لقد كشف الصمت الأمريكي والأوربي عن المجازر المرتكبة في حق قاطني أكبر سجن بشري مكون من مليوني مسلم، سجن يشترك في تعذيب مساجينه، ومحاصرة أحلامهم، وصنع مأساتهم، الأعداء ومن يجب أن يكونوا في حكم وعداد الأصدقاء… كشف هذا الصمت مرة أخرى عن حقيقة الدعايات الحقوقية والإنسانية التي يرفع عقيرتها أصحاب هذا الصمت، أقصد الولايات المتحدة ودول أوربا، هذه الدول التي تتباهى أمام العالم بصياغة مواثيق الحرية والكرامة البشرية، بل وجعلها غير ما مرة مطية للتدخل في مجموعة من دول العالم الكافرة بالإنسان وبحقوقه بحسبها، وذلك من أجل نشر الديمقراطية وللحفاظ على النوع البشري من سياسات القتل والابادة التي تتم بسلاح أمريكا وأوربا نفسيهما، فالإدارة الأمريكية والكيانات الأوربية ما تزال حريصة إلى اليوم على عدم توجيه انتقادات مباشرة وصريحة الوضوح لإسرائيل، أو حتى المشي قدما للضغط عليها لوقف عملياتها العسكرية غير المتكافئة، والتي يتسارع فيها عدد القتلى والجرحى من الجانب الفلسطيني بشكل يظهر للعالم الوجه الإجرامي الحقيقي للكيان الصهيوني، وفي نفس الآن يفضح الوجه المنافق للسياسة الغربية التي عبر عنها بشكل واضح أوباما في خطابه في أوج سياسة القتل والابادة الإسرائيلية تجاه أهل غزة، ودونما حياء ولا خجل، يؤكد أن إسرائيل بحسبه: “من حقها الدفاع عن مواطنيها ضد الهجمات الصاروخية”، دون أن يولي أي أهمية لشعب بأكمله يعيش محاصرا دونما غذاء ولا دواء ولا رواتب، إلا ما تجود به منظمات الإعانة والإغاثة الدولية، ودون اعتبار يذكر لعذابات شعب نزعت منه أرضه وهو الآن محاط بأسوأ ظروف القهر والتمييز العنصري التي رآها العالم طوال تاريخه الأسود.

إن الموقف من فلسطين ومن الجرائم الحمقاء التي تستغل فيها “إسرائيل” صمت أوربا وفيتو أمريكا وسلاحها، يؤكد حقيقة استمرارية وصيرورة البربرية الغربية المتجذرة في وعي ولاوعي السياسية الغربية، والتي التي لم تنجح نداءاتها الحقوقية ومكياجاتها عن النزعة الانسية وحقوق الإنسان وكذا الحيوان أن تخفي وجهها الاستعماري البشع والمحزن الموروث عن تاريخ إجرامي طويل وعريق يرافق مسارهم التاريخي في طبعته الرومانية التي شكلت أبشع أشكال الحقد بربرية في التاريخ البشري (نهب corinthe، وحصار numance، زحرق قرطاج، والمذابح ضد الأمازيغ والقوط) إلى طبعته الحديثة المحفوظة للإنسان الغربي مع الحربين العالميتين الاولى والثانية، وبالطبع مرورا في هذا المسار المتوحش حقوقيا وإنسانيا بمحاكم التفتيش في الأندلس المسلمة، والحروب الصليبية في الشام، و جرائم الإبادة للجنس البشري عند غزو العالم الجديد.

فمنذ استقبل اليونان إلههم العنيف والبربري الذي لا يرحم، إله الخمر والسكارى ديونيزوس Dionysos ابن الإله زيوس Zeus ، وسيميلي Sémélé، أعلن عن الدمار والخراب الذي سيحيق بالعالم، وهكذا الأمر مع الحرب مارس مع الإغريق، لتصنع كل فترة ربها الممجد للحرب والناصر فيها، إلى أن جاء الدين المسيحي واليهودي ليصنعا لاـتسامحهما الخاص بهما نحو العالم، فكانت الرحمة بالنسبة لهما والشفقة، آخر شيء يتكلمان فيه اتجاه الخارجين عنهما من المهرطقين والمنحرفين عن دينهما الذي سمياه دين حب ورحمة.

