ليس عبثا أن ينسلخ المرء من أحضان مجتمع سائب، كانت اللذائذ الجسدية فيه منفسحة على النهل بالكلية ومترعة فيه على العب بإطلاق، بحيث إن كل من رام اقتناصها والوصول إلى الأمد في إشباعها تأتى له ذلك.

هو مجتمع ساير النوازع البهيمية للإنسان فغدا لاهثا وراء الارتواء حمية وإغارة واستئسادا على المستضعف فضلا عن العلل الناخر بها المجتمع العربي آنذاك… لذلك فإنه ليس عبثا أن ينعزل الفتى شعوريا بكرهه لما انغمس فيه الناس من مفاسد عامة في حمآت آسنة ويتوجه رأسا إلى جبل راس ويصَعد فيه ليلج غارا ويمكث فيه منفردا مع ظلمة حالكة مطبقة دون وجود أحد.

– أليس امتلاك القوة للاستئساد والهيمنة على القبيلة بكثرة العدد والأموال والشعراء المادحين والغلمان الخادمين والجواري الحسان، في عرف الجاهلية آنذاك، إمتاعا ومؤانسة…؟

– ألم يكن بوسع هذا الغريب عن مجتمع اللذة أن يتسلق مراتبه ليصل إلى السيادة فيه لاسيما أن بني هاشم هم السدنة الأشراف حقيقة فيه؟

– لم استنكف عن المضي في أعراف الجاهلية واختار الانزواء والابتعاد عن عوائده؟

ولم لم يؤذن له بالصبوة وفعل ما كان عليه فتيان قريش من السهر والتصابي؟

إن هناك سرا وراء غربة ذلك الفتى وانعزاله عن مجتمع الأنس والتفاخر والقوة.

لا شك أنه رأى بأم عينيه أن هيمان القوم بتلك اللذائذ المادية لم تمنع حِمام الموت من هد كيانهم ودكِّ قواعدهم، وأن ما كانوا فيه من الهذيان إنما هو تنفيس عن كرب وبلايا وإحن استحكمت في جَمعهم ونواديهم.

لذلك كانت اللذة الحقيقية عنده إنما هي المضي في اعتكافه منزويا منفردا منقطعا عن الزمان والمكان والناس.

لقد رأى الرجل من قمة الجبل هناك أن الكون الصامت يتحدث ويتكلم بطلاقة عن مبدع حكيم، وكأنه مرايا عاكسة لأسماء الله وصفاته، لاسيما حين يجول الرجل ببصيرته في الجبال المتطاولة والتلال المسننة والصحاري المنبسطة وعجيب خلقة الحيوان خاصة تلك الإبل التي تحمل متاعهم وزادهم وارتحالهم صيفا وشتاء…

إنه كلما توجه الرجل إلى الغار زاد يقينا بسر الوجود فلم يفتأ أن يعاود الكَرات مرارا لكي يزداد قلبه توهجا وصفاء وتألقا ونورا وكأن المكوث في الغار المظلم أصبح صقالة لقلب وتصفية لروح ووضاءة محيى ونداوة سيماء…

ذلك القلب… قضية الإنسان الكبرى، ومن لم يعطها حقها من الإحكام، كان كالذي يحاول أن يبني بَاذِخَاتِ القصور ويده خِلْوٌ من المال، أو يتشوف إلى سِنِّي المراتب ولا مساغ له إليها سوى الخيال… فهو الملك المتصرف في الجوارح الذي تصدر كلها عن أمره ويستعملها في ما شاء، فكلها تحت عبوديته وقهره، وتكتسب منه الاستقامة والزيغ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحِلُّه) 1 . ( ) … فهو ملكها وهي المنفذة لما يأمر به، القابلة لما يأتيها من هديته، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده، ونيته، وهو المسؤول عنها كلها، لأن كل راع مسؤول عن رعيته، لذلك أجمع السلف الأخيار والعلماء الأحبار على تزكيته وتصحيحه.)وترى الذي امتلأ قلبه بذكر مولاه رافضا للأكوان، هاجرا للأوطان، سالكا للطرائق، قاطعا للعلائق مقدما إرضاء الخالق على إرضاء الخلائق، فضلا عن تخلقه بآي القرآن ومصاحبته أهل المعرفة والإحسان. أما الذي أهمل قضية إصلاح قلبه، فهو لاعب ولا شك بآخرته، زاهد في امتلاك عافيته، جاهل برتب الفضائل، مقدما المفضول على الفاضل، وهذا شأن كل غبي جاهل أو شقي غافل عن أعلى المنازل.)فلا جدال إذن أن في صلاح القلب صلاح الجسد وفي خرابه خرابا له، وبتمحيصه تختلف مراتب الخلق درجات ومنازل. وبصلاحه، يتم ارتقاء درجات العلا نعمة منه سبحانه وتفضيلا، فكان حريا بالمؤمن أن يسلك بقبله طريق النجاة سبيلا، وأن لا يبلغ عن إصلاحه عدولا، قال تعالى:)إن السمع والبصر كل أولئك كان عنه مسؤولا 2 .) 3

نعم ذاق قلب الرجل الغريب إيمانا ويقينا وحلاوة باختلائه وانقطاعه عن الخلق في ذلك الغار، فدأب على التحنث فيه الليالي ذوات العدد، ولا شك عندنا أن الذهاب إلى هناك إنما هو إلهام من قبل رب أصبح محمد مصنوعا على عينيه ومؤَدبا من قبله عز وجل، كما قالت عائشة رضي الله عنها: “ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه الليالي أولات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجئه الحق” 4 .

