توطئة

في شهر شعبان 480 هـ/1087 م استشهد أبو بكر بن عمر اللمتوني 1 زعيم المرابطين رحمه الله بعد مسيرة دعوية جهادية، عمل فيها على نشر الإسلام في غرب ووسط إفريقيا. قبل استشهاده تخلى عن حكم الدولة المرابطية الناشئة لصالح ابن عمه يوسف بن تاشفين، لما رأى فيه من خصال الشجاعة والعدل والورع وسداد الرأي 2 . كان اختيار يوسف للحكم في زمن عصيب تمزقت فيه أوصال الأمة الإسلام ية بين ملوك طوائف متصارعين في الأندلس ومشرق إسلامي يقف على بواكير الحملات الصليبية، فساقته الأقدار ليحمل مشعل توحيد الأمة الإسلام ية واسترداد هيبتها الضائعة.

يوسف في صحبة عبد الله بن ياسين

تتلمذ يوسف بن تاشفين على يد عبد الله بن ياسين رحمه الله إمام المرابطين وتلميذ وجاج بن زلو اللمطي شيخ دار المرابطين بسوس وأحد تلاميذ العالم المالكي أبي عمران الفاسي رحمه الله، واضع الخطوط العريضة لتأسيس الدولة المرابطية السنية بالغرب الإسلامي. عمل عبد الله بن ياسين على تعليم يوسف الدين والسياسة الشرعية في رباط أسسه بنهر السنغال لتربية القلوب وتوحيد الصفوف لمواجهة الباطل. فتربى بذلك يوسف في قلب الصحراء على حسن صلته بربه، فكان له حظ من القرآن والصيام والقيام والانفاق في سبيل الله، فنشأ بذلك نشأة إيمانية جهادية في قمة الصفاء الروحي 3 سوي النفس قوي العزيمة للجهاد في سبيل الله وتوحيد الأمة.

معالم القيادة واستحقاق الحكم في سيرته

تميز يوسف بن تاشفين بإيمانه الصادق وعمله الدائب لصالح المسلمين، وعرف عنه تمسكه بناموس العدل والسير على جادة الحق 4 ، فقد كان يتفقد أحوال الرعية بنفسه ويسأل عن سيرة العمال والقضاة، فأظهر للدين المعالم ورفع المظالم، فعندما عهد إليه أمير المرابطين وإمامهم – أبو بكر بن عمر – قيادة الجيش ليتفرغ هو لنشر الإسلام في أقاصي إفريقيا، أظهر ابن تاشفين الحنكة والشجاعة والحكمة في قيادته، وبعد بضع سنين، عاد أبوبكر بن عمر ليرى النجاح الكبير الذي حققه ابن عمه فارتأى أن يدعه يواصل العمل الجيد الذي يقوم به فتخلى له عن الحكم 5 .

فكانت له رحمه الله في حكمه يد بيضاء على الإسلام والمسلمين خاصة أهل الأندلس المحاصرين.

رؤية الفجر وتباشير النصر في معركة “الزلاقة”

تمثلت في يوسف بن تاشفين صفات المؤمنين الذين كان حقا على الله نصرهم، فقد كتب المؤرخون عن خصاله من زهد وورع وعزة نفس وخوف من الله. يذكر الداعية المؤرخ راغب السرجاني 6 أن يوسف بن تاشفين في معركة “الزلاقة” التي مددت عمر الإسلام في الأندلس قرونا من الزمان، تلقى بشارة النصر في المعركة من رؤية لشيخ ورع في معسكره يسمى “ابن رميلة” رأى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم يناديه: “يا ابن رميلة إنكم لمنصورون وإنكم لملاقونا” ولشدة فرحه بالرؤية أيقظ يوسف بن تاشفين وقادة جيشه ليبشرهم ببشرى النصر التي بشره بها الرسول صلى الله عليه وسلم، فكانت وقائع المعركة وكان الانتصار ساحقا للمسلمين.