فكان أن احتكرت أوربا البربرية والعنف لقرون، وكانت مشاريع القتل والاضطهاد فيها هي النشاط الوحيد في كل أوربا، حتى كاد يكون النشاط الاقتصادي الوحيد لملوك أوربا هو الجهاد المقدس، لهذا كانت نقطة الأمل الوحيدة التي سادت في أوربا هي التجربة الأندلسية مع الحكم الإسلامي، ولتشكل نهايته نهاية نقطة الأمل هذه، مع خروج وانكسار المسلمين وتسليم أبي عبد الله الصغير لغرناطة لايزابيلا وفردناندو، اللذين خيرا المسلمين واليهود بين اعتناق المسيحية أو القتل في أسوأ الأحوال أو الطرد في أحسنها، وذلك في سنة 1492 التي عرفت اكتشاف العالم الجديد، مع كولومبس الذي كانت رغبته هي الحصول على مزيد من الذهب لتجهيز حملة حرب الاسترداد ضد المسلمين، وتحرير أورشليم التي أمسى تحريرها فرض عين على كل مسيحي مؤمن بالرب يسوع وعلى كل نصراني عاقل! فالعرب أمسوا هم أعداء الرب الرسميين.

وباكتشاف أمريكا أفرج للعالم عن الصندوق المتضمن لكل شرور البشرية من جشع، وغرور، وافتراء، وكذب وحروب وقتل، واكتشف للعالم المركز الأبدي لصناعة العنف، وللتمرن على الكراهية والابادة، لتكون للعالم منارة كئيبة كما تمثالها الرمز الذي ترفع فيه أمريكا النار التي ستحرق العالم في يمناها، وفي يسراها ترفع كتاب سيئاتها، حتى أن الماغوط يقول عنها، وعن مكتشفها: “لو أن كولومبس نهض من قبره، واكتشف دواء شعبيا لكل الأمراض المستعصية في التاريخ، وعلى رأسها السرطان، فلن يكفر عن جريمته باكتشاف أمريكا”، أمريكا المتجذرة في تاريخ البربرية والعنف، والتي تأسست أصلا من المهاجرين: من السجناء والقتلة الذين امتلأت بهم السجون البريطانية والفرنسية، ليؤسسوا هم الآخرون على جثت ملايين الهنود الحمر الذين تم إعدامهم وإخصاء نسلهم، وتخريب حضارتهم حتى أن جورج واشنطن كان يسمى بين أصحابه وأعدائه من السكان الأصليين بمدمر المدن، لتخريبه لأكثر من 24 مدينة هندية، وسنه لطقوس السكر والفرح على شرف حفلات شواء للهنود الحمر وشنقهم، ليتم استكمال طفرة العنف الغربية الغريبة جدا على الإنسانية والمتجذرة في نمط عيش الإنسان الأشقر، في أمريكا اللاتينية خاصة مع أسطورة “الأولدورادو” مع العثور على صفائح الذهب على جدران معبد Cuzco في البيرو، ليتم لأجل هذا الحلم الأسطورة إبادة شعب الأنكاد وتدمير معبوداته عبر سلسلة مجازر ومذابح امتدت من المكسيك إلى جنوب البيرو.

