نصف الكيان تحت النار

قالت المقاومة الفلسطينية أن غزة لن تكون وحدها تحت النار، ولن يعاني أهلها وحدهم من الغارات الإسرائيلية، وإنما سيكون الكيان الصهيوني تحت النار أيضاً، وسيعاني سكانه من هول القصف، وكثافة النيران، وسيقاسون ويلات اللجوء والرحيل والنظر إلى السماء، وقد صدقت المقاومة، وأوفت بوعدها، ولم ينته اليوم الثاني على العدوان، حتى بات نصف الكيان الصهيوني تحت مرمى النيران الفلسطينية، تدكه بلا رحمه، وتقصفه بلا خوف، وتصل إليه بلا تيه ولا ضلال.

عندما اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارها بتوسيع العملية العسكرية ضد قطاع غزة، كانت تعلم أنه سيكون للمقاومة ردٌ، وأنها لن تسكت على الاعتداءات، ولن تكتفي بتعداد الصواريخ التي تسقط، أو حفظ أسماء الشهداء والضحايا الذين يقضون، بل ستقوم بالرد، وستتعامل مع أهداف العدو بالنار.

ولكن قادة أركان جيش العدو كانوا يتوقعون أن صواريخ المقاومة الفلسطينية ستصل إلى تل أبيب، وستضرب المستوطنات المحيطة بقطاع غزة فقط، وأن الظروف الصعبة التي يفرضها الجيش الإسرائيلي على القطاع، ستحول دون قدرة المقاومين على التركيز والتوجيه، وأنها ستجبرهم على اعتماد الصواريخ الصغيرة، ذات المدى والأثر المحدود، وأنها لن تكون قادرة على إخراج وتحريك وإطلاق الصواريخ الكبيرة الحجم، الثقيلة الوزن، البعيدة المدى والشديدة الأثر، إذ أن طائرات الرصد الإسرائيلية، والمنطادات المنصوبة تلاحق كل هدف، وتتابع كل مكانٍ قد يكون قاعدة لإنطلاق الصواريخ، وتقصف كل عربة متحركة قد تكون منصة لإطلاق الصواريخ، ومع ذلك فإنهم يعجزون عن اكتشاف إبداعات المقاومة في خلق المنصات الأرضية.

هذا التفوق الوهمي يشعر الإسرائيليين بالهيمنة والسيطرة، وأنهم على الأرض أقوى، وأنهم يملكون بعض الوقت لإجهاض كل محاولة للقصف، ويعرفون كل مكانٍ قد يستخدم للقصف، إذ أن أرض القطاع أمامهم مكشوفة، ولهم معروفة.

فضلاً عن امتلاكهم لمنظومة القبة الفولاذية، التي تتكفل بالتعامل مع كل صاروخٍ يفلت من قصفهم، وينطلق للوصول إلى بعض مناطقهم، علماً أنهم يحتاجون لإسقاط كل صاروخ لثلاثة صواريخ اعتراضية على الأقل، ومع ذلك فإن نسبة الفشل في الاعتراض أكثر من نسبة نجاحهم، وأن قدرتهم على تغطية كل مكانٍ في الكيان محدودة جداً، لقلة عدد البطاريات التي يملكونها، والتي تحتاج إلى طواقم فنية عالية التدريب لتشغيلها.

لكن المقاومة الفلسطينية نجحت خلال الأيام الثلاثة الأولى للعدوان في قصف مدن الغلاف ومستوطناته كلها بعشرات الصواريخ، وهو أمرٌ طبيعي وعادي، كان يتوقعه الإسرائيليون، وقد تهيأوا له، واستعدوا لمواجهته، ولكن الصواريخ هزت مدينة القدس، ومزقت سماءها الصافية، ووصلت إلى مدينة تل أبيب، وضربت شمالها فأصابت مدن غوش دان وبنيامينا شمالاً، وبيت جن ورحوبوت جنوباً، وأسدود وعسقلان وياد مردخاي وسطاً.

طالع أيضا  غزة تنتصر.. ارفع رأسك أنت في غزة

وأخيراً وصلت الصواريخ الفلسطينية إلى قلب الشمال فأصابت مدينة الخضيرة، وباتت مدينة حيفا تترقب لحظة وصول الصواريخ إليها، فقد هددتها المقاومة، وأعلنت أنها ستكون هدفها القادم، وأن صواريخها ستصل إليها وإلى شمالها، كما ستصل إلى بلدة ديمونا حاضنة المشروع النووي الإسرائيلي، التي يسكنها الخوف من أن يطال القصف الفلسطيني منشآتها النووية، فيتعاظم الخطر، وتتضاعف الضحايا.

