يجدر بأي باحث أكاديمي أن يلتزم قدرا من الموضوعية والحياد في بسطه وتدقيقه لظاهرة ما، بخلاف تحليله العلمي الذي يكون متناغما مع تصوره ورؤيته للأمور أولا.

ودرءا لأي جموح نحو عواطف كامنة أو انزياح نحو وجدانيات متساوقة مع رؤيتي للأشياء، فقد آليت على نفسي أن أعرض على القراء الأعزاء ما رأيته في مليونية الرباط وما تتبعته واقعا من خلال السير مسافة طويلة على الأقدام لمشاهدة الحدث وسبر أغواره بموضوعية تامة والتزام أخلاقي، وإنه قد بدا لي أن أقسم رؤيتي لتلك المليونية إلى شقين أساسين:

الشق الأول: في دلالات المعاني، والشق الثاني في دلالات المباني.

إن كل من تأمل ما صدحت به حناجر الأفواج الآتية إلى الرباط بأصواتها الهادرة من شعارات أو كلمات أو خطب ليجدها تدور في فلك واحد وهو: القدوم إلى المكان نصرة لهؤلاء المستضعفين، حتى إنه ليُخيل للرائي أن هؤلاء الذين يديرون المعارك الطاحنة ضد الكيان الصهيوني الغاصب إنما هم من بني جلدتهم، وسيلتحمون مع عدوهم قريبا، ولم يخامرني شك من خلال أحاديثهم الفرعية أن شعب غزة شعب شقيق يقتضي ولاء وتناصرا وتعاضدا وتساندا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي الهيثم بن التيهان في العقبة: ““بل الدم الدم والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم.”

– ومن الدلالات المستقاة مما رؤي في تلك المليونية المؤازرة لشعب غزة: أن القوم وما لهجت به أشداقهم لا يساورهم شك البتة أن جند غزة منصورون تحقيقا لا تعليقا على الكيان الغاصب، ولقد أشحت بوجهي عن أحدهم لكي لا أتحدث معه في أمر النصر، لأنه قد تشربه عيانا وواقعا وحقيقة، وقد استدلوا على قناعة نصر شعب غزة على سر قوة الإنسان وإرادته في التحرك، ذلك أن القوم قد رأوا وحق لهم ذلك: أن الحاسم في المعارك الفاصلة إنما يكون بما استقر في قلب الإنسان من مبادئ وقيم تثبته في أتونها ووطيسها ورحاها، وتكون سببا لسحق قوة العدو وإن كان مالكا لأعتى الترسانات العسكرية فتكا وخطورة… لذلك فلا عجب أن ترى شعبا مفقرا مجوعا محاصرا تشن عليه أشرس الحروب المعاصرة ومع ذلك فقوة إيمانه وإيمانه فقط، تجده بها منتصرا نصرا ساحقا ماحقا على عنجهية العدو…

– ومما وقفت عليه كذلك: أن القوم تعتريهم حساسية في الحديث عن بعض الأنظمة التي ظهر عداؤها لشعب غزة، وقد ظننت بداية أن الأمر لا يعدو شخصنة عابرة، لكن شعاراتهم تحمل تصورا قائما بذاته، وهو أن أكبر ابتلاء عانت منه الأمر إنما هو استيلاء مستبدين على سدة الحكم وتسيير دواليب السلطة من قبلهم دون اختيار الأمة لهم، مما يفضي حتما لتجذر الفساد وانتشاره في شرايين المجتمع بمفسدين هم البطانة الحقيقية للمستبد… لذلك فإنهم لم يفرقوا بين كيان صهيوني غاصب منتفية عنه شرعية الأرض، أو بين انقلابي في مصر انقض على كرسي الحكم دون اختيار الأمة له، لتنتفي عنه شرعية الدولة… ولقد صرح بعض المتظاهرين أن كماشة الحصار إنما تكون أكثر اشتدادا حين يستحكم الاستبداد وينتفش في البلد العربي، ولم تشهد غزة حصارا خانقا وتدميرا للأنفاق إلا بواحد مستبد سام شعب مصر العظيم ظلما وجهالة خرقاء وانحطاطا في جل الميادين، أليس السيسي عراب المؤامرة الأخيرة؟ ألم يقدم أوراق اعتماده للكيان الصهيوني إلا بشن حرب ضروس إعلامية وقضائية وغلق للبوابة وسد للأنفاق واعتبار الشعب الفلسطيني عدوا؟

– وفي المعاني أخيرا رأيت شعارات تتحدث عن سقوط أقنعة كان يوثق بصدقها سلفا، فانكشفت بانكشاف تصورها ورؤاها، مما يدل على أن الاصطفاء إنما هو اصطفاء هداية السبل كما قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}… فلا حلف ممناعة صمد، ولا حلف اعتدال صمد، بل رأى الناس أن الصامد حقيقة إنما هو تصور مبني على توحد الأمة دون تمزيق أو تشظ باعتبار اللغة أو الطائفة أو المصلحة السياسية، فكان التمكين أخيرا أن تضرب فصائل المقاومة تل أبيب بقوة هائلة وبصمت وقور دون خطب رنانة تخفي طائفية عفنة.

في المباني: لقد دهشت حقيقة حينما رأيت سمة واحدة غالبة على مليونية الرباط، سمة وجوه مصفرة متوثبة نحو الزحف، لا يعتريها كرى النوم وإن كان الرباط حينها يغط في نوم ثقيل، ذلك أن المرئي إنما هي هيئة سياسية ظُنت في الأوساط أنها مغمورة، لن تستطيع تأطير ذلك الكم الجماهيري المزلزل للرباط… مما دفعني حقيقة لأطرح أسئلة جوهرية في هذا الصدد؟

– أين هم هؤلاء الذين عقدوا ندوات صحفية ونشروا هيئاتهم عالميا مدعين تحمل التأطير لأفواج الشعب المغربي؟

– لم كان حضورهم باهثا، وكأن من قال: إلا من أبى، صارت قولته عاكسة لحاله، إذ وجدناهم قد أبوا حقيقة على الحضور والتأطير؟

– لم حيل التأطير للشعب المغربي القادم من كل المدن والقرى للهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة دون غيرها… أهو إحراج لها، أم هو إنهاك لقدراتها؟

– لكنه تبين بوضوح أن تلك الهيئة المغمورة في عرفهم قد استطاعت تنظيم جموع كبرى من شعب هائج ثائر غاضب على العدوان الصهيوني المسلط على شعب غزة، بل وتأطيرها مما حدا برئيس المكتب السياسي لحماس أبي الوليد خالد مشعل أن يشكر الشعب المغربي على مليونيته مناصرة ومؤازرة لإخوانهم في غزة، ولم يدر بخلده أبدا أن الثقل الكبير المتحمل تأطيرا وتنظيما للشعب الزاحف إنما كان من قبل هيئة ظنت مغمورة عند أرباب الأضواء والندوات…