الجرح الفلسطيني جرح غائر في جسم الأمة، لم يأذن الله عز وجل له بعد أن يندمل. والهجمة المسعورة على قطاع غزة الصامد نزيف وأي نزيف. تكون كل قطرة دم طاهرة شاهدة على صنع الخالق عز وجل في ملكه، ومثبتة في صحف مطهرة من اعتدى وظلم، ومن احتسب وصبر. وتكون كل صرخة مكلومة شاهدة على صنيع الخلق، ومثبتة في صحف منشرة من ذاد ونصر، ومن خان وخذل.

1- ساء وجه العلو والاستكبار

يقول الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً. ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا. إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا سورة الإسراء الآيات 4-7.

وصف الله عز وجل لبني إسرائيل ماض لا تخلقه السنون، وأحكامه فيهم حتمية لا تقبل التعديل أو النقض. العلو في الأرض والاستكبار على الخلق سمة لهم بارزة وطبع أصيل. الاستكبار متجذر في الشخصية اليهودية التي تلقن منذ نعومة أظافرها مبادئ العنصرية، وتجعل من بني إسرائيل شعب الله المختار) 1 . لكن وعد الله عز وجل سار غير مكذوب، فقد كتب على كل مخطط صهيوني-أمريكي، وعلى كل تحالف شيطاني بين روح الجاهلية وجسمها أنه لا يصلح عمل المفسدين، وأنه يبعث عليهم من يسوء وجوههم، ويتبر علوهم تتبيرا.

أ- ساء وجه الكيان الصهيوني

ما ذنب قطاع غزة حتى يجلب عليه الكيان الصهيوني بخيله ورجله؟ ما الذي اقترفه أهل غزة من الأطفال والنساء والشيوخ لتفتك بهم الآلة العسكرية؟ هذا الصلف المقيت لأحفاد الصهيونية، وتلاميذ أحبار الهلكة والحقدا، وهذا “الزحف الأسود”، لسواد قلوب بني إسرائيل وظلمة عقولهم، على التراب بالاحتلال والاستيطان، وعلى الإنسان بالإهانة والاعتداء، وعلى الخيرات بالنهب والسرقة، هو وجه من أقبح وجوه الاعتداء على الكرامة الآدمية والحقوق الإنسانية. الكيان الصهيوني كتلة متحركة من الشر، لم تمنعه أفاعيل الهولوكوست النازي الذي طالما اشتكى فظاعته إلى الضمير العالمي، من أن يتفنن في تذبيح الأبرياء في قطاع غزة، وأن يسومهم أشد العذاب. وأصبح للأسف مستساغا أن يستعلن الاستكبار العنصري اليهودي وتسلط الأضواء على “التطهير العرقي” وهو يعرض بعض منجزاته على شاشات العالم كله. بل إن أحفاد مبيدي الشعوب أظهروا كفاءتهم قبل أن يعولم استعمال أجهزة التلفزة) 2 .

ب- ساء وجه المنتظم الدولي

كان المنتظم الدولي فيما مضى، خصوصا أمريكا وأوروبا، راعي الحقوق الكونية، وحامي القيم الإنسانية في وجه كل زحف يتهددها. فكان يقيم الدنيا ولا يقعدها إبان الحرب الباردة، متوعدا “الزحف الشيوعي الأحمر” سليل ديكتاتورية البروليتاريا. كان الرئيس الأمريكي السابق ريجان منذ بضع سنوات يصف الاتحاد السوفياتي بأنه “دولة الشر”. وقد انتهت تلك الدولة إلى السقوط في أحضان عدو الأمس. وبذلك فقدت الحضارة الرأسمالية مِرآة تعكِس لها حقيقتها لترى وجهَ نفسها في عدوٍّ مطلق، في “دولة شر”. ولا تجد الحضارة المادية في تاريخ عِدائها للإسلام، ولا في حاضر استعمارها لمنابع النفط، ولا في مستقبل تخوفها من الصحوة الإسلامية “دول شر” أشرَّ من الإسلام) 3 .

ما بال هذا المنتظم الدولي يغض الطرف عن “الزحف الصهيوني الأسود”، بل ويستبدل، في وقاحة لا مثيل لها، لغة الحرب في حق المعتدي بلغة المصالح، وحق الدفاع عن النفس وتأمين الحدود. أين هي حقوق الإنسان في قطاع غزة؟ أين هو نداء المساواة والتدخل لحماية الضعفاء؟ كيف لا تتجرأ الدولة الصهيونية على ارتكاب المجازر الوحشية وقد أصبحت خدمات البيت الأبيض للدولة الصهيونية أكثر سخاء وأكثر تحررا من القيود الآن وقد تكاثر المستشارون اليهود في الإدارة الديمقراطية وتضاعف عددهم حتى تعذر إحصاؤهم) 4 .

