إن إمامة الأمة التي كانت محور الحديث في المقال الرابع من هذه السلسلة اعتبرها الإمام ياسين رحمه الله تعالى محور الصراع بين عصبة الإيمان وعصابة الوكلاء عن الجاهلية)، وعد انتزاع إمامة الأمة من الأيدي المتسلطة تحديا كبيرا ومطلبا حاسما 1 . فكيف يتم انتزاع إمامة الأمة من الأيدي المتسلطة؟ بأي تغيير؟ وبأي ثمن؟ هل يجدي في ذلك “التغيير الجذري” أم “الطلاء الإصلاحي” حسب تعبيره؟ في هذا المقال وما بعده تتم ملامسة الإجابة عن الأسئلة، وإن تم تكثيف إيراد النصوص المنهاجية، فالقصد ترك فكر الإمام ينطق شهادة على عصره وما بعده.

تغيير جذري أم طلاء إصلاحي

يذهب الإمام ياسين رحمه الله إلى القول بأن التغيير الجذري للأمة هو هدف القومة) 2 ، فلا يميل إلى الاستعجال وطي المراحل والقفز على الواقع والإصلاحات الجزئية غير النافذة إلى جوهر التغيير، وغير الملامسة لكل جوانبه المستوعبة للواقع بكل تعقيداته وتشابكاته، ويختار في المقابل العمل المنهاجي المُتئد المتدرج الصبور الذي يقدر المسافة الشاسعة بين الواقع والمأمول، يقول رحمه الله: بين مرمى الطرف ومحط الأشواق وبين مواقع الأقدام في الواقع الآني مسافات شواسع) 3 ، لذلك ينبه الإمام إلى أن هناك خيار بين المبادرات الحماسية التي تريد أن تطوي المراحل وتقفز فوق الواقع وبين العمل المتدرج الصبور. خيار بين الحل العنيف عندما يتوهم المتحمسون العجلون أن تغيير الواقع ممكن بفرض إرادة متسلطة من خارج، وبين الحل المتئد الذي يعمد إلى النفوس فيعالجها بالتبشير والتخويف، بوازع القرآن، ووازع السلطان، حتى تقتنع وتشارك. خيار بين اللمسات العجلى هنا وهناك، وبين العمل المنهاجي المستوعب لكل جوانب المشكلات) 4 ، والواقع الذي تعيشه الأمة اليوم يؤكد اختلاف مريدي التغيير في اختيار مسلك التغيير ومنهاجه.

في كتابه المنهاج النبوي الذي عرض فيه لاجتهاده للتغيير بشكل مجمل فصلته كتبه الأخرى، ذكر العوامل الأساسية لإحداث تغيير في المجتمعات في عموم التحركات البشرية، وهي:

طالع أيضا  أضواء على الطاعة والشورى في فكر الإمام عبد السلام ياسين

– توفر الإرادة السياسية، وتجسدها في كتلة منظمة، بقيادة مطاعة قوية، وأحكام نظام.

– قناعة رجالها بالقضية التي من أجلها تشكلت الكتلة المنظمة، واستعداد الطليعة القيادية والقاعدة المعبأة للتضحيات، والقدرة على سوق الجهود إلى قمة التوتر والفاعلية 5 .

شروط التغيير

للتغيير شروط عند الإمام رحمه الله تعالى، نفسية وعقلية وعملية، تحقق توازن التربية في أبعادها الثلاثة؛ فلا تغلب التربية الروحية على التربية الفكرية والحركية، ولا تنحو نحو الفكر على حساب الاهتمام بالقلب والفعل، ولا تميل إلى الحركة وتلغي تنوير القلب والفكر. كما يوضح مزايا التحركات الإسلامية على عموم التحركات البشرية الذي يغلب عليها التدافع الأرضي في غياب البواعث الإيمانية، وفيما يأتي عرض لأبرز شروط التغيير بإيجاز، لكونها تحتاج إلى بحث مسهب.

شروط التغيير النفسية

يولي الإمام رحمه الله للشروط النفسية للتغيير عناية كبيرة؛ فلا تغيير للواقع بدون تغيير ما بالأنفس كما رسم قانون التغيير الإلهي، ومن أهمها:

– عمق الإيمان ومتانة الخلق، وقد سبق في المقال الثالث من السلسلة بيان محورية التربية الإيمانية في العملية التغييرية ومركزية الفرد في القومة على صعيد القطر والعالم.

– ارتفاع العامل المعنوي في الجهاد ، فالإقبال على الموت في سبيل الله باعتباره عاملا معنويا يميز القومة الإسلامية عن غيرها من التحركات البشرية له أثر في تحقيق النصر، لكن بضوابط وشروط مرتبطة بالمعية والهدف والكيف والزمان والمكان، قال رحمه الله: إذا ألفنا جند الله من كتائب تريد أن تموت في سبيل الله، وتعرف لم تموت، ومتى وأين وكيف ومع من، فذاك زحف لن يغلب بإذن الله) 6 .

