لا يخفى على أحد أن المسلمين يعيشون في الواقع الحالي أزمة من الحجم الثقيل، وهي أزمة البحث عن الذات إلى جانب أزمة غياب المنهاج. من نحن؟ هذا السؤال لم يجد جوابا كافيا ومقنعا عبر التاريخ على مدى قرون، وذلك لتباين واختلاف الرؤى والاجتهادات والتصورات حوله، وهذا مما زاد من حيرة الأمة وسط هذه الفتنة الهائجة المائجة. ويمكن أن نجمل هذه الرؤى والاجتهادات في نوعين:

النوع الأول: يرى ذاتية الأمة في الرجوع إلى الماضي والارتباط به، فيحنّ إلى ذلك النموذج الذي سطر أروع صفحات التاريخ، فيذكّر بالانتصارات والإنجازات والبطولات التي بقيت خالدة، هذه غزوة بدر، غزوة الفتح، الزلاقة، حطين… وهذا عمر بن الخطاب، علي بن أبي طالب، خالد بن الوليد، صلاح الدين الأيوبي، يوسف بن تاشفين… وغيرهم من الرجال الأفذاذ رضي الله عنهم. هذه الذهنية المرتبطة بالماضي فقط إنما هي ذهنية سطحية، ليست بأي حال ذاتية الأمة الحقيقية.

لماذا؟

لأنه عندما يقرأ أو يسمع الآخرون من غير المسلمين عن هذا التمسك الصارم بالماضي والتشبث الحرفي بالتراث دون استحضار الواقع الحالي وما يعرفه من تغيرات وتطورات ومستجدات، ودون الانفتاح على ما فيه من تجارب إنسانية واختراعات ووسائل تقنية وعلوم أرضية، يتبين لهم مدى تشدد وتزمت هذه الرؤية، مما يخلق لديهم عدة هواجس تدفعهم إلى التخوف كثيرا مما يطرحه الإسلاميون، بل وأكثر من ذلك يُفتح لهم المجال ليلفقوا تُهما تصل إلى حدّ التصنيف في قائمة العنف والإرهاب.

النوع الثاني: يرى ذاتية الأمة في استيراد مشاريع ونُظم من الشرق أو الغرب، فيعتقدون هذه الذاتية في تبني الاشتراكية والتقدمية والعلمانية والحداثة وغيرها، وحتى تستساغ وتُقبل من طرف الأمة يضيفون إليها كلمة “إسلامية”، ومع إضافة كلمة إسلامية إلى هذه المفاهيم يكون الغموض والغبش أكثر عند المسلمين. وهذه الرؤية المستوردة كذلك لا تمثل بأي حال الذاتية الحقيقية للأمة.

لماذا؟

أولا: لأنهم بهذا الرؤية سيصطدمون بعقيدة الأمة المسلمة التي ستتصدى لهم بكل حزم.

وثانيا: لأنها مشاريع ونظم وُضعت في أصلها لتُغرس في تربة غير التربة الإسلامية، فهي بذلك ليست صالحة ولا نافعة لتنبت في أرض الأمة.

فما هي الذاتية الحقيقية إذا للأمة؟

الذاتية الحقيقية كما طرحها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى في تصوره المنهاجي هي نفسها الذاتية التي جاء بها القرآن الكريم وجاءت بها السنة النبوية. فلا غرو أنهما جوهرا ومركزا هذا التصور. ويحمل بنود هذه الرؤية المنهاجية التي يعتمدها الإمام رحمه الله في طرحه لهذه الذاتية الحقيقية الآية الكريمة من سورة آل عمران: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (آل عمران: 102-103). وبعد التحليل والتفصيل يخرج منها بتصور منهاجي مفاده أن الذاتية الحقيقية للأمة تتلخص في بعدين مترابطين لا ينفك أحدهما عن الآخر:

بُعْد الذاتية الإيمانية: وتتعلق بالأفراد، أن يكون كل فرد من أفراد الأمة مؤمنا، تتحقق فيه معاني التقوى.

بُعْد الذاتية الجماعية: وتتعلق بجماعة المسلمين، أن تكون موحّدة ومتماسكة، تتحقق فيها معاني التمسك الصارم بحبل الله المتين الذي هو القرآن الكريم 1 .

نعم للأمة تاريخ في الماضي طويل، يجعلها تمتلك إرثا كبيرا لا يمكن القفز عليه، ولكن لا ننسى أيضا أن لها من جهة حاضرا ينبغي أن تتموقع فيه بكل قوة وأن تتعامل معه بكل حكمة وواقعية وإيجابية، وذلك بأن تتمكن من معرفة مكوناته ومعرفة أهم شروط العمل فيه، ومن جهة ثانية لها مستقبل موعود وواعد ينبغي أن تتطلع إليه وتخطط له التخطيط اللازم مستفيدة في ذلك بما معها من رصيد تاريخي وبكل ما هو من رصيد التجربة الإنسانية1.


[1] انظر دروس المنهاج النبوي، شريط مسموع رقم 31 الذاتية الإيمانية، للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى.\