وحبب هنا: تعني أن الأمر كان تدبيرا وصنعا إلهيا، وكأن الرجل سار إلى الجبل للتعبد ليلج حمى التنوير بإسقاط التدبير، فكان ما كان. كان بزوغ حقيقة ظاهرة للعيان وهي أن الرجل أصبح مالكا لأصفى قلب في الوجود وأنقاه على الإطلاق، فصار أهلا للاجتباء والاصطفاء ومحلا لتنزل الوحي الإلهي.

عن عبد الله بن مسعود قال: “إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته” 5 .

والأمر غير مقتصر على قلب صُفي وزكي وطهر بالتأمل والتفكر وأخذ العبر في قمة جبل فحسب، بل إنه قد تعداه إلى تصفية نفس من الأهواء والأدران والشهوات والالتصاق بالتراب، فأصبحت روح الرجل سابحة في عالم الملكوت حينما ينام، فغدت رؤياه ساطعة صافية كصفاء فلق الصبح، تقول عائشة رضي الله عنها: “كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح” 6 .

حينذاك… وما أدراك ما حينذاك…

– حين قطع الرجل المجتبى مفاوز الغفلات والارتكاس في حمأة الأدناس التي دأب عليه أرباب الجاهلية العمياء.

– حين تشرب عبادة التفكر باعتكافه واختلائه وانزوائه عن الكل.

– حين اقتحم عقبة نفسه وزكاها بالتعبد والتحنث والتزكية والتطهير والتعمير…

حين أدرك أن الله الله، والناس الناس… 7

آنذاك يا صاح… نزل النور على قلب محمد المتوهج الوضيء، وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين 8 .. قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمومنين 9 ..

نزل الوحي الإلهي معلنا تنوير الأرض بنور السماء الدافق لاسيما وإن أنوار الأنبياء السابقين في تلك اللحظات أفلت وانحسرت في بعض الأديرة والكنائس التي طافها سلمان الفارسي عليه السلام.

نعم نزل الوحي على قلب محمد صلوات الله وسلامه عليه إيذانا بقدوم عصر الاهتداء إلى المنهاج النبوي الأصوب الذي به تسعد الإنسانية دنيا وآخرة… ولا شك أن هذا الحدث المزلزل ستتقدس متعلقاته والأمور المرتبطة به من باب حكم الوسائل حكم المقاصد، إذ الزمن الذي سَيَشْرُف بنزول النور الإلهي سيكون زمنا مغايرا للأزمنة ومباينا لها من حيث الفضل والشرف، أي أن الزمن الذي حضر وصال النور بقلب محمد سيصطبغ بكساء نوراني وتميز خالد وهو شهر رمضان. شهر تنزل النور على السراج المنير محمد صلى الله عليه وسلم، فكان بذلك أفضل الشهور وأعلاها منزلة وقدرا، وكانت ليلة التنزل كذلك ليلةَ قدر هي خير من ألف شهر، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر. ليلة شهدت موكبا نورانيا للملائكة الأطهار لأنها شاهدة على الحدث العظيم الذي سيزلزل البشرية وسيكتب لها تاريخا جديدا تطوى فيه مآسي الإنسانية، وتلجم فيها جاهلية الحروب والاحتراب العالمي.

والغريب أن ما كان من اعتكافه عليه السلام قبل تنزل الوحي سيبقى سنة خالدة بعد تنزل الوحي، ليعلم الكل أن حبس النفس وربطها في مكان للتأمل والاعتبار واستجماع الفكرة عمل سيمتد في الزمن، لا ينقطع بانقطاع الوحي…

ثم إنني ألفيت أن كل نعمة مسبغة على هذه الأمة بل على الأمم كلها إذا قوبلت من حيث الشكر إنما تقابل بالصيام، وكأنه العمل الحقيقي المنتصب لتحقيق ذاك المقام… اعملوا آل داود شكرا 10 .

نعم كان الشكر بتنزل الوحي صياما، وشكرُ نعمة ولادة محمد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين صياما 11 وشكرُ إنجاء الله تعالى موسى عليه السلام من بطش فرعون صياما يوم عاشوراء… بل إن صوم الكلام والحديث كان شكرا لنعم، فشكر نعمة يحيى من قبل زكريا عليهما السلام كانت صياما 12 . ونعمة ولادة المسيح عليه السلام قوبلت بالصوم حديثا من قبل أمه مريم عليها السلام 13 .

ألا إن رمضان يحكي قصة صفاء قلب وأشواق روح ووصال السماء بالأرض وانسكاب النور الإلهي على ظلَم الأرض وحوالكها… فما أحوج الأمة لأرباب القلوب وأطبائها لتعود صافية شاهدة على الأمم كما كانت في عهد النور النبوي الراشدي… نأمل ذلك وبه نسترشد وإليه نستند وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] في جزء من الحديث رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله”.\
[2] سورة الإسراء، الآية 36.\
[3] جزء من مقدمة كتابنا: علم السلوك عند الإمام الشاطبي.\
[4] متفق عليه.\
[5] مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبد الله بن مسعود، وهو حديث حسن، وانظر الأمالي المطلقة لابن حجر رقم 61.\
[6] متفق عليه.\
[7] وصية سيدي عبد السلام بن مشيش لتلميذه سيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنهما.\
[8] الشعراء (26/ 192- 193- 194).\
[9] البقرة (2 / 97).\
[10] سبأ (34/ 13).\
[11] قال عليه السلام حين صامه: “فيه ولدت وفيه أنزل علي القرآن”.\
[12] “قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا”. (مريم/10-19).\
[13] “فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا” (مريم/19-26).\