يعتبر الإكراه البدني من الوسائل التهديدية التي يتم بواسطتها جبر المحكوم عليه بأداء مبلغ مالي تنفيذا لحكم أو سند تنفيذي عن طريق إيداعه في السجن لمدة معينة، وهو بهذا المعنى له صبغة خاصة كوسيلة غير مباشرة للتنفيذ العيني الجبري وليس عقوبة جزائية أصلية أو إضافية، تهدف لحمل المدين على التنفيذ والضغط عليه.

وقد ذهبت التشريعات الحديثة إلى تحريم فكرة الإكراه البدني ونبذها نظرا لكونها تخالف المبادئ المدنية وتتنافى وكرامة الإنسان وآدميته، كم أنها استثناء من قاعدة أن الشخص يلزم في ماله من شخصه وحريته، باعتبار أن أموال المدين ضامنة لديونه ولا علاقة لها بشخصه وحريته فحبس المدين سيعطل من نشاطه ويصبح في وضع يستحيل معه الأداء، وهو ما دفع المشرع إلى جعل الإكراه في ذيل درجات التحصيل الجبري ما دام أن هناك طرقا ومساطر قانونية أخرى تجنب المكره الإهانة والإذلال.

وعلى الرغم من مصادقة المغرب على ميثاق الأمم المتحدة للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 فإن ذلك لم يؤدي إلى إلغاء النصوص القانونية المنظمة للإكراه البدني أو على الأقل تجميد تطبيقها من الناحية العملية تكريسا لقاعدة سمو الاتفاقيات الدولية على القانون الداخلي.

تطبيق مسطرة الإكراه البدني في الملفات السياسية “نموذج ملف السيد أحمد الزعراوي بزايو”

إن الخروقات القانونية الجوهرية التي شابت هذا الملف جعلت هذه المسطرة تتعرض للإكراه قبل المكره نفسه ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

1- تقادم العقوبة

بالرجوع إلى ملف النازلة وبالضبط لآخر حكم نهائي صادر عن المجلس الأعلى آنذاك – محكمة النقض حاليا- بتاريخ 23/4/2008 قرار عدد 5/691 في الملف الجنحي عدد 2008/5/6/4692، وما دام أنه يترتب على تقادم العقوبة تخلص المحكوم عليه من آثار الإدانة طبقا لمقتضيات المادة 648 من قانون المسطرة الجنائية، وبما أن مدة التقادم في الجنح هي أربع سنوات وفقا للمادة 650 من قانون المسطرة الجنائية، يتبين بأن العقوبة المحكوم بها على السيد الزعراوي (شهرين حبسا موقوفة التنفيذ وغرامة 1200 درهم) قد طالها التقادم.

2- تقادم إجراءات استخلاص الغرامة

أما في حالة ما إذا تعلق الأمر بإجراءات استخلاص الغرامات والتي تقطع التقادم فإن تاريخ الشروع في استخلاص الغرامة والمتمثل في الإنذار بأداء الصائر الذي توصل به المحكوم عليه هو 18/03/2009، وبالتالي نكون أمام تقادم حتى إجراءات استخلاص الغرامة وليس فقط العقوبة الحبسية طبقا للمادتين المذكورتين أعلاه وكذا المادة 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية.

3- لا يمكن تطبيق مسطرة الإكراه البدني في الجرائم السياسية

عند الرجوع إلى التهم المتابع بها السيد الزعراوي نجدها تتعلق بالتظاهر والتجمهر في الأماكن والطرق العمومية والمنصوص عليها وعلى عقوبتها في ظهير 1958 والمتعلق بقانون الحريات العامة) (على إثر وقفة مسجدية تضامنية مع الشعب الفلسطيني سنة 2002 دعت لها جماعة العدل والاحسان بزايو)، وبالتالي فإن الأمر يتعلق بمتابعة ومحاكمة وعقوبة سياسية بامتياز يمنع القانون تطبيق مسطرة الإكراه البدني عليها طبقا للمادة 636 من قانون المسطرة الجنائية.

4- وهناك خروقات فاضحة أخرى

تتعلق ب:

– خرق حق الدفاع: عدم تمكين محام السيد الزعراوي من الحضور إلى جانبه سواء أمام الضابطة القضائية بزايو أو أمام النيابة العامة بالناظور والتي لم تقم بإجراء التقديم أصلا ليفاجئ دفاع المعتقل بأن أمر الإيداع بالسجن جاهز دون أن يجد أي محاور يبدي له ملاحظاته وملتمساته في النازلة، ليعد خرقا فاضحا لأهم حق من حقوق الدفاع خاصة وأن الأمر يتعلق بحرية الأشخاص.

– اتخاذ النيابة العامة بالناظور لقرار إيداع السيد الزعراوي بالسجن رغم عدم تقديمه أمامها وهو ما يزال في طريقه من مدينة زايو باتجاه مدينة الناظور بعدما تم اعتقاله من طرف شرطة زايو، فلم تكلف هذه النيابة العامة نفسها حتى عناء تقديم المكره أمامها وإنجاز محضر بذلك لمعرفة نواياه حول الأداء أو الامتناع لتتخذ بعد ذلك المناسب.

خلاصة

عموما يمكن القول بأنه وما دام الإكراه البدني هو مجرد إجراء استثنائي ووسيلة فقط للضغط على المكره وليس عقوبة في حد ذاتها كما أنه آخر إجراء من إجراءات تحصيل الغرامات والديون تلجأ إليه الجهات المكلفة باستخلاص الأموال، وحتى على فرض استجماع هذا الملف للشروط الجوهرية لهذه المسطرة، فهل قامت الجهة المنفذة فعلا بسلوك سائر المساطر الخاصة باستخلاص مثل هذه الغرامات؟!! علما بأن السيد الزعراوي موظف عمومي كما هو ثابت من خلال وثائق الملف ومبلغ الغرامة زهيد جداً فكان من الممكن استخلاصه بسهولة تفاديا لسلوك “مسطرة إكراه الإكراه البدني!!؟” وإثقال كاهل الخزينة العمومية ومؤسسات الدولة بنفقات وجهود هي في أمس الحاجة إليها.