1- تقديم

لم تكن حرب غزة – عزة الإسلام والمسلمين – في نسختها الثالثة، نسخة طبق الأصل، وما ينبغي لمثل رجالها أن يكونوا، فقد كانت الحرب العدوانية الثالثة آمالا مرضية، أكثر منها آلاما مضنية، إذا اعتبرنا المحن – كما علمتنا سنن الله الكونية – منحاً بين يدي النصر، فالحرب سجال، وأخذ الحقوق بدون تدافع محال، ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض 1 ، وما أضحت الأرض المباركة مرتعا لعلوا بني صهيون الغاشم، إلا عندما خفتت جذوة الجهاد، وصمت صوت المقاومة المسلحة، بل أسكت ظلما وعدوانا، بمؤامرة بيتت بليل من بني جلدتنا، نيابة عن العم سام، ونبت في إثرها مخلوق هجين اسمه “مفاوضات السلام”، الذي أثخن القضية الفلسطينية جراحا، وما زال، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون 2 ، وتواطأ المنافقون، ومكر الماكرون، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين 3 . إن الجولة الجديدة، لحرب غزة العزة، لقنت الجميع دروسا وعبرا وعظات، كانت نعمة وهبة للسائرين على الدرب، كما كانت لعنة على المنافقين الأدعياء، الذين اتخذوا اليهود والنصارى أولياء، والمناوئين الأوصياء – بقوة السلاح- على ما يسمى بحقوق الإنسان، والقانون الدولي، لقد كانت غزة وما زالت بحق مدرسة ميدانية لمعادلة العزة، وصخرة تكسرت عليها رؤوس الخانعين، وتمعرت عليها وجوه المستكبرين، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون 4 .

2- غزة مدرسة الثبات

انطلقت المقاومة الفلسطينية خصوصا الغزاوية منها، على بينة من أمرها، تطلب الإنصاف لقضيتها العادلة، بانفتاح قل نظيره على كل الفرقاء والمتدخلين، لكن بعقيدة ثابتة، ووضوح في الرؤية، وقصد في الهدف، يد لا تنفك عن الزناد مع عدو لا يفقه إلا لغة القوة، ويد مبسوطة لكل منصف ولو اتضح عوره وزوره، على قاعدة المثل الشائع: (اتبع الكذاب حتى باب الدار)، إقامة للحجة، وفضحا للمناورات. وبالحكمة وفصل الخطاب، فرضت المقاومة على الخصم كما الصديق، معادلة جديدة للتعاطي مع قضية الأمة المركزية، قائمة على الاحترام والتقدير.

لقد أعادت المقاومة للقضية وزنها، عندما اعتمدت في كل تحركاتها، وأعمالها، وشرعيتها، أصولا ومنطلقات كاد الزعماء المترهلون المندسون، أن يدوسوا على هاته الأصول، ويبيعوا الهمم والذمم، والأرض والحجر. انبرت المقاومة من رحم الممستضعفين، لتذكر الجميع بأن أصل الداء، محتل احتل الأرض، وأعاث فيها الفساد، وشرد أهلها، وأحل على إثرهم قطعان المستوطنين، وكل قوانين الأرض والسماء، تمنح الحق لأصحاب الأرض، أن يستأصلوا هذا العدو الغاشم الغاصب ، ومن ثم فنعت المقاومة بالإرهاب ذر للرماد في العيون، وتنكب عن الحق الأبلج، وما شرع الجهاد إلا للدفاع عن الوطن ضد احتلال الأرض ونهب الثروات، وضد الاستعمار الاستيطاني، الذي يخرج الناس من ديارهم بغير حق، وضد الذين يظاهرون ويساعدون على الإخراج من الديار، وضد الذين ينقضون عهودهم، ولدفع فتنة المسلمين في دينهم أو سلب حريتهم ، قال تعالى: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ،ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز 5 ، وجاءت البشرى من رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ”. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: “بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ” 6 ، من هذه القاعدة الصلبة، المفعمة باليقين في موعود الله تعالى، انطلقت المقاومة، وقد تجذرت في قلوب المستضعفين، فكانوا الحضن الأمين لها، ولا نعجب بعد ذلك، أن نرى مواكب الشهداء تعرج إلى السماء بالمئات، والجرحى تطرح على الأسرة بالآلاف، والبيوت تهدم على أصحابها فتبيد عشرات الأسر عن بكرة أبيها، وأهل غزة ما زالوا يلهجون بدعم المقاومة ومطالبتها بالقصاص من قتلة الأنبياء، في ثبات للثكالى والأرامل واليتامى قل نظيره، عدا في الرعيل الأول من قرن النبوة. ورغم ما تعانيه المقاومة من نقص في العدد والعدة في مقابل ترسانة العدو، فإن قلوبهم لا ولن تلتفت عن منطوق الحق سبحانه: كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ 7 ، وقوله: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 8 . لقد أحيت المقاومة، بثباتها الأسطوري، جذوة الجهاد بأخلاقياته القرآنية، وسيرة رجاله البطولية، فضلا عن مفاجآته العسكرية التي أذهلت العدو قبل الصديق.

