صيام شهر رمضان هدية ربانية كريمة من الكريم سبحانه، إرضاء لنبيه وحبيبه، تحقيقا لوعد: ولسوف يعطيك ربك فترضى (الضحى 5). وحثا منه صلى الله عليه وسلم على اغتنام موسم الرحمات والمغفرة، خطب في آخر يوم من شعبان خطبته المشهورة بمطلعها: “أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم”، فوضح قيمة هذا الشهر الفضيل، وقسّم صلى الله عليه وسلم شهر رمضان إلى عشر ثلاث، قائلا: “هو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار”.

ها نحن أولاء معشر إخوان رسول الله على مشارف انصرام عشر الرحمة، فهلا وقفنا لحظة لتقييم حصيلتنا الإيمانية من هذه العشر، لِنجدَّ ونجتهد أو نضاعف الجهد عسى نستدركُ ما ضاع؟

حريّ بمن ارتفعت منه الهمة واليقظة القلبية ورشح نفسه لجائزة الرحمن: رضا الله تعالى وعتق من النار، أن يجالسها في لحظة صفاء يرصد تجليات رحمة العشر الأوائل، في نفسه وسلوكه وإقباله على مولاه في عبادة أرادها سبحانه أن تكون له. وفي الحديث: “كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فهو لي وأنا أجزي به”. يقول عز سلطانه يوم عيد الفطر، والمسلمون في مصلاهم، مخاطبا الملائكة: “أشهدكم يا ملائكتي، أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم شهر رمضان وقيامهم رضاي ومغفرتي”.

وفي عشر الرحمة التي تكفل الحق سبحانه بتوفير أسباب الإقبال عليه، ففتح أبواب الجنان، وأوصد مداخل النيران، وصفّد مردة الشياطين من الجان، حتى لا يفسدوا على أمة حبيبه صيامهم، ما حظي وحظك، أخي الصائم أختي الصائمة، من خصلة الرحمة تحديدا باعتبارها عنوان العشر الأوائل؟

ـ على مستوى النفس: هل رحمتُ نفسي، فخففتها من أعباء يومية تثقلها على الإقبال على مولاها، فحضرت الصلوات الخمس المفروضة في المسجد بما يلزم من طمأنينة وحضور قلبي؟ أم إن الصلاة ما زالت على هامش الاهتمامات، تؤدى في الوقت “الميت”، بعدما يأخذ العياء والتعب من النفس كل مأخذ؟

هل رحمت نفسي، وجدولت التزاماتي توفيرا لطاقة ووقت أقبل فيه على كتاب ربي تلاوة وتجويدا وتفسيرا وتدبرا، وأجتهد في الختمات؟ وكيف تتفاعل نفسي المتكاسلة وهي تسمع خبر الرجال يختمون القرآن يوميا؟

هل رحمت نفسي، وأرجأت من الأعمال ما يحتمل الإرجاء، لأغنم سويعات قياما بين يديه سبحانه وتعالى تعرضا لأنوار صلاة الليل، وترشحا لفيوضات عطايا السحَـر؟

ـ على مستوى الأهل والعيال: هل هذب الصيام، أو بدأ يهذب طبع نفس حادا يشكو منه الأهل والعيال، وغدوت لطيف المعشر هيّنا ليِّنا يشتاق أهلي وعيالـي لعودتي إلى البيت وقدومي عليهم؟ ومع هذا اللين واللطف، ما حظك أخي الصائم أختي الصائمة، من صفة الكرم والتوسعة على العيال؟ ألم يخبر صلى الله عليه وسلم أن رمضان شهـرٌ يزداد فيه رزق المؤمن)؟

ـ على مستوى المجتمع: وحيث إن رمضان شهرُ الصبر، والصبرُ رحمة، وحيث إن رمضان شهر المواساة، والمواساة عين الرحمة، وحيث إن رمضان شهر التخفيف على العباد، والتخفيف أس الرحمة؛ إذن، ما حظي من هذا كله، صبرا واحتمالا لما يستفز ويُغضب، ومواساة وتخفيفا على المستضعفين من عباد الله؟

وعلى سبيل الخلاصة، هل ترجم رصيدي من هذه العشر الأوائل يقظة قلبية وإقبالا على الطاعات وانخراطا في البرنامج التربوي لرمضان، وبدأت أشعر بحلاوة العبادة، أم إنني ما زلت أبحث عن “خطة” للتعامل مع الصيام؟ هل تجاوب كياني مع أنوار الصيام وتجاوزت مرحلة التحميل إلى التنفيذ، أم أنّـي ممن يستثقلون ساعات الصيام ويستبطئون وقت أذان المغرب؟ هل اندمجت مشاعري ووجداني مع القيام سابحا في بحور الأنوار القرآنية، أم إنني ممن يعُدون الركعات عدّا ويتضجرون من ترتيل الإمام؟

أجل، لا صبر إلا بتصبر، ولا حصيلة إيمانية إلا بمجاهدة النفس، والمهم هو عقد العزم على الإقبال على الله في موسم المغفرة، عسى يتخفف المرء من ذنوب كبلت إرادته، وأدران قلبٍ حجبت عنه الأنوار؛ ومع العقد والعزم الدعاء بكاءً على المولى الكريم، فالتوفيق منه سبحانه، وإنما يحاسب المرء على نيته، فالأعمال بداية ونهاية بالنيات، وعلى قدر الاستعداد والإلحاح في السؤال والطلب يؤتى المؤمن والمؤمنة.

عشر رحمة تؤهلنا ـ معشر الصائمين والصائمات ـ متى وُفقنا لرصيد إيماني أن نترشح لخوض عشر المغفرة، التي تُفضي بنا ـ بتوفيق من الكريم ـ إلى عشر العتق من النار، تُتوّج إن شاء الله بنداء الرحمن الرحيم مخاطبا عباده الصائمين يوم عيد الفطر وهم في المصليات: “فوَعِزّتي وجلالي، لأسترَنّ عليكم عثراتِكم ما راقبتموني. وعزّتي وجلالي، لا أخزيكم ولا أفضحكم بين أصحاب الحدود. انصرفوا مغفورا لكم، قد أرضيتموني ورضِيتُ عنكم”.