من جديد، يعود النقاش في مجرى العدوان على غزة، للتأكيد على فعالية خط المقاومة، ونجاعته استراتيجياً، في مجابهة المشروع الصهيوني. ولئن كان ضرورياً الوعي بهذه الحقيقة التي يسجلها تاريخ المقاومة الفلسطينية، وتسطرها إنجازاتها الحالية، فإن بنا هنا في هذا المقال أن ننظر إلى صورٍ من الخذلان الواقع على خط المواجهة الفلسطيني المباشر مع العدوان الصهيوني، في إطار ما يمكن أن نطلق عليها “نيران جيوب المقاومة الصديقة”.

إن لإطلاق “جيوب المقاومة”، فضلاً عن دلالته العسكرية، استعمالات أخرى، بقصد التعزيز عندما تُوصف المجموعات المعارضة للمشاريع الإمبريالية بأنها “جيوب مقاومة”، كما يُستعمل بقصد العيب والتنقيص، كأن توصف الكيانات المناوئة للتغيير أو الإصلاح، أو المتواطئة مع المحتل، أو الصامتة عن جرائمه بـ”الجيوب”. والدلالة الأخيرة هي التي تعنينا أكثر هنا.

وفي سياق الحديث عن ذلك، فإن ما لا يمكن أن يُحجب أن فلسطين ترزح تحت احتلالٍ يواجهها بالإبادة الجماعية. فمنذ إعلان الكيان الصهيوني عن وجوده على هذه الأرض، وهو يمارس في حق شعب فلسطين ما لا يُعدّ ولا يُحدّ من صور التنكيل والتقتيل والتهجير والتدمير.

وعن هذا المسار العدواني، فَلْتُسألِ الدموع والدماء والأنقاض والمُهجَّرون في الشتات، بيد أن ما لا تُخطئه العين في سياق ذلك، هو ما يواجهه خط المقاومة من عَنتٍ على شكل “جيوب” محسوبة على الأمة، نركز باقتضاب، على ثلاثةٍ منها، في مجرى العدوان الصهيوني الجاري على قطاع غزة:

1- الضمير العربي الرسمي الغائب:

استتارُ الضمير العربي الرسمي، وصمتُه، حيال الجرائم الصهيونية، ليس بدعاً من المواقف العربية في تاريخ الصراع العربي ـ الصهيوني، بل جاء العدوان الجاري على غزة، ليرفع من مؤشر هذا الصمت المريب إزاء القضية الفلسطينية، ويزيد، بالتالي، من المأزق العربي الرسمي الخطير حيال أعدل القضايا العربية والإسلامية والإنسانية. ولقد بات صوت الشارع العربي يائساً من أنظمته الحاكمة، ومن أن تتقدم خطوة إلى الأمام، عندما يتعلق الأمر بمواجهة العدو الصهيوني، والتاريخ والحال بدون سؤال يُغنيان عن البرهان.

دعنا من الواقع العربي الرسمي البئيس، لنسأل عن الأمل في أن ينعتق الحاكم العربي، ولو برفع عقيرته بالصراخ في وجه وحشية القاتل المجرم في غزة وفلسطين؟ بل هل من أمل في أن يسترجع هذا الحاكم القدرة على المبادرة، وينعتق من المأزق الذي يشده إلى حبل السياسات التابعة، ويخلّصه من حمأة التقاء المواقف، برغبات العدو الصهيوني على الأرض؟

من هذه الورطة التاريخية، يجب أن يخرج الحكام العرب، ليكونوا السند القوي لأم قضايانا المصيرية، والتي تلحم انتماءنا العربي والإسلامي معاً. علماً أن التخلي عن هذه السياسة، التي تقوم على خذلان الشعب الفلسطيني، لن تكون مهمة سهلة في قاموس المبادرات العربية الرسمية الراهنة، إن لم نقل إننا أمسينا، بخصوص ذلك، في حُكمِ المثل العربي الشهير إنكَ لا تجني من الشوك العنب)، إلى أن يثبت العكس.

2- “أصوات باسم الدين”، وأي دور للعلماء؟

وجدنا، في مجرى العدوان الصهيوني الغاشم على غزة، مَن يُلعلع مِن على بعض كراسي الوعظ في استوديوهات قنوات فضائية، صارخاً في وجه المقاومة بكلمات التهكّم والهُزء، مصوّراً أسِنَّتها الموجَّهة إلى قلب العدو بأنها تضرب و”ما تخْرمْش حِيطَة”، أو مَن يفتي بأن الفعاليات الشعبية الاحتجاجية التي خرجت في الشارعين العربي والإسلامي نصرةً للقضية الفلسطينية في غزة، هي “مجرد أعمال غوغائية، لا خير فيها، ولا رجاء منها.” وغيرُ هذا كثير.

