سؤال بات يطرح نفسه بإلحاح على الجميع، محللين وخبراء في علوم السياسة والاجتماع والتاريخ، في ظل ما يحلو للكثير أن يسميه بانتكاسة الربيع العربي، الذي تحول سريعا في رأيهم إلى خريف قفزا على فصل الحصاد، وذلك بفعل عواصف هوجاء مدمرة، أتلفت الورود التي كانت بمثابة أرحام تحتضن الثمرات الطيبة المنتظرة.

يضاف إلى ذلك تساؤل عما إذا كان فريق الكرامة كان قد أجرى ما يكفي من التدريبات وبات على أتم استعداد لمنازلة المهانة قبل ولوج الميادين؟ أم جيء به فجأة وكأنه في مباراة ودية لا تعني نتيجتها بالنسبة إليه الشيء الكثير، ويكفي أن يتمكن من صنع فرجة مؤقتة ثم ينصرف الجمهور إلى حين؟

إن ما حدث في البلاد العربية والإسلامية من انتفاضات جماهيرية لم يكن بدعا من سنن التدافع بين قوى الاستمساك بالفساد والاستبداد وقوى السعي للإصلاح والانعتاق، بل هي أحداث منسجمة مع قانون الضغط والانفجار، فقد راكمت هذه البلدان المنكوبة بفعل سياسات حكامها ما يكفي من التفقير والتجهيل والتهميش وغيرها من ألوان الإهانة والمهانة لكي ينفذ الصبر ويستحيل التحمل، ولتكون النتيجة هذا الانفجار الهائل في وجوه الطغاة الظالمين الجالسين على العروش القابضين على القروش.

غير أن عين الملاحظ الناقد الذكي لا تخطئ كون النسيج المجتمعي المدني في هذه البلدان لما يصل بعد إلى مرحلة متقدمة من التفاهم على الأولويات، ثم التوافق والتطاوع، فبالأحرى الانسجام والتناسق لتدبير مراحل ما بعد الإطاحة برمز الاستبداد، لذلك سقط الرمز ولم تلبث الفرحة التلقائية للجماهير ونشوتها بالانتصار إلا قليلا، حتى جد الجد ودقت ساعة كشف الكثير من الحقائق المؤلمة حول الخلافات العميقة بين من كان يفترض منهم أن يتآلفوا وينتظموا لقطع الطريق على بقايا النظام المتجذرة في مختلف مفاصل الدولة وعلى التدخلات الأجنبية الماكرة المتربصة، سقط الصنم، لكن الفرقاء الذين جمعتهم مهمة إسقاطه لم يحسبوا حسابا دقيقا لاستحقاقات ما بعد العملية الناجحة ظاهريا، وهو ما سمح لأزلام النظام المتصدع وبلاطجته بأن يستجمعوا الجهود ويعبؤوا الحشود لأجل الترميم السريع والعودة إلى الحلبة من جديد، وضرب آمال الأمة بيد من حديد.

لقد فرض نادي المهانة على الحلبة سيطرة شبه مطلقة طوال قرون من الزمان، وما أن انتفض اتحاد الكرامة تسانده وتشجعه ملايين المضطهدين والمظلومين حتى سجل نقاطا ثمينة على خصمه في أطوار الربيع العربي الإسلامي، لكن الخصم لم يستسلم للضربات الموجعة، بل استجمع قواته وأمنت له قوى الاستكبار والبغي والعدوان طرق الإمداد والسند، فعاد مرة أخرى لفرض مهانته المعهودة في جل ميادين المنافسة.

هكذا شاءت الأقدار أن تمضي أحداث الشوط الأول والثاني من المباراة التاريخية الشائقة الشرسة بين فريقي اتحاد الكرامة ونادي المهانة، ولما يطلق الحكم صفارة نهايتهما بعد، وهناك أشواط أخرى تنتظر حلولها لم يحدد حينها ومدتها وعددها بعد، ومن المؤكد أن النتيجة الفاصلة لن تخرج عن سنة الله في التدافع بين الخير والشر، بين الظالم والمظلوم، ولن تخرج عن مقتضيات قوله عز من قائل في الآية 61 من سورة الأنفال: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم. أرجو من القراء الأعزاء التأمل والتدبر في المعاني الواقعية العملية الميدانية لهذه الآية الكريمة من القرآن الكريم، كتاب الله تبارك وتعالى المنزل على عبده وحبيبه وخاتم أنبيائه سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وحزبه وسلم، ليكون سنة كونية وشريعة ربانية لكل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، إعداد المستطاع من العدة، إرهاب العدو المعلوم الظاهر، وغير المعلوم والمنافق المساند للعدو في الخفاء أو في العلن، اقرأوا أحبتي معاني هذه الآية الكريمة في أحداث مصر الحبيبة وفي غيرها من بلاد الانتفاضات الشعبية البطولية.

نختم بقول الله عز وجل بشارةً للمؤمنين وللمستضعفين في الآية 53 من سورة النور، وهي نور للموقنين: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا صدق الله العظيم.