سويته ونفخت فيه من روحي

تلك قصة بدايتك أيها الإنسان، والتي تحتاج منك إلى تأمل وتفكر واعتبار، فلينظر الإنسان مم خلق 1 ، خلق الله خلائق عددا، لم يعلم منها الإنسان حتى قطرة في بحر، في كونه الفسيح الضارب في أغوار الزمان والمكان، وإذا كنت تجهل حتى حقيقة نفسك، فكيف تستطيع علم كنه غيرك؟.

يخبرنا الحق سبحانه وحيا منزلا صادقا، قصة البداية فيقول جل علاه: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ،فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ 2 ، فكانت اللمسة الربانية التي اختص الله بها الإنسان دون غيره من الخلائق، تكريما وأي تكريم، نفخت فيه من روحي)، ليكون ما بعدها من مظاهر التكريم، من سجود الملائكة، وحسن الصورة، والعلم والاستخلاف في الأرض، كلها تجليات النفخة الإلهية.

خلق الإنسان إذن بمنطوق الوحي من عنصرين أساسيين: عنصر التراب المرتبط بالأرض وما بها من نقائص، وعنصر الروح المرتبط بالعالم العلوي، وما بها من كمال، ومن ارتقاء ودرجات وعجائب، لأنها ارتبطت في أصلها بخالقها سبحانه: ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا 3 .

فحقيقة الإنسان، مرتبطة بسمو روحه، قبل مادة جسده، وكلما ارتقى بروحه اقترب من المعالي، وحيثما تفرغ لجسده تمرغ في الدواني، وصدق الشاعر أبو الفتح البستي:

يــا خــادم الجسم كم تشقى بخدمته ** أتطلب الربح فيما فيه خسران؟

أقبل على النفس واستكمل فضائلها ** فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

ميلاد وميلاد

التربية في الإسلام، تولي اهتماما متكاملا وشموليا بالإنسان، فهي تعتني بجسده نظافة، وسمتا، وقوة، وذوقا، قال تعالى: يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد 4 ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير” 5 ، وقوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله جميل يحب الجمال” 6 . وغيرها من النصوص الشرعية، لكن جمال المظهر، لا يغني عن المرء شيئا، إذا فقد جمال المخبر، ولم يسع جاهدا، لميلاد ثان ، كما يعبر عنه خبراء التربية الإيمانية، فـالولادة نوعان: إحداهما هذه المعروفة، والثانية ولادة القلب والروح وخروجهما من مشيمة النفس وظلمة الطبع) 7 ويقصدون بذلك تعلق القلب بالله تعالى، والإحساس بلذة الإقبال عليه، والسكون بين يديه إخباتا ورضى وإخلاصا.

فكيف يكون رمضان بداية هذه الولادة؟ فما أعظمها من فرصة، إن أحسن المسلم اقتناصها، ودخل من أجل أبواب العبودية، باب التوبة إلى الله، فيوقظ قلبه من الغفلة، والبعد عن الله، والتقصير في شكر نعمه، والتفريط في واجب العبودية خارج رمضان، فلا يكون صومه حبس وقيد اضطراري عن الشهوات فحسب، ولكن فتح صفحة جديدة مع الله، وهو يتلو قوله سبحانه وتعالى: يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك 8 . كيف يكون رمضان لما بعده، تصحيح لمسار حياة، نهايتها ومصيرها وقوف بين يدي الله ؟. وقدعبر المولى سبحانه وتعالى عن هذه الولادة، في حياة الإنسان، بأن يصبح على بصيرة من أمره، وقد استنارت طريقه بنور الهداية، أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا 9 ، إنها حياة جديدة، تتجدد في ظلها بواعث الإيمان، المستنهضة لهمة العمل، وأجواء رمضان ونفحاته الربانية هبة من الله لتوبة نصوح، ونقلة من عالم الشتات، إلى عالم الانجماع على الله، إن رمضان بحق مدرسة التوبة.

ولكل مائدته في رمضان

يتهافت معظم الصائمين، وقد جرفتهم العادة، على تنميق وتزيين مائدة الإفطار بما لذ وطاب من شهوة البطن، باذلين أقصى ما تصل إليه قدرة جيوبهم، وهذا بالطبع ليس خروجا عن الشرع، إن طاب المطعم بالحلال، ولم ينغصه أنين جار سامه الدهر، أو نحيب يتيم أبكاه القهر، ومرمى الهمسة ياسادة، أن يتفطن الصائم لمائدة أخرى بخست حقها من التنميق والتزين، بل إن بعض الصائمين – وبعض الظن إثم – لم ينصبها بعد، وذكر فإن الذكرى تنفع المومنين 10 تلكم المائدة، مائدة الروح، وهي الأصل في أيام النفحات الربانية لا الفرع، إنها مائدة حسوها القرآن سقيا القلب والعقل، ومشروبها ذكر الله نور القلب، وفاكهتها الصلاة على حب القلب إشراقة الوجود صلى الله عليه وسلم، وملحها الدعاء زينة عبادة المؤمن، ونور وصله بربه، ومظهر ذله وانكساره أمام خالقه، وهل العبودية في أسمى معانيها غير ذل العبد وانكساره واضطراره أمام ربه؟ فبالدعاء الخالص الخاشع يعبر العبد عن ضعفه وعجزه وقلة حيلته أمام مولاه، ومن ثم فهو في حاجة ملحة دائمة لا تنقطع إلا بانقطاع أنفاسه، فاحذر أن تكون من الذين نعتهم الله في قوله: وما قدروا الله حق قدره، وهو يناديك تلطفا وتوددا ادعوني أستجب لكم 11 ، وينبهك مؤدبا وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداعي إذا دعان 12 ، ألا فلتعلم أخي الصائم، أنك من المصطفين الذين لا يرد لهم دعاء، واسمع لبلاغ الصادق المصدوق: “ثلاثة لا تُرَدُّ دعوتُهم: الصَّائم حتَّى يُفْطِر، والإمام العادل، والمظلوم” 13 .

فهل رشحت أخي الصائم نفسك – نية وقصدا- أن يكون رمضان معلما جديدا في حياتك لمستقبل الأيام ومسك الختام؟


[1] سورة الطارق 5.\
[2] سورة الحجر 28- 29.\
[3] سورة الإسراء 85.\
[4] سورة الأعراف 31.\
[5] رواه مسلم عن أبي هريرة.\
[6] أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود.\
[7] ابن القيم مدارج السالكين ج3 ص 326.\
[8] سورة الانفطار 6- 7-8.\
[9] سورة الأنعام 122.\
[10] سورة الذاريات 55.\
[11] سورة غافر 60.\
[12] سورة البقرة 186.\
[13] رواه الترمذي ( وقال حسن) وابن ماجة عن أبي هريرة.\