من أعظم النعم التي أنعم الله بها على أمة الإسلام، شهر رمضان المبارك، الذي جعله الله عز وجل أفضل الشهور على الإطلاق. ومما زاده عظما وتشريفا، نزول كلام رب العالمين فيه: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ” (البقرة 184)، واختصه بليلة خير من ألف شهر: إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (القدر)، يومه صيام وعمل صالح وليله قيام وتقرب إليه سبحانه وتعالى.

ومما لا شك فيه أن رمضان شهر الانتصارات، عرفت الأمة فيه أول إشراقة إلى عالم النور في غزوة بدر، تم توالت الانتصار في فتح مكة وعين جالوت وفتح الأندلس… ومنه انطلق المسلمون لبناء حضارة عظيمة غيرت وجه العالم حتى عم نور الإسلام كل بقاع الأرض.

وتمر الأيام والسنون وتظل غزوة بدر الكبرى مصدر إلهام للمسلمين في كل العصور، يستمد منها النصر والتأييد والتمكين لكل المستضعفين في الأرض، ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون (آل عمران: 123).

هذه الذكرى المباركة تعيد لنا الصورة الجميلة للجيل الفريد للصحابة الكرام، في صبرهم وثباتهم وجهادهم وبذلهم وتضحيتهم في سبيل مشروع رباني مؤيد من أهل الأرض والسماء.

هذا المشروع الحضاري الجديد بدأ بالمدينة مع بداية تأسيس الدولة الإسلامية ولكن انطلاقته الحقيقة ظهرت في غزوة بدر بانتصار المسلمين على قادة قريش.

فالحديث عن ذكرى بدر له وقع عظيم في نفوس المسلمين، لأن معركة الحق والباطل دائما متكررة في الزمان رغم الاختلاف في المكان، وسنن التاريخ تؤكد أن النصر يكون دائما حليف الحق إذا توفرت له شروطه المادية والمعنوية.

فغزوة بدر الكبرى كانت نتيجة طبيعية لتراكم القهر السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي مارسه طغاة قريش على المسلمين لأنهم جاؤوا بمشروع متكامل يخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام).

واليوم وبعد أكثر من أربعة عشر قرنا، نعيش صورة أخرى من هذه الانتصارات والبطولات في قطاع غزة بأرض فلسطين الأبية، هذه البقعة الصغيرة التي لا يتعدى سكانها مليوني نسمة والمحاصرة برا وبحرا وجوا والمراقبة بأجهزة عالية التقنية.. تصنع اليوم المعجزات والانتصارات وتوقع على ملحمة جديدة من ملاحم الصبر والثبات والعزة والصمود، من خلال ما وصلت إليه المقاومة من تطور نوعي في عمالياتها ضد الكيان الصهيوني، رغم الظروف المعقدة والحصار المفروض عليها منذ سنوات، كما صنعته في حرب الثمانية أيام سنة 2012 أمام الغزاة الغاصبين حفدة القردة والخنازير بالرغم من حجم المعاناة والألم والدمار وارتقاء مئات الشهداء وآلاف الجرحى الفلسطينيين.

إنها بدر جديدة تتكرر كلما طغى وتجبر الطغاة والغزاة وإنها إرادة جديدة تقلب كل الموازين رغم قلت العدد والعتاد، وأمام صّمت رّهيب لدول الاستكبار العالمي الامبريالي، ونفاق المنظمات المجتمع الدولي وأمام تخاذل حكام العرب والمسلمين الّذي ينمّ عن خنوع وذلّة وتأمر على القضية الفلسطينية.

إن فلسطين السليبة رهينة بتحرير إرادة الشعوب، كما تحررت إرادة الجيل الأول في عهد النبوة فصنع لنا ملحمة بدر، مما يفرض على الشعوب العربية أن تحرر من هذا الاستبداد والفساد الجاثم على صدور العباد والبلاد إن أرادة استرجاع أرض الإسراء والمعراج.