حرب البسوس أحد أشهر الحروب فيما خلا من أيام العرب وأخبارهم قبل الإسلام، بين حيين من أحياء العرب كانت، بين قبيلة تغلب بن وائل وقبيلة بكر بن وائل، والسبب أن جساس بن مرة ثأر لخالته البسوس بنت المنقذ، بعد أن قتل كليب ناقتها فقتل بها جساس كليبا بن ربيعة التغلبي، فاعتزل أخوه المهلهل الخمر والنساء وشمر ليثأر لأخيه، مقسما أن يبيد بني بكر كلهم ليشفي صدره لمقتل الأخ، فأتته بنو بكر تطلب الصلح، ودفعوا له ألف ناقة سوداء المقل، كدية لدم أخيه كليب فقال لهم ساخرا: “أتسومنني اللبن بدم كليب”، فقاتل بني بكر وأحلافهم أربعين عاما بحسب بعض الرواة، وعشرين سنة بحسب المقلين من بعض الرواة، حتى قيل إنه كاد يفنيهم عن بكرة أبيهم. لتكون هذه الحرب مثالا رائعا في الوفاء بين الأخ و أخيه، حتى إن الشاعر المصري الكبير أمل دنقل لم يجد غير حبكة هذه الحرب، ليكتب شعرا عن موقفه من اتفاقيات السلام بين إسرائيل والعرب المنبطحين أمام خوفهم من خيانة أسلحتهم الفاسدة لهم في ساحة المعركة، أو بالأحرى من خيانة قلوبهم المشبعة بدولارات النفط وأرصدته، فيقول ناصحا المهلهل ومعه كل العرب المحدثين بلسان كليب بن ربيعة أخا الزير سالم، كي لا ينسوا مجازر العدو في حقهم، وحتى لا تضيع منهم عقود العار التي رسمت وجهها التعيس على لوحة تاريخهم هزائم أبدعنا في تسميتها، وايجاد المرادفات لها، كي لا نقلق تكبرنا الزائف ووعينا المزيف عن حقيقة خواء حاضرنا، وبلاهة شعارات مستقبلنا الذي نكاد نعرفه:

لا تصالح

ولو توَّجوك بتاج الإمارة

كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟

وكيف تصير المليك

على أوجهِ البهجة المستعارة؟

كيف تنظر في يد من صافحوك

فلا تبصر الدم في كل كف؟

إن سهمًا أتاني من الخلف

سوف يجيئك من ألف خلف

فالدم -الآن- صار وسامًا وشارة

لا تصالح،

ولو توَّجوك بتاج الإمارة.

لكن الشاعر المسكين، أمل دنقل، لم يمت حتى تجرع سم التصالح السيء الذكر والمذاق، ليقتل فيه أمله، وهو يشاهد بأم عينيه اللتين ستنهكهما المأساة العربية بنكستها ونكبتها، وبعد ذلك ستذيبهما آهات المرض، فقد رأى النصر وشاهد عن قرب ضياعه، ورأى بعينيه أيضا انصياع العرب لشروط اتفاقية كامب ديفيد ووادي عربة والبقية الباقية، وليبدأ العد التنازلي للأجل المحتوم للصمت العربي المطبق أمام خيباتهم ودمائهم المسالة أمام شاشات الاخبار، وذلك كله تحت إيقاعات الاحتفالات الصاخبة والبرامج الغنائية التافهة، في خطوات حثيثة نحو عوالم موت الضمير والإحساس العربيين، هذا الإحساس وهذا الضمير اللذين أمسيا علكة لا مذاق لها بين شدقي أنظمة خائبة تعيسة باعت نفسها وعرضها في أروقة المفاوضات باحثة عن أيام لملهاة تسكت بها شعوبها المطالبة بحق من استشهدوا ومن هجروا ومن حوصرت أجسادهم كما أحلامهم.

لقد أعلنت أنظمة الركوع والخنوع أن الزمن تجاوز أيام المهلهل وأحلام دنقل ونصائحه القديمة الآتية من شرائع العشيرة والقبيلة، حينما كانت تدبج الأشعار الحزينة في شجو كله عذابات ودموع لتستثير خليفة أو سلطانا، أو لتوقظ نار الثأر في قبيلة أو في قلب جثة كتب على جبهتها: هذا عربي أو بالأحرى إنسان.

