بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه

أما بعد فقد كتبت هذه المقالة يوم الجلسةِ الابتدائيةِ الثانية بعد الابتدائية الأولى وما أعقبها من استئنافٍ ونقد وتنازل ومراجعة، وعنَّ لي بعد كتابتها أن أتمهَّلَ في عرضها على الرأي العام قبلَ التداولِ وإصدار الأحكام.

اليوم وقد صدر الحكمُ عليَّ بالتعويض والغرامات والسَّحب والاعتذار والإخبار، هاأنذا أعتذر وأُخبِر. أعتذر للدين والعدل والقِيم والمروءات والأخلاق وكلِّ شيء أصيل وجميل ونبيل هاجر هذا البلد مع من هاجر التماسا لما لم يجدهُ في بلدِه عسى أن يجدَهُ في بلدان النجاشيين الجُدُد، وأُخبِرُهم بالحُكمِ الصادرِ في حقي والذي أرجو أن أستأنِفهُ عند الملِكِ الحَكَمِ العَدْلِ قبل أن تستأنفهُ هيأةُ الدفاع عني جزاها الله خيرا في دنيا الناس أمام قضاء الناس. وإلى من يُهمهم الأمر بعد الإعتذار والإخبار هذا الحوار.

لا يحمل همِّيَّ ولا يَشْعُر بآلَامِيَه إلا أُمّي والأُمّة الخيرية

قالت لي أمي: كيف مرَّت جلسة محاكمتك اليوم؟ لعلّها كانت مِسك الختام.

قلت: المسرحيات ثلاثة فصول، وهؤلاء زادوا الرابعة فجعلوها، بعد الابتدائية والاستئناف والنقض، مُراجعة.

قالت: وكم سنة استغرقَت فصول هذه المسرحية؟

قلت: أربع سنوات كما مونديال كرة القدم، استِئناسا بمعنى القذف، وبعد أسبوعين سيكون الحكم النهائي.

قالت: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ، ونهاية الحكم لن تكون إلا عنده، وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ.

قلت: سبحان الله! هذه كانت آخر آية ختَمْت بها حِزْبَيْ تلاوتي لهذا الفجر.

قالت: إشارة بشارة، وبشّر المؤمنين.

قلت: كان فريق الدفاع عني من البيضاء.

قالت: إشارة بشارة أخرى، وهل يزيغ عنها إلا هالِكٌ؟

قلت: لم يُقصِّروا في دفوعهم ودفاعهم جزاهم الله خيرا.

قالت: شهادة صدق وكلمة حق، والأجر جزيل ممّن يُحقُّ الحقّ ويحب الصادقين إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا.

قلت: كانوا كثرة هذه المرّة مَن دافعوا عنه ورافَعوا ضِدّي.

قالت: لا تُخِفكَ كثرتُهم؛ جعجعةٌ وغثاء، ولا يُحزِنكَ أن أجمعوا أمرهم؛ زبَدٌ يذهب جُفاء.

قلت: لو ترَيْن يا أمي كيف انقلبت الموازين وتردَّتِ المعايير؛ نعتوني بالظالم، والشاعِرِ الجاهلي، والهجَّاءِ البذيء الـمُسيء، وما لا يُحصى من الشّتائم.

قالت: كلّ إناء ينضَح بما فيه فلا تخف في الله لومة لائم.

قلت: آلـمَني أن تؤول مهمّة المحاماة عند بعضهم، وشرفاء المهنة كثير، إلى مهزلة وحميّة ومحاباة واستقواء ببذلة العدل، وما تُتيحه القاعاتُ والساعاتُ من مُرافعات فيها حرية التعبير مكفولة بلا حساب، ولا اعتبار ولا مراعاة للدّين والأخلاق والقِيَمِ والمروءات…

قالت: تَحْسبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى والدعاء يُغيّر القضاء، لا يُغيّر القضاء إلا الدعاء.

قلت: التمَسَ مني بعض الطيّبين ألا أتكلّم عن هذا العِداء، فالصمت حكمة في هذه الأجواء.