إن سماء فلسطين كلها قد أصبحت مكشوفة للمقاومة الفلسطينية، وبات أكثر من نصف الكيان الصهيوني تحت مرمى النيران، وهي تمثل المرحلة الأولى من خطتها، التي أكدت أنها تمتلك المزيد والجديد، وأن عندها مفاجئات تفوق التوقعات، وأنها ستدخل المزيد من المدن الشمالية في المراحل الثانية زنار النار المتصاعدة، لتزيد المساحة المستهدفة، والمدن التي تتهددها نيران المقاومة.

الصمت العربي

قطاع غزة يشتعل ويلتهب لليوم الثالث على التوالي في عدوانٍ إسرائيلي غاشمٍ جديد، يستهدف كل شئ، ولا يستثني من عدوانه أحداً، بينما الأنظمة العربية صامةٌ تتفرج، أو عاجزةٌ تترقب، فلا تحرك ساكناً، ولا تصدر صوتاً، ولا تبدي حراكاً، ولا تقوى على الاعتراض أو التنديد، أو مطالبة المجتمع الدولي بسرعة التحرك، لوقف اعتداء الكيان، وكف آلته الحربية عن قصف القطاع وقتل مواطنيه، وتخريب المخرب فيه، وتدمير المدمر منه، وكأن الذي أصابها خرسٌ أو شلل، أو أنه عجزٌ وفشل.

لا شئ قد تغير في البرامج التلفزيونية العربية التي بقيت على حالها، وكأن شيئاً لم يحدث، أو أن عدواناً لم يقع، أو كأنهم لا يعرفون أن العدوان الإسرائيلي ضد غزة، وأنه لا يقع في الجوار قريباً منهم، بل إنه يستهدف بقعةً نائية، وشعباً بعيداً، لا تربطهم بهم جيرة ولا علاقة، ولا شأن لهم به، رغم أنهم يسمعون أصوات القصف، ويرون ألسنة اللهب المتصاعدة، وسحائب الدخان الكثيفة، علماً أن الوصول إليه أقل بكثير من مسافة السكة، ولكنهم يتعامون ويتجاهلون، ويسكتون ويصمتون، أو ربما أنهم يتعاونون ويتآمرون.

لم نسمع مسؤولاً عربياً يستنكر، ولا حاكماً يدعو إلى سرعة التحرك ووجوب التضامن، رغم أنهم يقفون على المنابر كل يوم، ويتحدثون في كل المناسبات، ويتناولون مختلف القضايا، وتنقل وسائل الإعلام تصريحاتهم وأقوالهم، وتغطي أنشطتهم وفعالياتهم، وزياراتهم وافطاراتهم، ولكن محنة الفلسطينيين لم تصلهم، وانتفاضة القدس والضفة لم تحركهم، وثورة الأهل في الجليل والمثلث لم تشجعهم، وأنهم لم يروا من الأحداث سوى اختطاف المستوطنين الثلاثة، وهم جنودٌ غزاة، وقتلة عتاة، بينما تجاهلت عيونهم صورة الفتى محمد أبو خضير، الخارج من صلاة الفجر، وهو يصطلي ناراً، ويحترق حياً.

طالع أيضا  غزة تحت النار.. الشركاء في العدوان على غزة

لا أريد أن أصدق أحداً من الإسرائيليين فكلهم كاذبين ولو صدقوا، وإن هم تحدثوا فلن يقولوا إلا ما ينفعهم ويضرنا، وما يسرهم ويسيئ إلينا، فموقع ديبكا الاستخباراتي الإسرائيلي يقول، أن الحكومة الإسرائيلية أعلمت أنظمةً عربية بنيتها الهجوم على قطاع غزة، وأن قادةً عرباً يتفهمون مبررات الحملة الإسرائيلية، وأنهم أعطوا الموافقة المبدئية على العدوان، إذ أنهم يعتقدون بصدق الرواية الإسرائيلية، ويسمعون لشكواهم، بأن المقاومة الفلسطينية هي التي جرت الكيان الصهيوني إلى هذا الإجراء، وأنها بعملياتها قد حشرته في الزاوية، فما كان أمامه إلا أن يخرج للدفاع عن نفسه، وحماية شعبه.

مسؤولٌ إسرائيليٌ آخرٌ، مشهودٌ له بالكذب، ومعروفٌ بينهم بالتطرف، يقول بأن بعض الأنظمة العربية فرحة لما يجري في قطاع غزة، بل إنها تحبس أنفاسها، وتنتظر بفارغ الصبر إنهيار حركة حماس، وتفكك قوتها، وانتهاء عصرها، وأفول نجمها، وقد أعياهم تفكيكها، فلا سبيل لإسقاطها بغير القوة، فقد أرهقهم وجودها، وأتعبهم صمودها، وأحرجهم ثباتها، وأزعجهم انتماؤها، فكان رحيلها هو الخيار الأفضل، والحل الأمثل.

