سياق “بدر”

إن أي رسالة تسعى إلى تحرير الإنسان من العبودية والمساواة بين البشر في الحقوق والواجبات، ونصرة الضعفاء وتثبيت الحق، لا بد أن تعادى وتقاوم ويتخذ في سبيل ذلك كل الوسائل لإطفاء جذوتها في المهد.

كانت الدعوة المحمدية تجسيدا لهذا الصراع، فبعد الشعور بالخطر على الآلهة والأصنام، أدرك أبو لهب إفلاس بورصته المالية، وأحس أبو جهل بتهديد مكانته وخراب ناديه السياسي، فأعلنوا العداء وتفننوا في المواجهة، فأذاقوا المسلمين فنون التعذيب، ونظموا “قصيدة الإبعاد” التي ستتلوها شعاب مكة، وتنشد سياط أبي لهب سيمفونية “بلالية”: أحد أحد… وتشهد بذلك الهجيرة والرمضاء، ويمارس النظام القرشي حصاره الاقتصادي، فلم يكن أمام المسلمين سوى البحث عن أرض طيبة تهيئ لهم الظروف لاستمرار ناموس الدعوة . لقد كان تغيير مركز الدعوة الجديدة من مكة إلى المدينة أفقا استراتيجيا أدركت فيه قريش الخطر على تجارتها وقوافلها ووثنيتها.

كان لا بد من تطور موقف المسلمين من الضعف، الذي فرضته ظروف مكة، إلى التمكين، فقد أخرجوا من ديارهم وتركوا بلدهم، أحب بلاد الله إلى رسول الله “والله لولا أن أهلك أخرجوني منك ما تركتك أبدا”.

لم يكن هدف المسلمين القتال فقد خرجوا يطلبون قافلة قريش التي يسير بها أبو سفيان لعلهم يعوضون عن ممتلكاتهم التي تركوها في مكة، لكن أبا سفيان بدهائه نجا بالقافلة بتغيير الطريق، لكنه منح النجاة لقريش بتجارتها ومهد لهزيمة عسكرية، فقد خرجت قريش بزعامة قادتها في أعداد ضخمة وأسلحة كثيفة لتحمي قافلتها، وبعد علمها بسلامتها أبى استكبارها وتعنتها إلا المواجهة، ورفضوا العودة، وكان أمر الله قدرا مقدورا. لقد كان قتال المسلمين لقريش لدفع الأذى وتأمين حرية الدعوة واسترجاع حقوق المظلومين، وذلك في شروط راقية للمواجهة، فقد نهى عليه الصلاة والسلام عن قتل كثير من المشركين “إني قد عرفت رجالا من بني هاشم وغيرهم قد خرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هاشم فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما خرج مستكرها”، كما استوصى بالأسارى خيرا وكان الفداء على قدر أموالهم وقدراتهم وأطلق سراح بعض الأسرى الذين لم يقووا على الفداء كوهب بن عمير وأبو عزة عمرو الجمحي، وكانت تجربة متميزة في تاريخ الشعوب في التعامل مع الأسرى، وهي الفداء مقابل تعليم المسلمين، هذه المقصدية والفلسفة التنموية البشرية العسكرية لم يقف عندها القادة والضباط العسكريون، على مر التاريخ، في مواجهاتهم الحربية، كيف يصبح عدوك وخصمك (الذي هو في هذا السياق كافر) معلما لك؟ كيف تنتقل من الرغبة في الانتقام والإبادة إلى الرغبة في التعليم من عدوك؟ فلا يمكن أن يكون أي هدف لهذا العمل سوى مقاصد الدين؟ فإذا غابت هذه البوصلة فلا يمكن أن تكون إلا مقصدية الإبادة والاستعباد والحصول على الثروات والموارد الأولية وتحقيق الأحلام العنصرية، عقلية ومقصدية العدو الصهيوني.

بين بدر وغزة

إن من حكمته تعالى أن يجمع رمضان هذه المواجهات الحضارية، والصراع في عمقه واحد بين بدر وغزة، والمستهدف واحد: دين الله ودعوته، فالأرض ليست مقابل السلام، فقد عرضت على الكيان الصهيوني أراضي مختلفة في كندا وإفريقيا لكنها رفضت ذلك، فالأمر صراع هوية وتبعية، ورغبة في الاستئصال ووضع حد للخطر الاستراتيجي في المدينة وأوفي غزة أوفي غيرها، وكل تحرر ودعوة للحرية والتوحيد يعادى ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم البقرة 120 لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا المائدة 82.