لكن، وبعيداً عن هذه الصيحات التي تضع نفسها بنفسها في خانة النقض والذّم، يحق للشارع العربي أن يتساءل عمّا فعلته الهيئات العلمية إزاء الدم الفلسطيني. وإن كان من الضروري التنويه بمواقف العلماء في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين)، وغيرهم ممّن لم يألوا جهداً في الحَضّ على نصرة فلسطين، بدعوة الأنظمة العربية إلى استخدام سلاح النفط دعماً للقضية، أو المطالبة بسحب وثيقة “مبادرة السلام العربي ـ الإسرائيلي”، إلى غير ذلك من المطالبات المشروعة.

إلا أن ما نَحِنُّ إليه فيكم، معشرَ السادة العلماء، هو صورة القادة الفعليين للأمة، حكاماً وشعوباً. وإن مِمَّنْ عليه طاعة العلماء من الناس الحكام. فخطاب الشرع في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا، أطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم، لا يستثني الحاكم من الامتثال لأمر العالم، أخذاً بتفسير العبارة القرآنية “أولي الأمر” بالعلماء. نأمل فيكم، أيها السادة العلماء الكرام، جرعات أكثر وأعلى في صدحكم بالحق ونفاذه بصورة أقوى.

3- الجيب الإعلامي وأخلاقيات المهنة:

إلى جانب المجازر الصهيونية في غزة، برز فريق من الإعلاميين العرب “الراقصين على الدم الفلسطيني”، بلا رادع أخلاقي أو مهني. وفي سياق ذلك، سمعنا من هذا الفيلق تهاني حثيثة للصهاينة الغاصبين على ضربهم القطاع الفلسطيني المحاصر، بعباراتٍ من قبيل: شكراً نتنياهو على ضرب غزة). ومنهم من أمعن في التحريض على ضرب حركة حماس، والدعوة إلى الانقلاب عليها، بل منهم مَن اعتبرها العدو الأول للشعب المصري وليس “إسرائيل”.

ومنهم، أيضاً، مَن تقدم بالدعوة إلى تقديم قادة المقاومة إلى المحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد الصهاينة. ولكن، في المقابل، أليس من باب القيم والمعايير الأخلاقية أن يكون لنا إعلام مع الإنسان، ومع قضاياه العادلة، لا مجرد لعلعات ترقص على جراحات المقهورين والمحاصَرين؟

نحن، حقاً، بحاجة إلى إعلام نظيفٍ لا يلوي على الحق، ولا يعرض عنه، بحاجةٍ إلى إعلام يعرف مسؤوليته نحو الإنسانية، ويحترم قيم العدالة والأمانة والحق، لا يشوّه المعلومات، ولا يسيء تقديمها للجمهور. إعلام لا تأخذه العزّة بالإثم، لتشويه الخبر والخصم وتضليل الحقائق. نحتاج إعلاماً في خدمة القضايا الإنسانية العادلة، وفي صدارتها قضية الإنسان الفلسطيني.

– وختاماً، ماذا بعدما سالت الدماء الفلسطينية في العدوان الصهيوني الجاري، مرة أخرى، بغزارة؟ وماذا بعدما أضحى عمران غزة يُطْوى، وخرابها يزحف، وماذا بعد ردَّات فعل الفلسطينيين المكلومة بالحسبلة على العرب والمسلمين: حسبنا الله ونعم الوكيل على كل الحكومات العربية. حسبنا الله ونعم الوكيل على المسلمين. حسبنا الله على العرب قبل اليهود)؟ ثم ماذا بعدما أضافت المقاومة الفلسطينية ملحمة أخرى لملاحم الصمود المجيدة في تاريخ الأمة؟

لا شك أن الموقف حَرجٌ جداً، والاستمرار في خذلان المقاومة لا يجدي، ولن يجرّ أصحابَه إلا إلى العار والاندحار. إنها سُنّة الله في التاريخ تضع أقواماً وترفع آخرين، والمعيار في الكينونة مع الحق، أو في الاصطفاف ضده.

– نقلا عن “العربي الجديد” 7 غشت 2014.