مقدمة

بداية أبارك للقراء الكرام هذا الشهر الفضيل الذي اصطفاه الله جل وعلا من شهور العام وخصه بنزول القرآن قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ البقرة 184.

لقد شهد هذا الشهر الكريم نزول القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وكان ذلك في ليلة القدر: إنا أنزلناه في ليلة القدر القدر 1، إنا أنزلناه في ليلة مباركة الدخان 3.

كما نزلت أول آية من هذا الكتاب العظيم على النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر المبارك.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: “أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة” رواه النسائي والحاكم رحمهما الله.

ولذلك كان للنبي صلى الله عليه وسلم اهتمام عظيم بالقرآن الكريم في رمضان.

رمضان شهر القرآن

عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى اللهم عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى اللهم عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة. رواه البخاري.

قال الإمام ابن رجب في لطائف المعارف: دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له… وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان. وفي حديث فاطمة رضي الله عنها عن أبيها صلى الله عليه وسلم أنه أخبرها أن جبريل عليه السلام كان يعارضه القرآن كل عام مرة وأنه عارضه في عام وفاته مرتـــين. رواه البخاري ومسلم رحمهما الله.

وقال رحمه الله: وفي حديث ابن عباس أن المدارسة بينه وبين جبريل عليه السلام، كانت ليلا يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلا فإن الليل تنقطع فيه الشواغل ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر كما قال تعـالى: إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا المزمل 6.

كما كان عليه الصلاة والسلام يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره ومما يؤيد ذلك ما رواه الإمام أحمد عن حذيفة: “قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة من رمضان فقام يصلي فلما كبر قال: “الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة”، ثم قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران لا يمر بآية تخويف إلا وقف عندها ثم ركع يقول: “سبحان ربي العظيم”، مثل ما كان قائما ثم رفع رأسه فقال: “سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد”، مثل ما كان قائما ثم سجد يقول: “سبحان ربي الأعلى”، مثل ما كان قائما ثم رفع رأسه فقال: “رب اغفر لي”، مثل ما كان قائما ثم سجد يقول: “سبحان ربي الأعلى”، مثل ما كان قائما ثم رفع رأسه فقام فما صلى إلا ركعتين حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة”.

ومما ورد أن أمنا عائشة رضى الله عنها كانت تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت، أورد هذا الأثر الإمام ابن رجب في (لطائف المعارف) وهو يدل على عناية أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالقرآن الكريم. وأنها تبدأ يومها من بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس بتلاوته. وفي هذا قدوة للمسلمين والمسلمات بأن يشغلوا الأوقات في شهر الخيرات بالإكثار من تلاوة القرآن الكريم فرمضان هو شهر القرآن.

وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال وبعضهم في كل سبع منهم قتادة، وبعضهم في كل عشرة وكان سيدنا عثمان يختم القرآن في ليلة واحدة.

وكان سفيان الثوري رحمه الله تعالى إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن.

أما الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى فإنه كان إذا دخل شهر رمضان يفر من مذاكرة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويقبل على القراءة في المصحف.

كل هذا الجهد والاجتهاد من أجل تلاوة القرآن، تعطير ليالي شهر القرآن بآيات القرآن، فاللهم عظم رغبتنا في القرآن الكريم واجعلنا ممن يقرؤونه آناء الليل وأطراف النهار.

صحبة القرآن

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرأها” رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد.

طوبى لمن اتخذ القرآن صاحبا، ونعم الصاحب المبارك الوفي، هو خير جليس وخير أنيس.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر” متفق عليه.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقول الرب عز وجل: من شغله القرآن عن ذكري وعن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه” رواه الترمذي.

وروى البخاري في صحيحه عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”.

وقال صلى الله عليه وسلم: “إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين” رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: “والقرآن حجة لك أو عليك” رواه مسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم: “الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران” متفق عليه.

وقال عليه الصلاة والسلام: “ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله عز وجلَّ فيمن عنده” صحيح مسلم.

والكثير من الأحاديث غيرها لا يسعنا حصرها في هذا المقام، ففضل القرآن أعظم من أن يحصره الكلام أو يوجزه اللسان.

فيا حسرة من هجره وأعرض عنه، يقول الإمام المرشد عبد السلام ياسين في كتاب تنوير المؤمنات: جدب أنى له أن يصبح القرآن ربيع قلبه وانطفاء ما له من نور إن وضع المصحف على الرف).

ويقول أيضا: ما دامت التائبة تقرأ الدعاء اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، وتهجر القرآن تلاوة وحفظا ووردا يوميا فهي لم تخط الخطوات الضرورية ليكون القرآن ربيع قلبها، الخطوات التلاوة والحفظ والمداومة).

اهتمت أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابيات بالقرآن الكريم كاهتمام الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فقد عنيت رضوان الله عليهن بتلاوته وبحفظه وتعلم معانيه وتعليمه منذ نزوله على رسول الله صلي الله عليه وسلم، ولذا وجد فيهن حافظات وقارئات لكتاب الله ومفسرات لمعانيه وعالمات بأحكامه، فممن اشتهر بحفظ القرآن الكريم من أمهات المؤمنين سيدتنا عائشة وحفصة وأم سلمة رضي الله عنهن أجمعين.

وقد ساق الترمذي في كتاب القراءات من سننه روايات عدة روتها أم المؤمنين عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما توضح أوجها لقراءات القرآن في بعض السور، وتدل هذه القراءات على عناية أمهات المؤمنين بحفظ كتاب الله تعالى ونقله كما سمعنه على تنوع قراءاته.