وسيتوضح أكثر الوجه البربري والعنيف للغرب مع الحروب الاستعمارية التي اعتبرت فيها بقية شعوب العالم مجرد عبيد لدى الإنسان الأبيض، فهاهو الروائي العالمي André Gide يروي في شهادته عن رحلته إلى الكونغو، الكيفية البشعة التي تعاملت بها دولته فرنسا مع سكان إفريقيا، إذ وضعت خطا لسكك الحديدية بين الكونغو والمحيط في قساوة إنسانية بذيئة لتنقل آلاف من السكان الأصليين للمساهمة في بناء أوربا وأمريكا، واعتبارهم للإنسان الإفريقي سلعة كما بقية السلع، والأمر نفسه يمكن قوله عن بقية المستعمرين الإنجليز والبرتغاليين والإسبان الذين اندفعوا في هيجان شره لاستعباد العالم ومص دماء بقية شعوبه، ليشهد العالم معهم أكبر المجازر، وليرسخ في ذهن البشرية استشهاد مليون جزائري على يد الشره الفرنسي لحكام فرنسا الذين يعتبرون أنفسهم في صلافة عجيبة بأنهم ورثة فلاسفة العقد الاجتماعي، والأبناء الشرعيين “للشعارات الثلاثة الحرية والأخوة والمساواة” (Liberté, égalité, fraternité)، ولتتم مع ذلك إبادة شعوب الجزيرة Tasmanie وشعب الآلاكالوف Alakalufs، وغيرها من الشعوب إلى جانب تدمير مساحات شاسعة من غابات الأمازون العذراء في تطبيق عملي لفلسفة ديكارت الذي نصب الإنسان سيدا ومالكا للطبيعة، وفلسفة فرنسيس بيكون الذي رأى أن تحقيق أهداف الإنسان عبر القوة منوط بالمعرفة والصناعة، ليرتفع بعد ذلك دخان الآلات الهادرة مناديا بالمزيد من مصادر الطاقة المحركة، وسعيا وراءها، ولو على حساب الطبيعة والإنسان معا، لتنهزم أوربا أمام جشعها ولتنكسر مجهودات شعراء مثل غوته، ونوفاليس، وشيلينغ، أمام تجذر الحس البربري لأوربا والأوربيين.

وأتت الحرب العالمية الأولى لتكشف للعالم منظور الأوربي لبقية خلق الله، حيث سيتم توزيع خيرات العالم على لصوص أوربا الأقوياء، وسيفني هؤلاء اللصوص بعضهم لأجل سرقة خبز وخيرات بقية الشعوب، واستعباد دوله، فتنهزم بلاد الرايخ وتستمر مسيرة الجشع مع فرنسا وإسبانيا وإنجلترا في انتهاج جيد وباهر لسياسات السرقة واللصوصية، ليعود الجاويش هتلر بألمانيا للواجهة من جديد ليقتل لوحده 37 مليونا من الرؤوس البني آدمية، وذلك كله لأجل أخذ نصيبه من خيرات العالم وإعادة توزيعها بشكل يخدم بلده الرايخ الثالث، ولتسارع الولايات المتحدة في دخول الحرب، ولتكتمل بالتالي مسرحية القتل التي بدأها هتلر بالقنبلة النووية التي ستفجر حبكة الحرب وستنهيها، فتقوم الولايات المتحدة بمد أوربا بالدقيق والغطاء وعلب السردين والكمادات وزيت التدفئة التي لولاها لما وجد تشرشل أحدا يحتفل معه بالنصر.

وبعد كل هذا فهمت أوربا الدرس جيدا، عند خروجها من الحربين بجسد مكلوم مليء بالرضوض والجروح انكمشت في جحرها البارد والضيق مثل أي ثعلب عجوز وغدار، في مسكنة وذل باهرين، محاولة قدر جهدها أن تظهر للعالم بوجه آخر حسن المنظر، هو نموذج للتحرر والديمقراطية، ولتحاول أن تجعل من أوربا وحلفتها الأبدية الولايات المتحدة منطقتي سلام لوحدهما، ولتشتعل النيران فيما عداهما، غير عابئتين في أن توقفا أو تخمدا نيران مدفعية أكثر من خمسين حربا نشبت بعد آخر حرب عالمية، ودون أن تستفزهما الأرواح المهدرة ما دامتا تستغلان هذه الحروب لخدمة مصالحهما الاقتصادية والسياسية، لذا لا يهمهم في شيء عدد ضحايا صبيب القنابل الهابط على رؤوس أهل غزة، ما دامت إسرائيل تشن حرب صليبية بالوكالة عن أوربا ضد العرب ما دام لاوعي ولاشعور الإنسان الغربي متركزا فيه وبشكل طافح بربرية القرون الخوالي التي بالتأكيد لن تساعد في تجميلها بعثاث الصليب الأحمر لتضميد جروح كل حرب لم يكن لها أن تقوم في الأصل لولا الأسلحة والإرادة السياسية من سيدتي العالم وشريرتيه أوربا وأمريكا.