قالت: الساكت عن الحق شيطان أخرس، نسكُت نحن ويتكلم الظالمون وأعوان الظالمين، هذا جُبن وغباء.

قلت: صدَقْتِ، هذا ما كان يقوله مرشدنا رحمه الله، وما سطّرَه الإمام المجدّد في منهاجه النبوي كلمة سواء: ما ينبغي لنا أن نسكُتَ ويغتَنِم الأعداءُ سُكوتنا ليتّهِمونا بالغموض والتخلّف الفكريّ ولينسِبوا لنا ما شاؤوا من تُهَم الإرهاب والتآمر، وما ينبغي لنا أن نخاف من تَبِعات الكلمة الصريحة المسؤولة، فإنما ذل المسلمون من غياب هذه الكلمة).

قالت: رحم الله من قال، ورحم الله من سَمِعَ ففعلَ، ما خافَ ولا تراجع ولا استقال.

قلت: سَمِعَتْ زوجي مَنْ تقول في المقاعد الخلفية من قاعة المحكمة: “الله ياخذ الحق من الظالم؛ “الجنازة حامية والميت فار”. قضايانا، وقضايا فلذات أكبادنا المصيرية معلقة في قاعة الانتظار، وهم يحاكمون الأشعار، ويتحدّثون عن أسرار اللغة وفنونِ التعبير، والهجاء والرثاء، وتأويل من أوَّلَ كلام من كَنَّى ورَمَّزَ وانزاحَ واستعار”، والمجرمون الحقيقيون يصولون ويجولون في كلّ مكان، قتَلَة وسرّاقاً وتجّار مخدّرات ومُحرّمات وما شِئْت من المظالم والفظاعات، لا من يجرُؤ على اتهامهم، وإن اتُّهِموا لم يُحاكَموا، وإن حوكِموا بُرِّئوا، وإن سُجِنوا أُطلِق سراحهم بعفو أو كفالة. والمستضعفون لا ناصر لهم إلاّ الله. حسبنا ونعم الوكيل.

قالت أمي: لا يريدون أن يتكلّم أحد من أهل العدل والإحسان فينْهَى عمّا هم فيه من الفحشاء والمنكر والبغي يعظهم لعلهم يتذكرون. ومن لم يُكمَّمْ فاهُ، حاكموه بوشاية كذب وزور من واش مأجور مأزور وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ، وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ.

قلت: هذا دأبهم على مرّ الدّهور وكرِّ العصور.

قالت: أفعالُهم وردود أفعالِهِم تكشف المستور ما بين آمرٍ ومأمور.

قلت: تركوا لي كلمة أخيرة بعد أن قذَفوني على مرأى ومسمع من القاضي، ووكيل النيابة العامة، وكاتب الضبطِ، وكل الحضور بما يستحيي ذو جَنانٍ أن يقبلَه، وذو عقل أن يعقله، وذو لسان أن يقوله، وكأنّ الواحدَ منهم يحدّث نفسه أمام المرآة، ويُكيلُ لها ما هي أهلٌ له، حتى إنّ أحدَهم اعتبر ما ذُكِر مِن وحوش ضَوارٍ، ومن ثعبان ماكر في قصيدتي تعبيرا عن بيئة جاهلية، والشاعر ابن بيئته، فهو يتحدّث عما فيها.

قالت أمي: صدَق، وهل بيئتهم التي نعيش بين أحضانها ونُعبّر عمّا فيها إلاّ بيئة وحوش مُفترسة، وثعابين عجوز ماكرة؟! أعني “وحوش” الاستبداد و”ثعابين” الفساد، فإن كان يقصد أهلَك وجيرانك وزملاءك وتلاميذك وأبناء حيّك وأطهار بلدك الطيّب الأجداد، الباهر الأمجاد، فحاشاه، أليس هذا قذفا لأخيار أنّى له أن يحظى بشمّ رائحة تُرب الأرض المباركة التي يمشون عليها، وأن يسمع وَجَع تُراب البلد الطيّب الذي يئِنّ مِن وطء أقدامه وأقدام أمثاله الذين يمشون على الأرض مرحا مُختالين فخورين، ومُخاتِلين مغرورين.