3- غزة الكاشفة لعورات الأنظمة

معادلة أخرى طفت على سطح حرب غزة، كانت في الأمس القريب، تترنح بين الشك واليقين، تلكم المعادلة التي حل فيها البراء ورحل الولاء، عن جل الأنظمة العربية، التي مكرت بليل، وبعضها نهارا جهارا، لتقدم المقاومة قربانا للسفاحين الصهانية، وقد فعلت ورب الكعبة، عندما صمتت عن قتل مايناهز ألفي شهيد حي عند ربه يرزق، وعندما شاهدت دراما لمئات المساكن تهدم على ساكنيها فما أنكرت ولا فتحت حظيرتها لاجتماع طارئ لا يسمن ولا يغني من جوع، وعندما حاصرت الجرحى ليسيل ما تبقى من دمائهم على عتبة المعبر المسلم الوحيد، وعندما ساوت بين القاتل والضحية، وعندما وافقت على الموت البطيء لشعب محاصر، منعت ومازالت عنه ما يضمد به جراحه فداء لكرامة الأمة، بله الطعام والشراب والكساء والكهرباء والماء وحليب الأطفال، وفي المقابل نجد المحتل الغاشم يشيد بالغطاء الإقليمي لعدوانه وجرائمه على أهل غزة، فضلا عن السند الغربي من أنظمة ألفت الولغ في دماء المستضعفين في مشارق ومغارب العالم الإسلامي، ولاء بين كافر وكافرلا ينكر، لكنه بين عربي مسلم وألد عدو الأمة لأعظم منكر.فلله درك يا أيقونة الجهاد، ويا درة المقاومة الشريفة، كيف صمدت لشهر كامل، أمام كل هذه المؤامرات الخبيثة، حصار من البحر والبر والجو لا يمطر إلا نارا قاتلة، ومكر بالليل والنهار، اجتمعت على تدبيره كل الأنظمة إفرنجها وعربها ومنافقوها ويهوديوها، فما انكسرت لك شوكة، ولا لان لك ساعد عن ضغط الزناد، وكأني أقرأ في صفحات يقينك بقول الله عز وجل: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم 9 ، وقول رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: … وَاعْلَمْ أَنَّ الأمة لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلاَمُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ 10 .

4- غزة الفاضحة لنفاق المنتظم الدولي

وثالثة الأثافي التي عرت وجهه القبيح العدوان الصهيوني على غزة، هي المواقف المخزية للمنتظم الدولي – حاشا شعوبه – فقد داس العدو الغاصب على كل قوانين الأرض والسماء، وصفع بعنجهيته المعهودة كل المواثيق الدولية، واستنكر لكل أخلاقيات الحرب، فقتل الأطفال والنساء، ودمر مساكن الإيواء، وأحرق الأخضر واليابس، وقصف سيارات الإسعاف بمن فيها من المسعفين والأطباء والجرحى والشهداء، ولاحق اللاجئين في عقر دار الأمم المتحدة، وغيره كثير مما امتلأت به الشاشات والصحف العربية والعجمية، موثقا بالصوت والصورة، بل أكثر من هذا، تدخ الأسلحة للمعتدي الغاصب في وضح النهار، وتلام المقاومة على إطلاق الصواريخ ولو بدون إصابة، ويتباكى المنتظم الدولي على احتمال أسر ضابط غاصب على أرض غزة، ولا يأبه إلا بخجل ودم بارد بمئات الضحايا المدنيين، حقائق مرعبة فضحتها حرب غزة الثالثة، لترسم لنا المستضعفين في الأرض صورة عالم جديد، لا يؤمن إلا بالقوة لنزع الحقوق، على غرار ماسطرته المقاومة الباسلة بغزة العزة، وإن غدا لناظره قريب، فاعتبروا يا أولي الألباب، وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم 11 ، ومن ثم فاوض واشترط، وارفع رأسك واستقم.


[1] البقرة 251.\
[2] التوبة 32.\
[3] الأنفال 30.\
[4] المنافقون 8.\
[5] الحج 39-40.\
[6] رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة.\
[7] البقرة 249.\
[8] الأنفال 10.\
[9] آل عمران 173-174.\
[10] الترمذي وأحمد وابن عباس.\
[11] الأنفال 174.\