مشهد الاستئذان

نقصد بالتصور القدري، مجموع الحقائق المستقبلية التي جاءت في القرآن والسنة النبوية، والتي تشكل حقيقة تاريخية مرتبطة ب”الفاعلية الإلهية” باعتبارها سننا ثابتة تحكم الاجتماع البشري والصراع الحضاري ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا.

إن هذا التصور القدري يشكل ركيزة عقائدية في مرحلة الضعف و”الوهن”، فتغييبه يفقدنا الثقة واليقين في النصر ويجعل الهزيمة نفسية داخلية تؤشر للانسحاب من الصراع الذي له ظروفه وشروطه ومساره.

أما الصراع الحضاري الذي نقصد، فهو التدافع المرتبط بالحق من حيث نشأته مع الرسالات السماوية، دائرة الحضارة، حيث الإسلام المحمدي امتداد لحركة الأنبياء، أو ما يمكن أن نسميه “الإسلام النبوي”.

فحركة الحق في “الإسلام النبوي” كانت دائما ضد تشكلات الباطل، لهذا فالأمة الإسلامية تمثل الاستمرارية التاريخية لحركة الحق إلى قيام الساعة.

إن تفاعلنا مع حركة الحق هو “ولاء حضاري” في مقابل “العداء الحضاري” لحركة الباطل كيفما كانت تمظهراتها في واقع الإنسان.

الاختصاص القدري لليهود

اليهود يرتبطون قدريا بالباطل من خلال معطيات تاريخية:

ـ الطبيعة الإفسادية التي تجلت في جرائم اليهود مع تاريخ النبوة الطويل وإشعال نار الفتن والحروب كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين المائدة 64.

ـ قدر الله عليهم الذلة والمسكنة إحقاقا للعدل فيهم “ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله، ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون” البقرة 61، هذه الذلة والمسكنة لا تزول عنهم إلا لفترات محدودة يصبح لهم كيان وسلطات، لكنهم سرعان ما يعودون إلى واقعهم القدري “الذلة والمسكنة وغضب الله” “ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله” آل عمران 112.

ـ قدر الله عليهم التشريد المستمر في الأرض نتيجة لجرائمهم في حق الإنسانية وحق الله تعالى وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم، وقطعناهم في الأرض أمما الأعراف 167-168.

مواجهة مشروع الحق

الحركة الصهيونية هي العدو الرئيسي للمشروع الإسلامي، بدأ الاستبصار بذلك في المرحلة المكية قبل المواجهة بين المسلمين واليهود، من خلال سورة الإسراء التي تتحدث عن علويين وفساديين قضى على اليهود بهما في الكتاب، يقول تعالى “وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا” الإسراء .4

والعلو الأول قد يكون مرتبطا بمراحل قديمة في علاقاتهم مع أنبيائهم والتي أعقبها الشتات في الأرض والتيه في الصحراء، أما العلو الثاني فيتمثل في راهن الحركة اليهودية ذات الأبعاد الصهيونية القوية والمؤثرة يقول تعالى “ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا” الإسراء 6، وتستمر الحقيقة القدرية “فإذا جاء وعد الآخرة ليسيئوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا” الإسراء 7.

ويؤكد القرآن حقيقة تحالفهم التاريخي والمستقبلي مع الصليبية العالمية والشركية “لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر” الحشر 14.

وثبت أنهم يسخرون غيرهم من الشعوب للدفاع عنهم، حيث نجحوا في تسخير الغرب المسيحي لمواجهة المسلمين، كما نجحوا في اختراق الأمة عبر التحالف مع النخب المتغربة والحاكمة التي تمثل عمقهم الاستراتيجي والأداة المنفذة للمشروع الصهيوني المناقض للمشروع الإسلامي.

وتبين الأحاديث النبوية أن حركة “المسيح الدجال” أخطر حركة للباطل وهي التجلي الأعلى للحركة اليهودية الصهيونية، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ““إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله آدم أعظم من فتنة الدجال”“، فقالت أم شريك: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال صلى الله عليه وسلم: ““العرب يومئذ قليل وجلهم في بيت المقدس وإمامهم رجل صالح”” رواه ابن ماجة.

ويحدد الرسول صلى الله عليه وسلم هوية الدجال في قوله: ““إنه يهودي وإنه لا يولد له ولد وإنه لا يدخل المدينة ولا مكة”” رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري.

وقوات الدجال تتكون أساسا من اليهود، يقول صلى الله عليه وسلم: ““أكثر أتباعه اليهود والنساء”” وفي حديث: ““مع الدجال سبعون ألف يهودي”” ويخرج معه التوافه وغوغاء الناس.

وهناك أحاديث كثيرة تفصل في فتنة الدجال وامتلاكه للعالم ومحاصرته القدس والمدينة ومكة دون الدخول إليها (العودة إلى كتاب: “المسيح الدجال قراءة في أصول الديانات السماوية الكبرى” لسعيد أيوب) وستستمر حركة الحق في مواجهة حركة الدجال إلى أن يبعث الله تعالى المسيح بن مريم فيقتل الدجال عند سور بيت المقدس بباب الله أو الرحمة، ويضع بذلك نهاية “للصراع الحضاري”.

القدس وفلسطين مجال للصراع الحضاري

تشير الأحاديث النبوية إلى الصراع بين الحق والباطل القائم بهذه الأرض إلى يوم القيامة، يقول عليه الصلاة والسلام: “يا معاذ إن الله سيفتح عليكم الشام بعدي من العريش إلى الفرات، رجالها ونساؤها مرابطون، فمن اختار منكم ساحلا من سواحل الشام أو بيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة”.

وفي حديث رواه أبو داوود بسند عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ““ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم”” (وهو القدس الشريف) والهجرة لا تنحصر في الارتحال المكاني بل في معرفة الحق والالتزام به.

وعلى أرض القدس ستقع المعركة الكبرى الفاصلة التي ذكرت في الأديان الثلاثة وتعرف ب”الملحمة الكبرى” وفي الإنجيل “معصرة غضب الله العظمى” وعند اليهود ب”الخربة الأبدية”، يقول ليندسي: سيبقى فقط 144 ألف يهودي على قيد الحياة بعد معركة “هرمجدون” ويقول كلايد: (سوف يحتاج اليهود الذين يعيشون في إسرائيل إلى سبعة أشهر لدفن جميع الجنود الموتى) ص 33.34 (العودة إلى كتاب “النبوءة والسياسة” لغريش هالسل، ترجمة محمد السماك).

إن ما يقع في غزة هو خدش للذاكرة الحضارية، لعلنا ننبش فيها لنعرف حقيقة الصراع على هذه الأرض التي ذكرت في أحاديث كثيرة وبأسماء مباشرة ك”مرج ذي تلول” الذي يقع بين الجليل والسامرة في سهل جزريل بقطاع غزة… هذه الذاكرة هي المحكمة التي ستنصف هذا الشعب المرابط الذي لن يستسلم، بشهادة التاريخ، فلا نامت أعين الجبناء الذين خذلوه.