حفظت القرآن أمهات المؤمنين بل حفظته غيرهن من الصحابيات كأم ورقة بنت نوفل رضي الله عنها، حيث جمعت القرآن الكريم كله، فقد روى الوليد بن عبد الله بن جميع قال: حدثتني جدتي عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غزا بدراً قالت له: أتأذن لي فأخرج معك وأداوي جرحاكم وأمرض مرضاكم لعل الله يهدي لي شهادة؟ قال: “إن الله مهد لك شهادة” وكان صلى الله عليه وسلم قد أمرها أن تؤم أهل دارها وكان لها مؤذن، فغمها غلام وجارية كانت قد بردتهما فقتلاها في إمارة عمر، فقال عمر: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: “انطلقوا بنا نزور الشهيدة”. سنن أبي داود.

وممن حفظت القرآن من نساء الصحابة أم الدرداء الكبرى، وأمها خيرة بنت أبي حدرد، وصفها ابن عبد البر بالعقل والفضل والزهد قال: والصحبة لأم الدرداء الكبرى، وكانت من فضلاء النساء وعقلائهن وذوات الرأي فيهن مع العبادة والنسك)، وفي تهذيب الكمال أنها كانت تصلي في صفوف الرجال، وتحفظ الصبية القرآن حتى أمرها أبو الدرداء بالالتحاق بصفوف النساء. فرضي الله عنهن وعن الصحابة أجمعين.

لقد توالت بعناية النساء بكتاب الله عز وجل، واتخذت هذه العناية صورا وأشكالا شتى تدل في مجملها على تعلق النساء بكتاب الله عز وجل والرغبة في صحبته وبذل الغالي والنفيس من أجل ذلك، ومن مظاهر ذلك بناء النساء المساجد والمدارس وإنفاقهن على قراءة القرآن وحفظه واحتضان النساء لتحفيظهن القرآن، من ذلك ما روي أن زبيدة بنت جعفر المنصور العباسي كانت شديدة العناية بالقرآن الكريم، وكانت لها مائة جارية يحفظن القرآن الكريم، ولكل واحدة ورد عشر القرآن وكان يسمع في قصرها كدوي النحل من قراءة القرآن.

وفقنا الله للاقتداء بهن وأن نحدو حدوهن في صحبتهن لكتاب الله.

إننا في هذا الشهر الفضيل في حاجة إلى صحبة يومية مع كتاب الله تعالى وذلك من خلال:

– الإكثار من التلاوة وتكرار الختمات، بحيث نتمكن من ختم القرآن مرات عديدة ننال خيراتها وننعم ببركاتها، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ فاطر 29.

أخرج الترمذي عن نصر بن علي وقال: حديث غريب، أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِل: “أي العمل أحب إلى الله؟ قال: “الحال المرتحل”، قيل: وما الحال المرتحل؟ قال: “الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره، كلما حل ارتحل””.

– التأمل والتدبر من خلال ختمة طويلة المدى نأخذ منها في اليوم صفحة أو نحوها مع مراجعة تفسيرها وتأمل معانيها، والتبصر في دلالاتها واستخراج أوامرها ونواهيها ثم العزم على تطبيق ذلك ومحاسبة النفس عليه، و لا مانع أن تطول مدة هذه الختمة إلى سنة أو نحوها. قال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ سورة ص 29.

– الحفظ والمراجعة، فنجعل لأنفسنا مقدارا يوميا من الحفظ ومثله من المراجعة، وإن كنا قد حفظنا ونسينا فهي فرصة عظمى لتثبيت الحفظ واسترجاع ما ذهب.

روى الإمام أحمد والترمذي والدارمي بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب” رواه الترمذي.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله في المنهاج النبوي ص 158: … ويعقد (أي: المؤمن) مع الله تعالى عَقدا أن يحفظ القرآن كله قبل موته، ويستعين على ذلك، ويبذل كل الجهد. فإنه إن مات دون غايته وقد بذل الجهد، يبعثه الله إن شاء الله على نيته يوم يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارق، يوم التغابن والحسرة إذ يقرأ المجاهدون فيرقون أمام أعين من فاتهم الحفظ).

ولنعلم أن لهذه الصحبة واجبات وحقوق منها:

1- الإخلاص لله تعالى عند تلاوته، فلا نقرأه رِياءً ولا سُمعةً ولا عُجْبا.

2- الوفاء والإحسان، ومن الإحسان لهذا الصاحب أن لا ننساه ولا نهجره.

قال صلى الله عليه وسلم: “فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنْ أَحَدِكُمْ مِنْ الإِبِلِ مِنْ عُقلِهَا” رواه البخاري.

3- التأدب بآداب تلاوة القرآن: من طهارة واستقبال القبلة وستر العورة والسواك وطهارة المكان والاستعاذة والتدبر والخشوع، وغيرها من الآداب الجمة كرفعه عن كل مهان وغيره مما يليق بقدسية كتاب الله عز وجل.

4- العمل بما فيه، و الوقوف على حلاله وحرامه، وأمره ونهيه، جعلنا الله من القائمين على حدوده قبل حروفه.

5- أن نحسن تلاوته وتجويده.

وختاما فلنرِ اللهَ من أنفسنا في هذا الشهر المبارك صحبة لكتابه، تلاوةً وتدبُّرًا وعملًا وهدايةً، يقول عز وجل: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ فاطر 32.

فاللهم اجعلنا من السابقين بالخيرات، واجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، واجعله ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء همومنا، وذكرنا منه ما نسينا وعلمنا منه ما جهلنا، واجعله حجة لنا لا علينا.