع تكلفة العلاج، باتت أكثر اهتماما والتجاء، حيث يتخذها “الكادحون” وسيلة للسفر المتعدد المآرب.

وقد أصبحت المناطق تكتشف بإمكاناتها وخصوصياتها واحتياجات الناس في الزمان والمكان، وهذا أفق للاجتهاد، والمغرب بدوره لا يخرج عن ذلك، بل له مؤهلات تميزه عن غيره.

وهناك أنواع أخرى من السياحات كالسياحة الصحراوية والصوفية والاقتصادية والرياضية.. فاسألوا أهل السياحة إن أردتم الاستزادة، ووفق الله كل سائح للاستفادة ومكنه من العودة السالمة.