إن سنن الله واحدة تتكرر في الزمان والمكان بنفس المنطق ولن تجد لسنة الله تبديلا، العداء لأهل الحق واحد، لا فرق بين نتانياهو وأبي جهل ولا بين ليبرمان وأمية بن أبي الصلت ولا بين ليفني وزوجة أبي لهب، حمالة الحطب.

إن مواجهة بدر بيان إلاهي فيه توصيات تصدق على كل مواجهة أو موقف صراعي بين الحق والباطل، وهي كالتالي:

ـ إن كثرة العدد والعدة ليست مقياسا للنصر، فالخصم قد يقل عدده أو يكثر حسب معنويات المقاتل، لقد وصف عمير بن وهب المسلمين في هذه المواجهة بـالبلايا تحمل المنايا)، وشتان بين من يشتري نفسه بثمن الجنة ومن تسيطر عليه روح الانهزامية قبل بدء القتال، فقد خرج أمية بن خلف تحت ضغط أبي جهل الذي قال له: استجمر أبا علي فإنما أنت من النساء)، وقد كانت صورة القدح الناهي عن الخروج تشيع فيهم روح اليأس.

ـ إن الدعم الإلهي متعدد بتعدد السياق وبمستويات المواجهة، فقد مكن الله البدريين من نوم عميق ليلة المعركة للاستعداد النفسي والجسدي ومنحهم قوة نفسية “اينشطانية”، يصبح فيها عدد العدو أمرا نسبيا، كما أنزل المطر وتمهدت به الأرض الرملية لتخف حركة المسلمين في مقابل عرقلة حركة قريش، إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان، وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام الأنفال 11، إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الامر ولكن الله سلم، إنه عليم بذات الصدور الأنفال 43. إن حركة الله لا تقتصر على تأييد المؤمنين بل تتحكم أيضا في حركة العدو، وإذ يريكموهم إذا التقيتم في أعينكم قليلا، ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وإلى الله ترجع الأمور الأنفال 44. إن هذا الدعم الإلهي ليس حكاية “أزلية” ولا بطولات وهمية تقرأ في الحلقات والساحات، بل الأمر مصيري وحاسم لمصير الدعوة “اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض”، والعصابة هنا في العربية كانت تعني الفئة المؤمنة، والمؤمنون ينصرون الله فينصرهم، (إن تنصروا الله ينصركم وتثبت أقدامكم) وهذا من بنود بدر التي تعاد في غزة، فمن الدعم المعنوي الذي يعيشوه أهل القطاع أن الصواريخ لم تعد ترعبهم عكس العدو، رغم اختلاف قوتها، ومن الدعم المعنوي الغزاوي، الذي لا نعرف حقيقته نتيجة البعد عن الساحة وللتعتيم الإعلامي، أن العدو لم يعرف حقيقة غزة تحت الأرض ولا يستطيع الوصول إلى أهدافه، ولا يستطيع مطاردة صواريخ القسام بقبته الحديدية التي أصبح الشك فيها وأنها “وهم إسرائيلي”.

إن الذي أنزل الملائكة يوم بدر قادر أن ينزلها في غزة، أليست نفس المعركة، أليست نفس القضية؟ أليست نفس القوانين والسنن؟ أليست الآية حصرية وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم أليست هذه عزته وحكمته على الأرض؟ أليست شروط النصر هي الصبر والتقوى؟

فبعد الدفعة الأولى من جنود الاحتياط الملائكي الجاهزة التي تنتظر الإذن الالاهي ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين؟ آل عمران 124. يأتي مدد تحقيق شروط النصر بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين آل عمران 125.

ـ ومن بنود بيان بدر، الدعاء، كان رسول الله صبى الله عليه وسلم يتابع المعركة وقلبه متعلق بالله، تارة ينزل المعمعة فيستنهض الهمم، وتارة يصعد العريش يدعو ربه ويستغيثه ويستنجزه وعده بالنصر.

