الوضع في غزة يجمع بين مأساة الحصار والغارات الصهيونية وقتل الأطفال والنساء العزل، وبين بطولة المقاومة وصمودها ومفاجآتها العسكرية التي أربكت خطة العدوان. الجزء الأول من هذه الخطة تكفل به الصهاينة؛ حصار وتجويع ثم قتل ودمار، أما الجزء الثاني فقد أوكل إلى الجانب العربي؛ حصار وسكوت ثم تخاذل وتآمر. وعندما يفكر أحد القادة العرب في حفظ ماء وجهه، فإنه “ينعم” على غزة بمساعدات غذائية ودوائية، وكأنه يطيل عمر الفلسطينيين ليجد الكيان الصهيوني شخوصا يمارس عليهم ساديته في رواية لم تتوقف أحداثها منذ أكثر من نصف قرن. والأكيد أن الغزاويين يعانون نقصا في الطعام والدواء، لكن حاجتهم الأكبر هي استرجاع أرضهم والعيش فيها بكل أمن وسلام، وهنا يكمن الدور الحقيقي للقادة العرب، ففلسطين تنتظر منهم أن يحرروها لا أن يطعموها.

والحقيقة أن خذلان فلسطين ليس جديدا على الأنظمة العربية، إلا أنه ينطوي هذه المرة على حسابات اليقظة التي خلفها الربيع العربي لدى الشعوب. فهم منزعجون أكثر من ارتباط حماس بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وهو التنظيم الذي تعتبره بعض الأنظمة العربية “الخطر الأكبر” على وجودها واستمرارها، فعملت على اجتثاثه من على أراضيها وساهمت في إسقاط حكومته من خلال الانقلاب العسكري في مصر. وحتى تكتمل حلقات الإجهاز الكامل عليه، كان لابد من إنهاء وجود حماس على رأس التدبير الحكومي بغزة. وهذا ما يبرر الأخبار الرائجة حول الدور الفعلي للإمارات والسعودية في هذه الحرب، واستعداد دحلان بتنسيق معهما لدخول غزة “فاتحا” بعد إنهاك المقاومة بالغارات الصهيونية. يزكي ذلك أن وفد المساعدات الإماراتي الذي سمح نظام السيسي بدخوله إلى غزة نزل بضيافة سفيان أبو زايدة أحد رجالات دحلان.

ومن جهة أخرى، وبعدما أبانت الشعوب العربية عن ارتباطها بالقضية الفلسطينية، في أشد الأوقات التي عاشتها في حراكها التحرري من الاستبداد، فقد ازدادت القناعة بضرورة وضع حل نهائي لهذه القضية. ذلك أن الصراع الفلسطيني الصهيوني مازال يذكي في الشعوب العربية معاني العزة والحرية والممانعة والصمود. فروح المقاومة تنتقل بين مختلف الدول العربية، تعبر الحدود وتتحدى الحواجز والجمارك، فيتلقفها الإنسان العربي لينعش بها صموده أمام الظلم والاستبداد بكل أشكاله. فمازالت القضية مؤشرا على مدى امتلاك الشعوب العربية لقراراتها وسيادتها الكاملة، كما أنها مازالت مرآة تفضح ضعف وانبطاح الأنظمة العربية أمام قرارات الغرب الأوربي والأمريكي الداعم باستمرار للكيان الصهيوني، مما يحرجها أمام شعوبها الطامحة للتحرر. وحماس التي لم تلين من مواقفها ولم تدب في الممارسة السياسية والحكومية على حساب المقاومة، مازالت ترفض الاستجابة للمطالب الصهيونية بالتنازل عن حق الشعب الفلسطيني في أرضه وحقه في العودة، كما استجاب غيرها. وهذا يعيق إيجاد حل للقضية الفلسطينية برمتها، حسب ما يراه الزعماء العرب، في الوقت الذي يسعون فيه إلى أي تسوية قد تكفيهم هَمَّ القضية التي لم تعد تشكل أولى أولوياتهم، كما لم يعد الكيان الصهيوني يمثل عدوهم الأول ولا حتى العاشر.

