تدمير شبكة الأنفاق، توجيه ضربات موجعة للمقاومة، تعطيل منصات الصواريخ، تكريس العزلة السياسية لحماس… عناوين يرفعها الكيان الصهيوني اليوم لتسويغ انسحاب جيشه المحتل من مستنقع قطاع غزة؛ مقابل ذلك يسعى جاهدا إلى إخفاء حجم ضحاياه على مستوى الصفوف الأمامية الغازية، إذ لا تجرؤ قيادته السياسية على الإفصاح عنه، يضاف إليه توسيع دائرة الاستهداف من قبل صواريخ المقاومة، التي يبدو ـ والحق ما شهدت به الأعداء ـ أنها لم تعد عبثية، وإلا لماذا كل هذا الانزعاج من هذه الصواريخ/المفرقعات ـ كما توصف تهكّما ـ التي تطلبت اقتناء القبة الحديدية للتصدي لها.

عدوان غاشم بتواطؤ إقليمي ودولي له مساق يجليه:

ـ فشل العدوان في تحقيق أهدافه المعلنة والمُضمرة.

ـ انفضاح الطبيعة العدوانية لدويلة الاحتلال وتوسيع دائرة العداء لسياسات “إسرائيل” التوسعية.

ـ فشل المشروع الانقلابي على الربيع العربي الذي قاده ويقوده ما غدا يعرف بالتحالف الإقليمي والدولي.

ـ تعميق الهُوة بين أنظمة قايضت عروشها بأم القضايا الإسلامية وبين شعوبها.

ـ انفضاح نفاق وزيف شرعية المنتظم الدولي وازدواجية معاييره.

وصمود أسطوري للمقاومة أمام قوة جيش نظامي مدجج بأفتك الأسلحة وأحدثها، ومدعم إقليميا ودوليا للنيل له سياق، من ثماره:

ـ الحفاظ على جِذوة المقاومة مبدأ وثقافة ومشروعا.

ـ رفع منسوب الوعي الشعبي الجماهيري للمضي قدما في المطالبة بحقه في الحرية والكرامة.

ـ تنامي التعاطف الشعبي عالميا مع الحق الفلسطيني وشرعية قضيته.

ـ نشوء محور مناصرة المشروع التحرري المطالب بالعدالة: دول أمريكا اللاتينية نموذجا.

إذن، فعلى الرغم من فداحة الكلفة البشرية والمادية للعدوان الأخير على قطاع غزة، فإن المقاومة صمدت وثبتت، بل لقنت محور الشر إقليميا ودوليا درسا قاسيا في فعالية تعبئتها للشعب. ولولا احتضان الشعب المحاصر للمقاومة ما كان لهذا الإنجاز الفريد أن يتحقق؛ صمود وثبات وتماسك صفوف أعاد للمستضعفين في العالم الأمل وضخ جرعات كبيرة من الثقة في الإمكانيات الذاتية، على تواضعها، وأكد أن الطموح للكرامة مشروع، وأن الطريق للحرية والانعتاق من نير الاستعباد ممكن جدا، متى توفرت النيات الحسنة ورُجحت المصلحة العامة على المآرب والأهداف الشخصية أو الفئوية، وكما يقول الشاعر أبو الطيب المتنبي:

عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَـزائِمُ ** وَتأتي علَى قَدْرِ الكِـرامِ المَكارمُ

وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها ** وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