ثم قالت: وماذا قُلتَ في كلمتك الأخيرة، لعلها كانت قصيرة غير مُقصِّرَة.

قلت: حمِدتُ الله حمدا يليق بجلاله وعظيم شأنه، وصلَّيْتُ على رسوله صلاة مُحِبٍ مُعظّم لجنابِهِ، مُقِرٍّ بتقصيره، مُعترف بامتنانه، ثم قلت: مهما يكن من عشرات الخروقات التي شابت صكوك الاتهام، وتكييفَهُ باستعجال وارتجال أدان بأرقام غيرِ الأرقام، جانبت صريح الدستور والقوانين، وقد أفاض من دافعوا عني بدفوعات تُبطِلُ قانونية المحاكمة ومشروعيتها أصلا، وتفتِلُ في حبلِ القضاء النزيهِ الذي نقضَها فعلا، وتنازُلِ المُطالبين بالحق المدني لاكتشافِهم أن قولَهم وفِعلَهم عبثٌ، فالتمسوا الانخراط في سِلكِ الفضلاء المنزَّهين عن العبث عملا، ورغم أني لم أنشر هذه القصيدة في موقع الجماعة، بل نشرها من أفراد عائلةِ المختطفين السبعة من رآها مُؤازِرا لهم بمُحتَرَمٍ غيرٍ قاذِفٍ ولا مُجَرَّم، ولم يستأذني في ذلك، ورغم أنه ليس من المقبولِ شرعا، ولا من المعقولِ قانونا وعرفا وأدبا أن أُحاكم بموجِبِ تذييل من ذيَّلّ، وتأويل من أوَّل، ونَشْرِ من نشر ونقل، وإلا جاز أن يُتابِعَ الغاوون الشعراء بما يحلو لهم من التذييلات المُسِفَّة، والتأويلات المُعتسفة.. رغم كلِّ هذا فإني لا أرى هذه المحاكمة إلا سُبَّةً وعارا في جبين دعوى دولة الحق والقانون، ورعاية الحقوق، وحماية الحريات، وتحقيق العدل والمساواة… وهي لا تُشرِّف أحدا كان من كان؛ لا تُشَرّف الـمُشتكَى بهِ، والمـُشتكى إليه، ولا حتى الـمُشتكي إن استيقظ له ضمير، وفَطِنَ لما فعل، واستقذَرَ ما جَّرّ إليه فعله من إضرار وتغرير. فالقصيدة مجردُ إخبارٍ عما أخبَرَت عنه وسائلُ الإعلام، وأصبح متداولا بين الخاصِ والعام، وإن جازَ أن نُشير بإِصبَعِ الاتِّهام لأحد فلنقصد به من أخبر أوَّلَ مرة، وليست هذه القصيدة قَطعًا في غرضِ الهجاء، فمن اعتبر نفسه مقذوفا فهو مقذوفٌ أصلا وفعلا ولا يليق بي أن أقذِفَ مقذوفا تحصيل حاصل، وليس من أغراض شعري الهِجَاء، وهل ثمّة من يستحقُ أن يُهجى حتى أهجُوَه، وأُسيلَ مدادا طاهرا في نتانةِ صفحاتِهِ المهترئة الملطّخَةِ بالأوحال،ِ ومن وشى بي كانت تربطني به علائق حسنة قبل أن ينكشف سِرّهُ، ويفتضح أمرُهُ، لهذا لا عداوة بيني وبينه حتى أرومَ هجاءه، وإنما القصيدة رِثاءٌ للفضيلةِ والأخلاق والدينِ والعدلِ والحريةِ وكل شيء أصيل ونبيل وجميل في هذا البلد الذي أراد بعض الناس أن يـُمرّغوا وجهه في التراب، وأن يجعلوا سيرتَهُ هدفا يُرمى، ولُقْمة سائغة بين أضراس وأنياب، وهي – أي القصيدة – رثاء لسبعة من الأخيار الأطهار من أُطر الدعوة والدولة الأبرار، قُذِفوا باطلا إلى مخافر، وعُذِّبوا نكالا بما لا يُحصى من أنواع التعذيبِ باطن وظاهر، ولُفِّقت لهم محاضر، وقُذِفوا إلى الغياهب حيث حُكموا بجائر، وظلّوا لسنوات بلا أموال ولا أعمال، وشُوِّهَت سُمعتهم من قِبَل مَن هَبّ ودبَّ وكان عليهم وحدهم تحمُّلُ الخسائر والصوائر، أفبعد هذا لا يستَحِقّ منا حالُهم، وحال الحق والعدل في بلدهم، رثاءً؟ وأما ما اعتبرتموه هجاء فهو وعظٌ خجول مُحتشم، حانٍ مُحترم، غير قاذف ولا مُجرِّم، عامّ لا يعني مَن ضرب وبكى، وسبق وشكى، وكَذِبٌ وزورٌ ما حكى، واعتساف ما أوَّلَه سوءَ فهمٍ أو إفكا، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أو من يعتبر كلّ صَيْحة عليه فهو صنديد عنيد. ثم إنّ بعضهم ممن لهم بضاعة مُزجاة من معرفة الشعر، ودراسته احتفظَت بها ذاكرته منذ أن كان تلميذا أو طالبا، كما اعترف بعظْمَة لسانه، ذكر أنّ البنيوية؛ وهي مدرسة مذهبية في الشعر تميّزَت باعتبار نقد القريض عملية إحصائية لغوية، فتسنّى لها تصنيف الشعر والشعراء من حيث المرجعيات والأغراض بحسب ما ورد في النص من ألفاظ، والمحصي لألفاظ “المُتَّهِمِ المُتَّهَم” يجد أنّ كثيراً من كلمات أبياته مصبوغا بصبغة الهجاء السَّوداء، ونسي المسكين أنّ الشعر الحديث كما تؤكّد البنيوية لا علاقة له بالأغراض الشعرية القديمة، وإنّما هو تعبير عن تجربة ذاتية بطريقة فَنّية. وأنّ الشعر عبارة عن حقول دلالية يُحصى منها كلّ حقل على حدة، ثم ننظر أيّ الحقول الدلالية أكثر هَيْمنة فنميل إلى ترجيح حالة الشاعر النفسية من خلاله، وقصيدة “عجب في رجب”، موضِعَ الاتهام، وإن ورد فيها ألفاظ تشير بالسّلْب، مرماها الرّثاءُ لا هجاء فلان أو عُلان؛ رثاء مَن أوقَع عليهم الضواري كلّ أصناف الإيذاء، فشكا من شكا، وجار من جار، وحكَم مَن حكم، وظلم مَن ظلم، وكلّ طُرُقِ هذا البلاء تؤدّي إلى ما يرومُه الأعداء من تكميم أفواه الشعراء عن غرض الرثاء بله الهجاء.

