يقول الشيخ أحمد ياسين، رحمه الله: أقول لشعبنا، لقد أخذ عدونا منا كل وطننا، وهو الآن يريد أن نوقع له وثيقة التنازل له عن كل ما أخذ، فإن فعلنا بؤنا بالخزي والعار، وإذا صبرنا وقاومنا فإن الموازين ستتغير، فالضعيف اليوم قوي غدا والقوي اليوم ضعيف غدا، يومها نحقق ما نريد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله).

حقيقة الصراع

إن ما يجري على أرض غزة اليوم لا يخرج عن منطلقات أساسية في التحليل:

ـ العدو الصهيوني يستهدف الوجود الإسلامي كجغرافيا وكعقيدة وكحضارة، يقول تعالى لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، فهو ألذ أعداء الأمة ويقبع على أرض مقدسة مباركة بنص القرآن والسنة.

ـ إن هذا العدو يشكل الركيزة الأساسية في إستراتيجية السيطرة على مقومات الأمة العربية وخيراتها، وقد استوطن فلسطين بدعم القوى الغربية، وبالتالي فدينيا ووطنيا لا يمكن السكوت عن ذلك، فلا يمكن بيع الأوطان ولا خيانة دم الشهداء.

ـ إن الوعي الصحيح للقضية الفلسطينية ولمستقبلها، والفهم التاريخي للصراع الحضاري والوعي القرآني لابد أن يوضع في إطار صراع الأمة بأسرها بعيدا عن التجزئة والتأطير الضيق. ـ إن الإدراك العميق للقضية الفلسطينية يجعل منها منطلقا لحالة من الوعي المتكامل للأمة العربية، وعي ثقافي واجتماعي وسياسي يخدم المعركة المصيرية الكبرى.

ـ اعتبار القدس أرض الصراع الحضاري، تحدد سمات الإطار الايديلوجي لكل عمليات التربية والتثقيف والإعمار.

ـ إن مخزون أمتنا التاريخي والعقدي يمجد المقاومة والتضحية إذا استبيحت حرماتها، وهي على استعداد لتلبية نداء فلسطين، انطلاقا من المخزون التاريخي الذي يحدد شخصيتها وهويتها الحضارية.

ـ إن القطع التاريخي والاغتراب الواقعي جعل القيادات السياسية والنخب المثقفة مغتربة عن الجماهير، فكانت الوصاية العسكرية والفكرية، وكانت الهزائم والاعتراف بالعدو والتطبيع والتغريب.

ـ إن القضية الفلسطينية نقطة مركزية في كل إستراتيجية تحررية بأبعادها الحضارية.

ـ إن أمريكا حليف استراتيجي للكيان الصهيوني تحميه في إطار مخططها للهيمنة على الشرق الأوسط، فهي توفر الغطاء الإعلامي والمدد المالي والضغط السياسي.

خيار المقاومة

المقاومة الشعبية المختلفة هي السبيل لتحرير الأرض، فما أخذ بالقوة لا يسترجع إلا بالقوة، فالقوة قد تأخذ شكل الانتفاضة أو الأسر أو المواجهة، وهذا الخيار لا تمثله حماس وحدها بل تتبناه أغلب الفصائل الوطنية الفلسطينية.

إن الحصار العربي أكثر مضاضة من الحصار الإسرائيلي، فالفلسطيني يبحث عن الكرامة أما المقاومة فهي قدره، فكل مولود بهذه الأرض المباركة هو مشروع مقاوم، والمقاومة في جيناته، تورث عبر الأجيال وتستنشق في الهواء الفلسطيني وتسمع لحنا للشعراء: يا أحمد العربي قاوم، فلا خيار لهم غير ذلك. لم يعد الفلسطينيون ينتظرون شيئا لا من القادة العرب ولا من جيوشها، ولا من جامعة الدول العربية ولا من اجتماعات وزراء الخارجية، ولا الذهاب إلى مجلس الأمن أو منظمات الأمم المتحدة أو محكمة الجنايات الدولية، فغزة تجسيد ل”الفلسطنة” والعزة لكل العرب، وقد أصبح الخير مأمولا في لاعبي كرة القدم لخدمة القضية، كما فعل لاعبوا الجزائر الذين أهدوا إنجازهم الكروي في البرازيل ومكافأتهم المالية (9 مليون يورو) لقطاع غزة.

لقد حاول كل الوزراء الاسرائليين هزيمة قطاع غزة وإيقاف المقاومة وما اتعظوا، فبالقانون والشرع والمنطق والتاريخ، المقاومة مرتبطة بالاحتلال، فالزمن مع أصحاب الحق وإن طال، ولن تنفع لا قوة العدو ولا دباباته ولا تهديداته بالحرب البرية بل ذاك المطلوب من المقاومة، فالعدو الصهيوني جبان لا يقوى على المواجهة، وذلك ما أكدته التجارب السابقة في “الرصاص المصبوب” عام 2009 وفي “عمود السحاب” سنة 2012، فقدرة الفلسطينيين، وأهل غزة خاصة، أكثر على الصبر من عدوهم، وليس لديهم ما يخسرونه، لا مفاعلات نووية ولا مصانع للصناعة الثقيلة ولا ناطحات سحاب أو مراكز للتسويق الدولي، هم في حصار وتجويع دائمين لا ماء ولا كهرباء ولا دواء ولا أجرة، تعذيب وتنكيل بالسجون، إنها حرب دائمة بالقوة.

إن المقاومة الفلسطينية ثقافة وجدانية، هي فعل لتأكيد حقه في الوجود والحفاظ على ذاته وهويته ومعتقداته وتناغمه مع الإيقاع الكوني، إنها روح الأجيال المتجددة، وتصويب للمسارات وحصانة من الانحراف الداخلي والخارجي، تورث وتصبح عنصر قوة في الزمان والمكان. إن المقاومة بثقافتها التاريخية الاجتماعية تصبح “رأسمالا رمزيا”، هي الكلمة الطبيعية التي تمارس دورها بشكل فطري.

إن المطلوب منا كعرب هو حد أدنى من “المقاومة التاريخية” باستيعاب ما جرى وعدم النسيان حتى لا تصبح الذاكرة العربية غربالا وبعيون واسعة تمر منها الأحداث المرة، ولا تأخذ العبرة.

إن التاريخ أكبر مدرسة للمقاومة، زعماؤه وقادته ومقاوموه دماء تسري في شرايين الشعوب، تبعث العزة وتحيي النفوس وتؤرخ للأحداث، وتمنح الأوسمة لأجيال “المقاومة التاريخية” التي ارتبطت بموعد مع التاريخ والجغرافيا.

بهذا المنطق والإيمان بقضية المقاومة في بعدها الحضاري مع العدو الصهيوني وبتوحد الأمة حول القضية الفلسطينية تأخذ “المقاومة” دلالة “الوحدة”. فالطريق الذي يمكن أن يوحد الأمة هو طريق فلسطين ودماء الشهداء.