– الصبر وطول النفس لكيلا ننتظر أن وقفة ساعة أو سقوط آلاف الشهداء في المعركة يكفي لتحقيق النصر) 7 .

– كسب ثقة الشعب بدعوته وخدمته بالتطوع الميداني عطاء مستمرا في كل مراحل التغيير، فذلك جزء من التربية، وفرصة لتعرف مشاكل الأمة.

طالع أيضا  إضاءات حول مفهوم القومة عند الإمام عبد السلام ياسين (2)

الشروط العقلية

لا تقل الشروط العقلية أهمية عن الشروط النفسية؛ فالتربية الإيمانية إن لم تحفز العقول لامتلاك الحكمة العقلية علما وخبرة وتجربة ومراسا، تؤهل لمعرفة موضوع التغيير وأهدافه وكيفه ومراحله وعقباته، فهي تربية خداج عاجزة غير ناجزة، لذلك لابد من:

– فقه الواقع فقها دقيقا، وفهم ما يجري فيه محليا وإقليميا ودوليا، والقوى الفاعلة فيه داخليا وخارجيا، لامتلاك رؤية صائبة وأفق فكري يمكنان من وضع خطة التغيير، للدخول على المستقبل “من باب العلم”.

– معرفة قواعد الحرب السياسية المحلية والعالمية.

– وضع الخطط والبدائل في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والسياسية والتعليمية والثقافية والإعلامية… بما يضمن الإجابة عن المشاكل الحاضرة والمستقبلية المتوقعة.

– التهيؤ والاستعداد لحوار وطني يؤسس لتوافق تاريخي يدير المرحلة الانتقالية بثقة متبادلة بين الفرقاء، وتغليب لأوجه الائتلاف وتدبير حكيم للاختلاف، ووضوح ومسؤولية مع الشعب.

الشروط العملية

إن الفكر الذي يبقى حبيس الورق، ولا يجد طريق اختباره على محك الواقع والتجريب الميداني، لا يعدو أن يكون فكرا سابحا في عالم الأحلام مفصولا عن عالم الأحداث، ومن ثم فإن ما يميز فكر الإمام ياسين رحمه الله ومدرسته المنهاجية السائرة على نهجه واقعيته وقابليته للتطبيق وتجديد الفهم في دائرته، والممارسة على ضوئه، وقدرته على قراءة الأحداث والوقائع وفق آليات تحليلية راصدة للواقع كاشفة لطريق المستقبل وسبل السير نحوه تحركا متزنا متئدا في الحاضر. لهذا جعل الإمام من شروط التغيير العملية:

– قوة التنظيم وحيويته وحياته المتجددة، فبدون كائن عضوي حي منظم لا يتصور عمل) 8 .

– صلاح القيادة وجمعها بين القوة والأمانة، تعلما لهما من مجالس الإيمان ومن الميدان.

– السير على المحجة اللاحبة والخط السياسي الواضح تربية للأجيال وإعدادا للقوة بصبر جميل ونفس طويل دون إبطاء ولا استعجال، مع المرونة، يقول الإمام ياسين رحمه الله: لا تعوقننا صعوبة عقبات هذه المحجة عن ولوجها، ولا تستخفنا العجلة عن الصبر على طولها. ولا يمنعننا هذا التهيء على المدى الطويل من التحرك الميداني النشيط) 9 ، فالخط اللاحب صلب العمل) والسير فيه ثابت لا يرفض استغلال الفرص التاريخية)، وما يأتي به الله من انعراجات سياسية متحركات لا توقف السير) 10 .

طالع أيضا  إضاءات حول مفهوم القومة عند الإمام عبد السلام ياسين [4]

– القدرة على التفاعل مع الظروف الداخلية والخارجية حضورا شاهدا.

– التعبئة المتواصلة للأمة، وجمع طاقاتها المهدرة، وإراداتها المشتتة، قال رحمه الله مؤكدا محورية الأمة في إنجاز القومة: يجب أن نصوغ من الاستعداد الخير الذي في عامة المسلمين أداة ماضية لإبطال الباطل وتحقيق الحق. حتى إذا آن أوان القومة وجدنا على الحق مساعدا قويا، وظهيرا شديدا) 11 .


[1] مقدمات في المنهاج، عبد السلام ياسين، ص 30 وص 41.\
[2] المنهاج النبوي، عبد السلام ياسين ص 263.\
[3] مقدمات في المنهاج، عبد السلام ياسين، ص 74.\
[4] المنهاج النبوي، عبد السلام ياسين ص 293.\
[5] المرجع نفسه، عبد السلام ياسين ص 377.\
[6] المرجع نفسه، عبد السلام ياسين ص 381.\
[7] المرجع نفسه، عبد السلام ياسين، ص 381-382.\
[8] المرجع نفسه، عبد السلام ياسين، ص 21.\
[9] المرجع نفسه، عبد السلام ياسين، ص 21.\
[10] المرجع نفسه، عبد السلام ياسين، ص 28.\
[11] إمامة الأمة، عبد السلام ياسين ص 31.\