سلام عليكن – معشر الأمهات في غزة فلسطين – بما أنجبتن جيلا انبثق من بين الآلام، فخرج فتيانه أسودا لا يخشون في الله لومة لائم… هكذا بعد ستين سنة ونيف من السير على لظى الكروب، وتجهم الصديق، واكفهرار العدو، انتفضتم ضراغم، لا يقف في وجوهكم سلاح ولا قوة مهما عتت وتجبرت على الخلق…

فتحية إجلال لكم وإكبار، أيها العمالقة الكبار…

وتحية إكرام لكم وتقدير، أيها الأبطال الكبار…

لقد حُقَّ لشرذمة الذل والهوان، أن يحسبوا لكم – أجيالَ غزة فلسطين – ألف حساب، وأن ترتعد فرائصُهم منكم هلعا… كيف لا وهم يرون رباطة جأشكم، وصلابة قناتكم، وقوة عزمكم رغم التقتيل والتذبيح، واستباحة الحُرم والدماء الطاهرة والنفوس الزاكية… فما أروعه من بذل وما أروعه من جهاد! وما أطهرها من أجساد! وما أعذبها من ألحان انطلقت زغرودة من فم أم الشهيد مرددة مع الخنساء رضي الله عنها لفلذات أكبادها: اغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، ولله على أعدائكم مستنصرين) 1 .

إنه شرف الاستشهاد، فأعظم به من شرف وأكرم، وكأني بكن – معشر الأمهات في غزة فلسطين – تخاطبْن وتنعين أبناءكن نَعْيَ خنسائنا السابقة بصبر وإيمان حين قالت بعد أن تناهى إليها استشهاد أبنائها جهادا ودفاعا عن شرف الأمة وحُرمها: الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته) 2 .

فسلام عليكن بما وضعتن جيلا أصبح دَويُّ الرصاص والقذائف في آذانه أرق من الصوت الرخيم.. جيلا لا يخاف الظلام ولم يعرف الخور ولا الجبن… حقا هو جيل فتوة وقوة وأمانة… جيل شب على ترديد قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده لولا أن رجالا من المسلمين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله. والذي نفسي بيده، لوددت أن أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل” 3 .

إنه جيل يهوى الردى ويرفض الظلم ويأبى الدنية… لا يهمه أن يغيب تحت الركام أو تتناثر أشلاؤه من جراء القذائف، أو تترك سياط الجلادين في جسمه علة دائمة… جيل قد يستطيع أحفاد القردة والخنازير أن يحولوه إلى جثة هامدة لكنهم لن يستطيعوا بإذن الله أن يقتلوا فيه نخوته أو يسلبوا مروءته، أو يسحقوا رجولته…

فسلام عليه وعلى أمهاته اللواتي كن حضنا ومدرسة تسامت بتربية وتخريج بنين وبنات نشأوا النشأة الإيمانية فاشتد ساعدهم بها فلم يعرفوا تفريطا في قضية أرض الله، ولم يقبلوا استسلاما لأعداء الله، ولم يرضوا هوانا في دين الله ولا تخلوا عن أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. حقا إنه جيل يستعذب الجهاد في سبيل الله، ويحرص على الموت حرص أعدائه على الحياة…

بهذا الجيل بعد عون الله عز وجل نستعيد ما فقدناه من سيادة، وما ضاع لنا من أرض مباركة، ويتحقق – بإذن الله – وعد الله الحق: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون 4 .

وأنتم يا من نكص وتثاقل إلى الأرض: أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل 5 .

ريح العبير لكم ونحن عبيـرنا *** رَهَجُ السَّنابك والغبار الأطيب
ولقــد أتانا عن مقال نبينا *** قول صحيح صادق لا يُكَــذَّب
لا يستوي وغبار خيل الله فـي *** أنف امرئ دخان نار تلهب
هـذا كتــاب الله ينطــق بينـنا *** ليس الشهيد بميت، لا يكذب
6


[1] الإصابة في معرفة الصحابة ابن حجر العسقلاني مج4 ص287.\
[2] نفسه.\
[3] متفق عليه.\
[4] سورة الأنبياء، الآية 21.\
[5] سورة التوبة الآية 38.\
[6] الأبيات لعبد الله بن المبارك رحمه الله، نقلا عن طبقات الشافعية، الجزء الثاني، ص. 151\