إن التضرع إلى الله ثمن النصر في كل الأحوال، فهو الوظيفة الكبرى التي خلق من أجلها الإنسان، فالمصائب والابتلاءات المختلفة التي تصيبه هي أسباب وعوامل تنبهه لعبادة الله والفرار إليه، والتضرع هنا ليس سلبية ولا تواكلا فقد سبقته حركة “فاثبتوا”، يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون الأنفال 45، والثبات يعرف لحظة الشدة، بل هو شرط في الحياة العادية الاجتماعية فما بالك في اللحظات المصيرية؟ إنه أكبر قوة لمواجهة العدو، أليس الثبات هو الذي يجعل غزة تنضاف إلى عجائب الدنيا السبع؟ إن غزة رمز الثبات، تمرست بالحصار حتى تركته يقول أمات الموت أم ذعر الذعر، غزة رماها العدو بالنار حتى تكسرت الصواريخ على الصواريخ ولم تعد تبالي، إن ثبات غزة يخلق الذعر في الكيان الصهيوني، وما أراه إلا الدعم الالاهي الذي أعطاه الله تعالى لأهل غزة.

ـ ومن بنود بدر أن النصر في المعركة ينبع أساسا من الحنكة وسعة الأفق والقدرة على تحريك القوات والتعامل معها، والثقة الكبيرة المتبادلة بينها وبين القادة، فقد ارتبط رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبدريين في كل لحظات المواجهة، يخطط ويوجه ويعالج مواضع النقص ويعدل الصفوف بل ويباشر القتال، ويكون ضمير كل لبة، يقول علي بن أبي طالب: كنا إذا اشتد الخطب واحمرت الحدق اتقينا برسول الله، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله)، وفي تصريحات أحد قادة غزة أنه لا يميز بين الشهداء الأطفال والنساء والقادة.

ويأتي بند المشورة في بيان “بدر”، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه فيما له علاقة بالتدبير والسياسة الشرعية، فالاتفاق على المواجهة كان جماعيا، ولم يكن جواب أبي بكر ولا عمر ولا المقداد كافيا، فظل عليه السلام يتأمل في الوجوه باحثا عن رأي الأنصار، فليس من حقه أن يجبرهم على القتال لأن المعاهدة معهم لا ترتبط إلا بالدفاع عنه داخل المدينة، فلما تحدث سعد بن عبادة اطمأن وطابت نفسه عند ذاك، ويجسد نزوله عند رأي الحباب بن المنذر لتغيير مكان التموقع قمة المشورة.

إن القوة التي تمنح للغزاويين، والتي أثارت العدو وكانت سببا في الهجومات، هي وحدتهم وتكتلهم واتفاقهم الذي يشترط المشورة، فالمشورة هي فلسفة أي اتفاق، ينتج عنها التراضي ثم الدفاع عما اتفق عليه. إن الأعداء يدركون جيدا ما معنى “الوحدة”، فهي المعادل الموضوعي للتوحيد: إله واحد ودين واحد ومصير واحد وبالتالي عدو واحد، هذا ما يخشونه، وهم يعرفون جيدا نظرية “الكاو” التي يهزم فيها الضعيف القوي، فقد حقق أهل بدر “الكاو” لقريش ويحقق أهل غزة “الكاو” للعدو الصهيوني، ولا أستبعد أن تصبح أبجديات “المقاومة الغزاوية” تدرس في الجامعات الحربية، صواريخ لا تكلف إلا ثمن علبة “سيجار” لدى العدو في مقابل صاروخ القبة الحديدية الذي يكلف 50 ألف درهم.

ـ ومن بنود بدر “مراعاة السياق”، فقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يعرف شروط الواقع وما تتطلبه المرحلة وكيف يتعامل مع أعدائه وخصومه دون أن يفتح عليه الجبهات للمواجهة، فقد تعاهد مع اليهود داخل المدينة من خلال وثيقة دستورية تضمن لهم حقوق المواطنة والتمتع بالحرية الدينية، وقد أثبتوا وكما يثبتون في فلسطين أنهم سباقون إلى نقض العهود ولا يؤمن شرهم وأن سياستهم العنصرية لا تجعلهم يعيشون السلام، (العودة إلى قصصهم في القرآن وتاريخهم الصهيوني).