2- شاه وجه التآمر والصغار

‏عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: “دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ: “يَا بُنَيَّةُ، مَا يُبْكِيكِ؟”. قَالَتْ: يَا أَبَتِ مَا لِي لا أَبْكِي وَهَؤُلاءِ الْمَلأُ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْحِجْرِ يَتَعَاقَدُونَ بِاللاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى لَوْ قَدْ رَأَوْكَ لَقَامُوا إِلَيْكَ فَيَقْتُلُونَكَ، وَلَيْسَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلا وَقَدْ عَرَفَ نَصِيبَهُ مِنْ دَمِكَ. فَقَالَ: “يَا بُنَيَّةُ، ائْتِنِي بِوَضُوءٍ” فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَمَّا رَأَوْهُ، قَالُوا: هَاهُوَ ذَا فَطَأْطَئُوا رُؤُوسَهُمْ، وَسَقَطَتْ أَذْقَانُهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِمْ، فَلَمْ يَرْفَعُوا أَبْصَارَهُمْ. فَتَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَحَصَبَهُمْ بِهَا وَقَالَ: “شَاهَتِ الْوُجُوهُ” فَمَا أَصَابَ رَجُلا مِنْهُمْ حَصَاةٌ مِنْ حَصَاتِهِ إِلا قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا” أخرجه الحاكم في المستدرك.

في الحديث وصف دقيق لسلوك الملإ المستكبر من بني جلدتنا في كل زمان ومكان، حين يناصبون الحق العداء، ويضمرون له الدسيسة والوقيعة. هذا الملأ المستغشي ثيابه قاسمهم المشترك أنهم “يَتَعَاقَدُونَ بِاللاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى”، ديدنهم في ذلك التآمر والتعاون على الإثم والعدوان، ورابطتهم الجامعة كلما سقط في أيديهم أن تجدهم قد “طأطأوا رؤوسهم وسقطت أذقانهم بين يديهم”، بعد أن ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة والصغار.

ج- شاه وجه الانقلاب المصري

يفرض قانون الصراع في المنطقة على النظام المصري أن يكون طرفا رئيسا في صناعة خريطة المنطقة ومستقبلها، وأن يكون رقما مهما في معادلة “توازن الرعب”. ويفترض فيه من باب الغيرة الأخلاقية، أو حتى من باب التعصب القومي وحماية “الأمن القومي”، أو لا أقل من باب المروءة و”المرجلة”، على حد تعبير الشعب المصري، أن يوفر “المظلة السياسية” لقطاع غزة كي يدافع عن نفسه. لكن الظاهر أن الانقلاب وفر المظلة للآلة الصهيونية كي توجه ضربة موجعة لقطاع غزة، التي ما كانت لتتم لولا الضوء الأخضر المعلن أو الخفي من السلطة المصرية. يبدو أن الانقلاب الدموي في مصر ما زال وفيا لتاريخ أسلافه في صناعة التسويات الانهزامية، وعقد الاتفاقيات الانبطاحية، وخوض المعارك الوهمية. إنها حقائق مؤلمة. فبعد خيانة القادة الذين سلحوا جنودهم سنة 1948 ببنادق معطوبة وذخائر فاسدة، غاب الجنرالات المصرية عن ميدان القتال أثناء هجوم إسرائيل الصاعق سنة 1967 وانهمكت في لذاتها الآثمة) 5 .

د- شاه وجه الاستبداد العربي

كشر الاستبداد العربي عن أنيابه لما تحركت شعوب “الربيع العربي” مطالبة بالحرية والعزة والكرامة. وفي محاولة منها لوأد ثورات وإجهاض أخرى وخلط الأوراق في ثالثة، تدفقت الأموال الخليجية بغزارة، مشجعة الثورات المضادة وداعمة لها. أين هو السخاء الخليجي من دعم المقاومة في قطاع غزة؟ أين هي أموال النفط العربي من حماية الدم الغزاوي المستباح؟ وعلى ذكر السلاح فإنه متوفر بكثرة لدى دول الخليج، لكن لا فائدة ترجى منه إن كانت تحمله أيد فاشلة ومتنعمة. هجمة صدام مكنت الأمريكان من عقد صفقات سلاح ما سبق لها مثيل مع سلاطين النفط. وهو أسلوب لانتزاع أموال المسلمين لتكدس الأسلحة تأكلها الرمال ولا تستعمل أبدا ضد العدو الحقيقي للمسلمين) 6 .


[1] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب “الإسلام والحداثة” ص 142.\
[2] نفسه ص 144.\
[3] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم” ص 306.\
[4] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب “الإسلام والحداثة” ص 140.\
[5] نفسه ص 126.\
[6] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم” ص 211.\