الإمبراطوية المرابطية في عهده: التوسع والامتداد

آمن يوسف بن تاشفين بوحدة الأمة الإسلامية، فبذل ما في وسعه لتوحيدها كي يتأتى له مواجهة العدو الخارجي المتمثل في المد الصليبي، فبعد توحيده للمغرب الأقصى ومده للإسلام نحو أقاصي إفريقيا، عبر يوسف بن تاشفين إلى الأندلس عبورا متكررا بدعوة من أهلها بعد تسلط النصارى عليهم لضعف شوكة حكامها في أربع جوازات لنصرة المسلمين المحاصرين فيها، فانتصر في معركة الزلاقة الشهيرة سنة 479 هـ انتصارا عظيما انبجست به غيوم الهوان عن مسلمي الأندلس، لكن نشوة الانتصار لم تدم طويلا أمام تصارع ملوك الطوائف وعودتهم إلى التحالف مع النصارى، فعاد يوسف مرة ثانية وثالثة للأندلس 7 ، قبل أن يقتنع بضرورة التخلص من جذور الداء وهم ملوك الطوائف بعدما أفتاه العلماء في ذلك كالغزالي والطرطوشي رحمهما الله. فتمكن بعد القضاء عليهم من تكوين إمبراطورية إسلامية عظمى تمتد من الأندلس شمالا إلى أقاصي إفريقيا غربا تابعة لقيادته في مراكش.

يوسف بن تاشفين الحصيلة والإنجازات

نقل يوسف بن تاشفين المغرب من التشرذم إلى الوحدة السياسية ومن الصراع المذهبي إلى وحدة المذهب -المالكي- ومن الضعف الاقتصادي إلى قوته 8 ، ويعد ضمه للأندلس من أعظم أعماله، التي حفظت الأندلس من الضياع والأمة من الشتات. أرسى إلى جانب ذلك نظام حكم عادل فنسب إليه المؤرخون العدل في حكم الرعية حيث رفع المظالم وأظهر للدين المعالم وأبعد عنه المفسدين واستبدلهم بالصالحين 9 ، خطط للدولة المرابطية وأشرف على تنفيذ حكم الله فأحبه المرابطون والتفوا حوله، وتطايرت الركبان في نشر سيرته وعدله وأحبه المسلمون 10 .

خاتمة

رحل يوسف بن تاشفين بالدعوة المرابطية من مرحلة التعريف التي سهر عليها عبد الله بن ياسين 11 في رباطه بنهر السنغال بعدما تملك الخطوط العريضة لبناء الدولة المرابطية التي وضعها يحيى بن عمر الجدالي وأبو عمران الفاسي رحمهما الله وجاهد من أجلها أبو بكر بن عمراللمتوني، إلى مرحلة التمكين، فكان خير خلف لخير سلف في النهج والأثر، حيث أكمل المهمة ووحد المغرب سياسيا ومذهبيا وجاهد من أجل وحدة الأمة وعدته في ذلك ايمانه الصادق ونيته الخالصة لله 12 ، فانبسط العدل وانقبض الجور وانتشرت الفضائل وانزوت الرذائل في عصره، ولم يغير وقوفه على سلطة أكبر إمبراطورية إسلامية في القرن الخامس الهجري تعد منتهى التوسع الترابي للدولة المغربية من مبادئه فبقي زاهدا ورعا متقشفا على ما فتح الله له من الدنيا، فالذين ضحوا وبذلوا وجاهدوا استطاعوا أن يغيروا مجرى التاريخ ويبدلوا أفكار ومبادئ البشر الأرضية بمبادئ سامية ربانية 13 .


[1] “بن تاشفين موحد المغرب والأندلس” مقال محمد ياسر الهلالي، مجلة زمان، ع6، 2014، ص35.\
[2] فقه التمكين عند دولة المرابطين، علي محمد الصلابي، دار ابن الجوزي، القاهرة، 2007، ص54.\
[3] ن. م، ص38.\
[4] “ظاهرة استبداد الدولة في العصر المرابطي” مقال ابراهيم القادري بوتشيش، مجلة أمل، ع21، 2000 ص128.\
[5] “بين يوسف بن تاشفين وصلاح الدين الأيوبي” مقال علي القاسمي، مجلة التاريخ العربي، ع17، ج13، 2001.\
[6] دولة المرابطين، راغب السرجاني، موقع قصة الإسلام http://islamstory.com/ar/\
[7] “بين يوسف بن تاشفين وصلاح الدين الأيوبي” م.س، ج13.\
[8] “بن تاشفين موحد المغرب والأندلس” م.س، ص35.\
[9] “ظاهرة استبداد الدولة في العصر المرابطي” م.س، ص128.\
[10] فقه التمكين عند دولة المرابطين، م.س، ص184.\
[11] ن. م، ص52.\
[12] “بين يوسف بن تاشفين وصلاح الدين الأيوبي” م. س، ج13.\
[13] “فقه التمكين عند دولة المرابطين”، ن.م، ص31.\