فصارت الدعوة للثأر لشهيد أو الانتصار لأخ قريب دعوة شقاء ووسوسة أشقياء، من أصحاب الأحلام الفارغة، وما عاد بالتالي للمظلوم المكلوم من بني العرب إلا أن يكفكف دموعه السخينة، ويسلم حظه العاثر وقدره الغادر لضمادات الصلبان الحمراء فتداوى كلومه، وتداوي رضوض جسده، ولا بأس أن يسلم جوعه لصدقات ومعونات وكالات الغوث، وليبكي قلبه أيام داحس والغبراء، وحرب حزب الفضول، وأيام الصعاليك، حيث دية الإنسان ليست خطابا تنديديا طويلا ولا موقفا كلاميا بليدا، وإنما سيف قبيلة يذب عن الشرف والعرض والوطن، وليس حتى قمما تبدأ ب: لا، ثم لا، ثم لن ولم، فتنتهي في بهلوانية مضحكة مبكية بدعوى ظروف جيوـ ستراتيجية، وتحث دواعي سياسية ب: نعم، وتنزل حكومات العار للشعوب المنتظرة ببيان عنتري على شكل مولود نصفه عورة ونصفه الآخر فم. فتضحك خلائق الله كلها من مآسينا، نحن الذئاب مسكينة أمام فيثو أمريكا في مجالس المسلخ الدولي المسمى حمقا منا وذكاء منهم هيئة الامم.

ويحق للعالم أن يقهقه ويضحك، فلم يعد لنا من سلاح ولا أمنيات غير البكاء والنحيب، بعد أن سحبت منا الأنظمة حق أن نصرخ، بل وحتى وأن نرفع الشعارات البعيدة، التي نصفها حرقة ونصفها الآخر مجازات، وذلك في إطار تسوية العيش في سكات أو سلب كل الحريات، فنفضل العيش بلا حساب، ولا عتاب، ولا حتى ذكاء، أو تدبير، نواجه قدرنا الغريب في هذا الكون بالصمت المشروخ، ونهب مستقبلنا أيام تعس طويلة للفراغ الرهيب العقيم دون أي مقاومة أو رفض، أو غضب، ونبكي في صمت قتلى بني جلدتنا، ونكتب أسماءهم على طاولات الدرس لنمسحها قبل الخروج منه في ذعر وحزن.

مهما يكن من وحشية العدو ومن بربريته في حق بني قومنا، فليس لنا إلا أن نضع أكفنا برفق على صدورنا، ونحاول أن ننسى لبرهة منظر الدماء في أفق أن تتبدل من القلب الحزين أغلال الدم والأخوة، وتنمحي من دواخلنا عقدة الشعور بالذنب اتجاه من نحب، ولننتظر المعجزة، ولننتظرها حتى لو صارت رؤوسنا جماجم، وحتى لو أكلت أعصابنا دموع الليل وذكريات من ذهب ولم يعد، وإلى ذاك الحين فلنصالح القاتل على الدم بغير الدم، فالدم في النهاية يشبه سائل كما بقية السوائل. وإذا قيل لنا رؤوسنا بأي رأس، قلنا ولما لا فكل الرؤوس سواء، ورأس أخي كرأس الغريب، وعيناه كذلك. ومهما كان من هذا الغريب في حقي وفي حق أخي فنحن في الأخير أبناء عمومة، والثأر والمقاومة رغبات شريرة للنفس الأمارة، وعقد قديمة تشرئب من قلوب أوغاد خاسئين ممن لا تحبهم الحياة. والخنوع والركوع ليس كما يراه الكثيرون ممن يرون أنفسهم أبطالا لتاريخ، إنما هو سياسة الباحثين عن المأمن من الفتن والعقاب، إنه طريق الطامعين والراجين لمثوبة هيئة الأمم لتوهب لهم الحياة ولو في ذل أبدي، على أن يكونوا بغرورهم القبلي القديم ضحية لشهوة الافتراس من الآخرين، فالأهم بالنسبة للعرب الجدد الطيبين الطيعين أن يحيى ويعيش المرء منهم دنياه حتى لو حرموا صياغة بياناتهم الطيبة والطويلة لرثاء موتاهم وضحايا خذلانهم الكبير، ليكون معهم ليل الكرامة العربية البهيم هو الأطول في مواسم الهزيمة والخدلان للأخ ولذكرى دمه المسكين.