العدوان على غزة يرمي أيضا إلى إسقاط حكومة حماس، وهو حلقة من سلسلة إنهاء أي وجود للمشروع الإسلامي الممانع في موقع التدبير الحكومي. خاصة أن حماس خاضت واحدة من التجارب القليلة التي شارك فيها الإسلاميون في انتخابات نزيهة، حسب المراقبين، وتمكنت من الوصول إلى الحكم. فرغم كل ما يمكن أن يقال عن هذه التجربة في ارتباطها بالوضع الفلسطيني، والانتقادات الموجهة إلى سلطة تعتمد في تأسيسها على اتفاق أوسلو، وهو الاتفاق الذي ترفضه العديد من الفصائل وعلى رأسها الجهاد الإسلامي، فإن وجود حركة إسلامية في حكومة فلسطينية أزعج القريب والبعيد خاصة مع تطورات انقسام الداخل الفلسطيني، وتقلبات الربيع العربي. وإن استمرارها من شأنه أن يرفع مؤشر قدرة الإسلاميين على التصدي للضربات الخارجية والداخلية مقابل ضمان مستوى من العيش دون الحاجة إلى تقديم تنازلات تجهز على الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني. في الوقت الذي بدأت فيه أطراف أخرى تتفاوض في اتجاه التنازل عنها مقابل تأسيس دولة فلسطينية مشتتة بين الضفة والقطاع.

حزب الله وسوريا وإيران، الأطراف التي كان لها دور كبير، سابقا، في إظهار نوع من الدعم والتعاطف مع المقاومة الفلسطينية، ظل صوتها خافتا وغير مسموع وسط تلاحق الأحداث، وذلك لحسابات الربيع العربي أيضا. فانخراط حزب الله وإيران في القتال في سوريا والعراق، بعيداً عن فلسطين، اسقط مصداقيتهما التي ظلا يتمتعان بها طيلة السنوات الفارطة، ولوثا سمعة مقاومتهما التي وجهاها للدفاع عن أنظمة مستبدة ونشر الفتنة الطائفية بدل مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. أما سوريا التي فكت ارتباطها بحماس نتيجة موقف هذه الأخيرة الداعم للثورة السورية، فقد تجاهلت، وهي التي تدعي تزعمها لمحور الممانعة، أن القضية في أصلها ليست قضية حماس أو غيرها من الفصائل بقدر ما هي قضية أرض مسلوبة وشعب مقهور.

إن التطور الذي يعرفه الدعم العربي للقضية الفلسطينية أصبح موضع تساؤل حقيقي، فمن الدعم المسلح والمشاركة في محاربة العدو الإسرائيلي خلال الخمسينات من القرن الماضي، إلى المقاطعة واستعمال سلاح النفط خلال السبعينات منه، إلى التطبيع والتفاوض خلال التسعينات منه، إلى التنازل والتخاذل مع بداية القرن الواحد والعشرين، إلى التآمر والإضعاف بعد حراك الربيع العربي والبقية تأتي.

لذلك لا ينبغي أن يتوقف العدوان على غزة هذه المرة عند سقف شروط 2012، إذ لا بد أن يتم استغلال الأداء المتقدم للمقاومة حتى تعلم الأنظمة العربية ومعها الصهاينة والمنتظم الدولي أن المقاومة الفلسطينية هي أيضا لها حسابات ربيعها العربي. فلا أقل من التفاوض عن رفع الحصار عن غزة بشكل نهائي. فالدم الذي ينزف، كل مرة يقرر فيها الكيان الصهيوني تسوية قضاياه الداخلية أو الخارجية، لن يتوقف ما دام الكيان الغاصب لا يدفع ثمنا حقيقيا لسفكه. والثمن الذي يرعبه هو تمتع الفلسطينيين بمساحة من الحرية والكرامة الدائمة. فإذا أنهت المقاومة هذا العدوان بشروط أقوى سيجعل الجميع يفكر ألف مرة قبل أن يعد أو يدعم أو يساهم في خطط مماثلة مستقبلا.