وكلّ ما فعَلْتُ أنّي تكلَّمتُ عن فعل مرذول بالمبني للمجهول “قيل” فعَرَفَ المجهول نفسه، وأشرتُ بنَكرَةٍ/صفة غازٍ فَعرَّفَ النّكِرَة ذاته، وقلتُ جاحدٌ والجحود في لسان العرب قلة خيرٍ، ونكرانُ فضلٍ وجحود نعمةِ مُنعِم، وألمحتُ إلى ُثعبان؛ والثعبانُ ليس جاسوسا، حاشى لله، فخلْقُ الله من غير الإنسان طيراً كان أو حيوانا أو حشرات أو حيتانا أو زواحِف لم يُخلَق ليتدنّس بهذه الصفة البشرية الخسّيسة التي يُعَدّ وصف غير الإنسان بها افتياتا في حقّه، وقذفاً وسبّاً، أخشى أن يَفهَم عني الثعبان خطأً هذا فيشكو قذفي له صِدقا، وإنّما الثعبان في لغة العرب ولغة الشعر، التي هي منها بمكان، إنّما هو رمز للمكر؛ يقال: أمْكرَ من أفعى) ويدُلُّ على شجاعة في المواجهة بالشرِّ ولهذا سُمّي الثعبان ضمن الأسماء العديدة التي سُمّي بها شُجاعاً، والغزو كما المكر عُملَة لوجهين؛ خير وشرّ، فقد غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم، والـمُحتلّون غُزاة، وأين غَزوٌ من غزوٍ؟! وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ. كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ. إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا. وَأَكِيدُ كَيْدًا. وأما أن يكون المحامي غير مؤتـَمَنٍ، وغير عادِلٍ، فمتى كان المحامي إلها مُنَزّها عن الخطأ؟! وانظر تجِد من المحامين كما من القضاة والأساتذة والأطباء والمهندسين مَن وقَعوا في جرائر وجرائم، وندَّ عنهم ما يندى له الجبين، ومع ذلك لم يقل أحدٌ أنّ المحامي أو غيره من المعصومين، وأنّ بذلتَهُ أو موقعه يعطيه حصانة لا ترقى إليها أصابع الـمُتَّهِمين. ثم إن صاحِبهم قذف سبعة أنا ثامنهم بقذائفِ هَوْنٍ ووهنٍ فهل يمكن اعتبارُ ما قُذِفنا بِهِ قذفا لجميع الأساتذةِ والأطباءِ والصيادِلةِ والتقنيين والإداريين ولكلِ صنفٍ ما يمثلهم من السبعة المختطفين المقذوفين ولا تزرُ وازرةٌ وِزرَ أخرى إن كان وِزرا ما فَعَلَهُ أحدهم إذ لا يجوزُ توقيع العقاب على الجماعة بسبب جُرمِ عضوٍ من أعضائها، كما ليس من العدل في شيء تبرئةُ عضوٍ في جماعة أخرى، إن كانوا هم من الجُرمِ براء ولا عدوان إلا على من ظلم.

