رغم أن الحرب على شعبنا في غزة واضحة في عنوانها وغاياتها ومصدرها وضحاياها، إذ هي حرب على الإسلام والإنسان من قبل عدوٍّ لا خلاق له ولا إنسانية، إلا أنه في كل مرة ترتفع بعض الأصوات الغريبة وتظهر بعض التصريحات العجيبة تجاه هذه الحرب وتجاه ما ينبغي تبنيه حيالها من مواقف. لست أتحدث هنا عمّن يُناصر الصهاينة الغاصبين، سرا وعلانية، ويشجعونهم على جرائمهم ويبرونها فهؤلاء معروفون وقضيتهم بائرة وكيدهم مُرتدٌّ عليهم والأمة منهم بَراء ولا مستقبل لهم. إنما أقصد بعضَ من يَنسِب نفسه للتدين وبعضَ من يُعلن نفسه نصيرا للقيم الكونية المدافعة عن الحقوق الانسانية. فهؤلاء في مثل هذه الأحداث يدَّعون الوقوف على الحياد ويطالبون الناس به زاعمين أن هذه الحرب لا تعنينا، نحن جمهور الأمة، لأنها معركة بين طرفين متنازعين كُلٌّ يدّعي امتلاك الحَقّ فيما يفعل، لذا وجَب، حسب رأيهم، توخّي الموضوعية وعدم التورط في الاصطفاف مع طرف ضد آخر حتى تنجلي الحقيقة ويظهر الصواب.

اُذكّر الفريق الأول ممن ينتسب للتدين أن نصرة المستضعفين كلهم، بلْهَ المسلمين، واجبة بنص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. أُذكّر من يَتّعظ بقول الله عز وجل في محكم تنزيله: “وما لكم لاتقاتلون في سبيل الله والمستضعفين في الأرض” (سورة النساء الآية 75)، وقوله عز من قائل: “وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ” سورة الأنفال الآية 72.

كما نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الواجب الشرعي وأمر به في كثير من أحاديثه. فقد أخرج الامام البخاري في صحيحه والإمام أحمد في مسنده الترمذي في سننه وغيرهم ولفظه في البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً”، فقال: رجل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنصره إذ كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟! قال: “تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره”. وورد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ أَصْبَحَ وَهَمُّهُ غَيْرُ اللَّهِ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ لا يَهْتَمُّ بِالْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ”. إن هذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تُقِرُّ حقيقة مُهمة هي أن المؤمن منحاز دائما، بطبعه وبحكم انتسابه لدين الإسلام إلى الحق والعدل. فالانحياز في معركة الحق ضد الباطل ضرورة شرعية يأْتَم المسلم حين يتخلى عنها، أما الحياد في هذه الحالة فهو وقوف في دائرة النفاق واصطفاف ضد الحق وأهله. أفَليْس أهل غزة مسلمين مستضعفين محتلة أرضهم ومغتصبة حقوقهم يستحقون من كل مسلم الدعم والعون والنصرة؟ أليست قضيتهم عادلة ومقاومتهم للمحتل الغاصب مشروعة؟ ألا وإن الحق في مقاومة غزة وأهلها لأبلج وإن نصرتهم لواجبة..

وللانحياز إلى الحق وجوه عديدة ومستويات تختلف حسب درجة إيمان المرء وقدرته واستطاعته وطبيعة احتياجات المعركة ضد الباطل لكنه، بصورة عامة، يجب أن يكون انحيازا قلبيا وعاطفيا وعقليا وماديا وفعليا كما يجب استفراغ الوسع فيه.

أما بالنسبة لمن يضع نفسه في صف المدافعين عن حقوق الإنسان والمناصرين لقيم احترام الحياة والحرية والكرامة الإنسانية فأسْتحِثُّ ضميرهم وأُسائل قناعاتهم: أي شرع أو قانون يتيح للمحتل الغاصب أن يفعل ما تفعل قطعان الصهاينة الحاقدين في غزة من قتلٍ للشيوخ والنساء وقنصٍ للأطفال وترويعٍ للآمنين وهدمٍ للبيوت على رؤوس ساكنيها وغيرها من الجرائم البشعة التي يندى لها جبين الانسانية، السادرة في غيبوبتها، ويُدينها كلُّ ذي فطرة سليمة أو ضمير حي؟ هل من مانع عقلي أو شرعي يحول دون أن يبذل الفلسطينيين وُسعهم ويوظفوا كل إمكاناتهم، على قلتها وضَعفها، في الدفاع عن أرضهم وكرامتهم بل عن حياتهم التي يستبيحها الصهاينة صباح مساء أمام سمع العالم وبصره؟ أي غموض يكتنف هذه المعركة ولواؤها واضح وغاياتها معلنة من الطرفين، طرف مُعتدٍ وغاصب وطرف مُنافِحٌ عن وُجوده في أرضه وعن كرامته وعرضه؟ إذا لم توقظ الصور البشعة والمشاهد المُروعة لجرائم الصهاينة ضد شعب غزة ضمير المدافعين عن حقوق الإنسان وإذا لم تُخْرجهم من دائرة الحياد الباطل إلى الانحياز الإيجابي لصف المظلومين والمكلومين فقُل سلام على القناعات والمبادئ.

إن الانحياز إلى الحق ضرورة شرعية وإنسانية، فإذا كان أهل الحق في غزة يستفيدون من انحياز الشرفاء والصادقين ودفاعهم عن قضيتهم فإن أهل الباطل، الصهاينة ومن شايعهم، يستفيدون بشكل مُضاعف. يستفيدون أولا ممن يصطف إلى جانبهم ويُعينهم على جرائمهم ثم يستفيدون ثانيا من حياد من يجب أن ينصر الحق ويدعم أهله ثم لا يقوم بواجبه ويتقاعس عنه بدعاوى واهية ومبررات ساقطة شرعا وعقلا وذوقا.