يستقبل المؤمن الصالح والمؤمنة الصالحة شهر رمضان بالتوبة النصوح والعزيمة الصادقة على اغتنامه، وعمارة أوقاته بالأعمال الصالحة، سائلين الله التوفيق والإعانة. وبما أن النفس البشرية تتطلع دائما إلى ما يحقق لها السعادة والنجاح، ويكفل لها الفوز والفلاح، ويعود عليها بالنفع والمصلحة، كان لا بد من الترغيب في الأعمال الفاضلة، ففي الترغيب تشويق للعمل، وحث على البذل، وتحفيز للهمة، وشحذ للعزيمة. من أجل ذلك ضرب النبي صلى الله عليه وسلم الكثير من الأمثال في أبواب فضائل الأعمال تحقيقا لهذا الغرض. نذكر منها بعض الأمثلة على سبيل المثال لا الحصر:

1- الصيام

الواجب على المسلم أن يصوم إيماناً واحتساباً لا رياء ولا سمعة ولا تقليداً، بل الواجب عليه أن يكون الحامل له على الصوم هو إيمانه بأن الله قد فرضه عليه، واحتسابه الأجر عند ربه في ذلك، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: “من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه” رواه البخاري رحمه الله تعالى.

2- تلاوة القرآن

فقد ربط الله تعالى في كتابه الكريم بين شهر رمضان والقرآن الكريم فقال: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان [البقرة: 185] وقال صلى الله عليه وسلم: “اقرأوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه” أخرجه مسلم رحمه الله، وأخرج أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: “إن البيت الذي يتلى فيه القرآن يتسع بأهله، ويكثر خيره، وتحضره الملائكة، وتزجر منه الشياطين، وإن البيت الذي لا يتلى فيه كتاب الله عز وجل يضيق على أهله، ويقل خيره، وتخرج منه الملائكة، ولا تزجر عنه الشياطين”.

3- الصلاة

والمحافظة عليها فقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا لذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقي من درنه شيء قالوا: لا يبقى من درنه شيء قال: فذلك مَثَل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا” متفق عليه، ففي هذا الحديث شبه النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس في تطهيرها للمسلم من الذنوب بالنهر الجاري في تنظيفه للبدن من الأوساخ.

كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، يقول ربنا عز وجل لملائكته وهو أعلم، انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها، فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئا، قال انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته، ثم تؤخذ الأعمال على ذلكم” صحيح الجامع. وعن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال: “كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته بوضوئه وحاجته. فقال لي سل فقلت أسألك مرافقتك في الجنة. قال أو غير ذلك؟ قلت هو ذاك. قال فأعني على نفسك بكثرة السجود” صحيح مسلم.

4- الذكر

فقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا لذلك، في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: “مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت” رواه البخاري. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى” رواه الترمذي.

فذكر الله تعالى حياة القلب، وغذاء الروح، وهو يصل العبد بربه، ويوثق الرابطة بينه وبين خالقه، وهذه هي الحياة الحقيقية حياة القلوب والأرواح، لا حياة الأجساد والأشباح.

5- الدعاء

فأيام وليالي رمضان أزمنة فاضلة فلنغتنمها وبخاصة في أوقات الإجابة ومنها: عند الإفطار، وفي ثلث الليل الآخر حين ينزل ربنا تبارك وتعالى ويقول: “هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له” وتحري ساعة الإجابة يوم الجمعة.

وقال الله تعالى: وإذا سألَكَ عِبادي عنِّي فإنِّي قريبٌ أُجيبُ دعوةَ الدّاعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليُؤمِنوا بي لعلّهم يرشدون. وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم “الدعاء هو العبادة” ثـمّ قرأ وقال ربُّكم ادعوني أستجب لكم. وقال عليه الصّلاة والسلام: “إنّ ربَّكم تبارك وتعالى حَيِيٌّ كريم يستحيي مِن عبده إذا رَفَع يديه إليه أن يردَّهُما صفراً خائبتين”. إنّ شهر رمضان المبارك لفرصة سانحة مباركة يتقرّب فيها العبد إلى ربّه بسائر القُربات وعلى رأسها الدعاء، ذلكم أنّ مواطن الدعاء ومظانّ الإجابة تكثُـر في هذا الشّهر.

6- الصدقة

حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان وكان أجود بالخير من الريح المرسلة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: “أفضل الصدقة صدقة في رمضان”، فكان عليه الصلاة والسلام يحث على الصدقة والإنفاق في سبيل الله ويحذر من البخل والإمساك وللصدقة في رمضان مزية وخصوصية فلنبادر إليها ولنحرص على أدائها ومن صورها:

أ‌- إطعام الطعام

قال الله تعالى: ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً فقد كان السلف الصالح يحرصون على إطعام الطعام ويقدمونه على كثير من العبادات، سواءً كان ذلك بإشباع جائع أو إطعام أخ صالح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمناً على ظمإ سقاه الله من الرحيق المختوم” وعبادة إطعام الطعام، ينشأ عنها عبادات كثيرة منها التودد والتحبب إلى إخوانك الذين أطعمتهم فيكون ذلك سبباً في دخول الجنة: “لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا”.