الإسرائيليون أعداؤنا، يكذبون ولا يصدقون، ويكرهوننا ولا يحبون، ولكنهم يقولون أحياناً ما لا يقوى غيرهم على قوله، أو يسقط من بين كلماتهم ما يفضح، ويبين من ثنايا حديثهم ما يكشف، فلا يوجد من الأنظمة العربية اليوم من يقف إلى جوارنا، وينتصر لنا، ويستعد للدفاع عنا، أو يعمل لوقف العدوان الإسرائيلي علينا، فهم إما صامتون أو يتآمرون، وساكتون أو يتعاونون، وعاجزون أو يدعمون، وفرحون أو يشمتون.

قاعدة زيكيم البحرية

أياً كانت نتائج عملية اقتحام قاعدة زيكيم البحرية الإسرائيلية، من قبل عناصر كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، فإنها تعتبر بكل المقاييس العسكرية عمليةً نوعية، واختراقاً خطيراً لأمن الكيان، وعمليةً جديدة مبتكرة، أربكت العدو وأحدثت في مستوياته القيادية السياسية والعسكرية اضطراباً، وجعلته يتحسس الضربات من كل مكان، ويتوقعها من حيث لا يحتسب، وقد اعترف قادة جيش العدو بهذا الخرق، وسلموا بقدرة المقاومة على تجاوز الخطوط الحمراء، وتحدي كل الإجراءات الأمنية.

طالع أيضا  غزة تحت النار (1)

إذ تمكنت المقاومة الفلسطينية من التسلل خلف خطوط النار، واقتحام واحدة من أكبر القواعد البحرية الحربية الإسرائيلية، في عمليةٍ جديدةٍ غير مسبوقة، ومغامرة ناجحة مدروسة، قامت بها ثلةٌ من مقاومة البحرية، التي كانت تعمل بصمت، وتعد وتجهز بليل، ولا تسلط الضوء على أعمالها، ولا تفضح خططها، ولا تكشف عن نواياها، حتى كانت عمليتها الأولى التي بينت للعدو الصهيوني أن بنك أهداف المقاومة كبير، وأنه يزخر بالأهداف الحيوية والخطيرة، وتلك التي يظنها محصنةً ومنيعة، وعنده الكثير مما رصدته وحددت مكانه استخبارات المقاومة العسكرية، وعينت احداثياته بدقة، ووضعت له الخطط المناسبة، قصفاً أو اقتحاماً، في الوقت المناسب، والظرف المواتي.

قاعدة زيكيم الحربية تقع قريباً من قطاع غزة، وتبعد عن حدوده الشمالية خمسة عشر كيلو متراً، وهي قاعدة تخضع لإجراءاتٍ أمنية مستحكمة جداً، وتحميها طائرات استطلاع، ومناطيد مراقبة، ودورياتٌ راجلة وأخرى محمولة، وهي القاعدة التي تشرف دورياتها الأمنية، وزوارقها الحربية على أعمال التمشيط البحري، وملاحقة الصيادين الفلسطينيين، وإغراق مراكبهم، واعتقالهم والتضييق عليهم، وحرمانهم من حقهم الصيد، وما زالت تضيق عليهم، وتقلص المسافة المسموح للصيادين بدخولها إلى ثلاثة أميالٍ بحرية.

نجاح فرقة الكوماندوز البحرية الفلسطينية في اقتحام قاعدة زيكيم العسكرية، لا تدل على القدرة والكفاءة التي باتت تتحلى بها المقاومة، ولا تشير إلى نوعية العملية وخطورتها، والتحدي الكبير في تجاوز تحصيناتها، والنجاح في الدخول إليها والاشتباك مع عناصرها، وتسجيل إصاباتٍ حقيقية في صفوفها، قتلاً أو إصابة، رعباً أو فزعاً، وغير ذلك مما يمكن أن يقال في وصف عمليةٍ نوعيةٍ ناجحة، تمت خلف خطوط النار ولكن تحت النار، في وقت ذروة الاستنفار، وقمة الجهوزية والاستعداد.

لكن هذه العملية تحمل معها رسالةً واضحة إلى الكيان الصهيوني والعالم كله، أن الفلسطينيين لن يتوقفوا عن المقاومة، ولن يكفوا عن التفكير في وسائل مختلفة، وسبل إبداعية جديدة، من أجل كسر العدو وإلحاق الهزيمة به، وتحرير الأرض واستعادة الحقوق، فهذا وعدٌ قطعه الفلسطينيون على أنفسهم، ولن يضعفهم بطش الاحتلال، ولا غزارة نيرانه، ولا آلياته ودباباته وطائراته، ولن يتمكن باعتداءاته وحروبه من كسر إرادة هذا الشعب الجبار، ومنعه من استمرار المقاومة، ومواصلة الجهاد، حتى يتحقق وعد الله لهم، بالعودة والتحرير، وإنه لجهادُ نصرٍ أو استشهاد.