أودع الله تعالى في الشهر الفضيل، شهر التقوى والطهر والتطهر، من المعاني والمقاصد ما يسر الله على الأمة إدراكه وما زال طي علم الله تعالى. إن شهرا اختصه الله تعالى بنزول الذكر الحكيم والقرآن العظيم لهو محل أسرار الله تعالى التي لا منتهى لها.

دروس رمضان وعبره جليلة عظيمة ولذلك شاء الله السميع العليم أن يسطر فيه ما ستظل الأمة تقتبس منه وتتعلم وتتلمذ عليه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يكفي أن هذا الشهر الكريم كلما هل هلاله تجد أن روحا جديدة وصحوة فريدة وحياة فطرة بدأت تدب في أوصال الأمة، رمضان مؤشر على أن الأمة ما زالت بخير وستبقى بخير مهما تنوع مكر الليل والنهار.

ما إن يتنفس صبح رمضان حتى ترى الأمة تهلل وجهها وفرح صغارها وحمد الله شيوخها وعجزتها أن أمد الله في عمرهم ليظفروا بأيامه ولياليه صياما وقياما.

نفحات وقبسات نحاول من خلال هذا المكتوب أن نقطف قبسين من أنواره وأسراه تكون لنا زادا وحاديا ودروسا في سلوكنا المقتحم للعقبات الواثق من نصر رب الأرض والسماوات.

القبس الأول: الهمة

ما الغاية من الصيام وما مقاصده، في كتاب الله تعالى نجد قوله سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون [سورة البقرة الآية 183].

وعندما نقف عند تعريف الصيام الاصطلاحي فإنه الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفحر إلى غروب الشمس بنية التعبد والتقرب إلى الله تعالى)، نضيف إلى هذا تعريفا لعالم فذ من علماء الأمة رحمهم الله جميعا أحياء وأمواتا وهو ابن قدامة حيث عرف الصيام بقوله الصوم، صوم القلب عن الهمم الدنيئة، والأفكار المبعدة عن الله تعالى، وكفه عما سوى الله تعالى)، إن الحديث عن تحقيق التقوى الذي هو مناط الصيام ومقصده دون همة يبقى كمن يحسب السراب ماء.

الصوم لبه وكنهه انجماع كلي على الله تعالى ظاهرا وباطنا، ولذلك فإن نداء الصيام للعباد أن هلموا اجمعوا همتكم واعلموا أن المعالي والالتحاق بركب المقربين المحبين المحبوبين همة جامعة مانعة قاصدة راغبة في الله تعالى وكرمه وفضله ورحمته.

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى علو الهمة ألا تقف – أي النفس – دون الله وألا تتعوض عنه بشيء سواه ولا ترضى بغيره بدلاً منه ولا تبيع حظها من الله وقربه والأنس به والفرح والسرور والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية، فالهمة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور لا يرضى بمساقطهم ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم، فإن الهمة كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها، وكلما نزلت قصدتها الآفات) 1 ، نحتفظ بهذا التعريف لهذا الإمام الفذ رحمه الله تعالى لنضيف إليه تعريفا آخر للأمام الراغب الأصفاني رحمه الله تعالى وكبير الهمة على الإطلاق: هو من لا يرضى بالهمم الحيوانية قدر وسعه، فلا يصير عبد رعاية بطنه، وفرجه، بل يجتهد أن يتخصص بمكارم الشريعة) 2 .

يجتهد أن يتخلق بمكارم الشريعة ذلك ما أراده الله تعالى من صيام وقيام شهر الغفران، التسامي عن الهمم الحيوانية التي تنحصر في شهوة البطن والفرج، ينقلنا الصيام من هذه الشهوات إلى القرب من الله والفرح والسرور والابتهاج بطاعته والتقرب إليه، يأتي الصيام ليدرك العبد أن الهم الأعظم والهمة السامقة هي هم الله تعالى، هذه الهمة التي كلما علت وارتقت وتسامت كلما أدرك هذا العبد ما أودعه الله تعالى فيه من خيرات ومن قدرة على إقتحام العقبات، وإنه ليس من باب الصدفة أبدا أن جعل الله تعالى بحكمته شهر رمضان شهر الجهاد والبدل والعطاء.

قبس الهمة درس وعبرة وزاد يأتي شهر الغفران ليجدده في الأمة، في رجالاتها ونسائها، قبس يريد شهر الغفران أن نتشرب ونتمثل ما مفاده أن الهمة هي الركن الركين في معمان الاقتحام، اقتحام عقبات النفس والهوى والشيطان، اقتحام عقبات الواقع المفتون الموبوء، إلى طلب المعالي والارتقاء على الدون، فالهمة أولى الخطوات لنهوض الأمة.

القبس الثاني: الإرادة

لا تنفك الهمة عن الإرادة ولا الإرادة عن الهمة، يأتي شهر الغفران ليخاطب الإرادة في العبد المؤمن بعد أن خاطب همته وأيقظها، ليصحح الوجهة إذ الإرادة إرادات، يقول الحق سبحانه: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة [آل عمران الآية 125]، جاء رمضان فرفع الله العبد المومن بفضله فوق شهواته التي تنحدر به إلى الأسافل لتتحرر الإرادة فتصبح بذلك الوجهة الله والغاية الله، عندما يكون منطلق العمل تحقيق مراد قوله صلى الله عليه وسلم “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” 3 ، ذلك هو منطلق الإرادة، هذا الإيمان والتصديق والإمثثال لله عزوجل وذاك الاحتساب المراد منه تحقيق الطاعة شكرا لله تعالى، كل ذلك إن دل على شئ فإنما يدل على أن للعبد إرادة، وأن درس رمضان الأبرك – ودروسه لا حصر لها – وواحدة من رسالاته هي هذه الإرادة التي أودعها الله في العباد والتي بها ومن خلالها تهون العقبات ويرتفع العبد عن التراب لسمو إلى طلب رب الأرباب، يقول الإمام الجنيد رحمه الله تعالى: الإرادة أن يعتقد الإنسان الشيء ثم يعزم عليه، ثم يريده ولا تكون إلاَّ بعد صدق النية. وقيل: هي الإقبال بالكلية على الحق والإعراض عن الخلق) 4 .

هكذا هي مدرسة الصيام تقوي في العبد العزيمة وتعلمه إخلاص النية وتطلب إليه أن تكون وجهته وشغله الشاغل القرب من الله، ذاك قبس آخر نقتبسه من شهر الغفران، إن الله تعالى وهو الحكيم العليم بعباده لم يكن ليجعل من شهر الغفران شهر الجهاد بكل معانيه وأشكاله إلا لعلمه سبحانه عزوجل أن من فضائل هذا الشهر وأسراره التي أودعها فيه،هو تحرر الإرادة بل بلوغها إلى منتهاها.

قبسات وقبسات في شهر النفحات، همة وإرادة تلك بعض ما يدعو إليه الشهر الفضيل، ذاك ما ينبغي تشربه من معانيه، ذلك من فضل الله والله ذو الفضل العظيم.


[1] مختصر منهاج القاصدين للإمام بن قدامة المقدسي (من صفحة 38 إلى صفحة 40).\
[2] الراغب الأصفهاني (الذريعة إلى مكارم الشريعة 291).\
[3] رواه الشيخان.\
[4] موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، ج 1، ص 133، 134.\