ب‌- تفطير الصائمين

قال صلى الله عليه وسلم: “من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء” أخرجه أحمد والنسائي، وفي حديث سلمان: “ومن فطر فيه صائماً كان مغفرةً لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء قالوا: يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائماً على مذقة لبن أو تمرة أو شربة ماء ومن سقى صائماً سقاه الله من حوضي شربةً لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة”.

ولذلك كانت الصحابيات يتسابقن في الإنفاق، فكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تطيب الدراهم، وتضع فيها المسك قبل أن تتّصدق بها، فقيل لها: يا أم المؤمنين لم تفعلين هذا؟ فقالت: إن الدراهم تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل)، وعن عبد الله بن الزبير قال: ما رأيت امرأتين قط أجود من عائشة وأسماء، وجودهما مختلف: أما عائشة فكانت تجمع الشيء حتى إذا اجتمع عندها قسمت، وأما أسماء فكانت لا تمسك شيئا لغد). فلله دَرُّكن يا صحابيات الرسول صلى الله عليه وسلم.

7- صلة الرحم

عن أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من سره أن يبسط في رزقه وينسأ في أجله فليصل رحمه”، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “صلة الرحم تزيد في العمر”، إن صلة الرحم من محاسن الأخلاق التي حث عليها الإسلام ودعا إليها وحذر من قطيعتها، إن أدنى الصلة أن تصل أرحامك ولو بالسلام، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “بلوا أرحامكم ولو بالسلام” [حسنه الألباني في صحيح الجامع]. فحري بنا في هذا الشهر الكريم أن نصل ارحامنا فإن من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله.

8- النصيحة

إننا بحاجة أيها الاحباب إلى وضع الأمور في نصابها ومحاولة علاجها من خلال النصيحة الواجب علينا قولها، والتي حمَّلنا الله إياها حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “الدين النصيحة ثلاثاً، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم” رواه مسلم. والنصيحة لعامة المسلمين تعني إرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكفّ الأذى عنهم، وتعليمهم ما يجهلونه من دينهم، وستر عوراتهم وسد خلاتهم ودفع المضار عنهم وجلب المنافع لهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة عليهم وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وترك غشهم وحسدهم، وأن تحب لهم ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك والذب عن أموالهم وأعراضهم بالقول والفعل، بل يصل إلى الإضرار بالنفس من أجل مصالحهم) الإمام النووي.

9- الخلق الحسن

إن الخُلق في منابع الإسلام الأولى من كتابٍ وسُنَّةٍ هو الدين كله، وهو الدنيا كلها، فإن نقصت أمة حظاً من رفعة في صلتها بالله أو بمكانتها بين الناس، فبقدر نقصان فضائلها وانهزام أخلاقها، فصاحِبُ الخُلُقِ الحسَن مِن أكمل المؤمنين إيماناً، فعن السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “إن المؤمن ليُدرك بحسن خُلقه درجة الصائم القائم”، وقوله صلى الله عليه وسلم: “أكْمَلُ المؤمنين إيماناً أحْسَنُهُم خُلُقَا”. رواه أبو داود والترمذي رحمهما الله، وكما يتنافس المتنافسون في الصلاة والصيام، فينبغي كذلك أن يتنافسوا في مكارم الأخلاق.

10- خدمة الناس

فالسعي لخدمة الآخرين يؤدي دوراً عظيماً في عملية الدعوة، لأنك بهذا تستأثر بقلوبهم بل إنها من أحب الأعمال وأعلاها وأزكاها عند الله تعالى، فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحبُّ الناسِ إلى الله أنفعُهم للناس وأحبُّ الأعمالِ إلى الله سُرُورٌ تُدْخِلُه على مسلم أو تَكْشِفُ عنه كُرْبَةً أو تَقْضِى عنه دَيْناً أو تَطْرُدُ عنه جُوعاً ولأَنْ أمشىَ مع أخي المسلمِ في حاجةٍ أحبُّ إِلَىَّ من أن أعتكفَ في هذا المسجدِ شهرًا ومن كفَّ غضبَه سترَ اللهُ عورتَه ومن كَظَمَ غَيْظَه ولو شاء أن يُمْضِيَه أَمْضاه ملأ اللهُ قلبَه رِضًا يومَ القيامةِ ومن مشى مع أخيه المسلمِ في حاجةٍ حتى تتهيأَ له أثبتَ اللهُ قدمَه يومَ تَزِلُّ الأقدامُ وإنَّ سُوءَ الخُلُق لَيُفْسِد العملَ كما يُفْسِدُ الخلُّ العسلَ” أخرجه الطبراني رحمه الله.

همسة

يا طالب الرحمة والمغفرة والعتق من النار ها قد جاءتك الفرصة، ها هو الشهر بين يديك، عشر للرحمة وعشر للمغفرة وعشر للعتق من النار، فبادر وسارع، فالطريق سيار والسرعة غير محدودة ونهاية الطريق فوز بالله، فلا تضيع الفرصة.