لكن ما أعجبني-أمي- في من رافعوا ضدي، ولم يرتفِعوا إلى مستوى بذلتِهِم التي هي تشريف لهم وتكليف، وقَسَمِهم الذي هو عهد وإِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا أمام الناسِ، وأمام ربّ الناس من باب أحرى وأولى، هو أنّ أحَدَهُم لم تُسعِفهُ الحكمةُ خجلا، فتلا قوله تعالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتبعُهُمُ الْغَاوُونَ . أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ . وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ. صدق الله العظيم. صَدَقَ وإن كان الغاوون في هذه النازلة يُتابِعون الشعراء ولا يَتْبَعونهم. صدق وإن كان قرأ هذه الآية من هاتفه فعذَّبها أيّما تعذيب نحوا وصرفا وبلاغة، ولم يكن القرآن وحدَهُ مَن عُذِّبَ في هذه الجلسة، وإن كان أكبرَ ما عُذِّبَ وأشرفَ وأطهَر، وإنّما عُذِّب مع القرآن الشعرُ واللغةُ والقانون، كما عُذّبَتُ الأخلاق والقِيَم والمبادئ والمشاعر… صَدَقَ، خاصة أنه لم يقف عند “ويل للمصلّين”، بل أكمل الآية فكأنما أُنزِلت في ذلك الظرفِ طريةً فاصلة حاكمة ً حاسمة: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ. صدَق وشهِد شاهد من أهْلِها.

لـمَّا تلَوْتُ الآيةَ لم أدْرِ كيف ارتفع صوتي بها عاليا فقال أحدهم: لا يجوز أن يرفع صوتَهُ في المحكمة. قلت في نفسي سبحان الله، لهم أن يرفعوا الأصوات بالخُزعبلات والترّهات والتفاهات لا أحد أسكتهم، وما ينبغي له وما يستطيع، وحرام علينا أن نرفع أصواتنا بالآيات أو نهمِسَ همسا، ولا أن نُدير رأسا، لنُداسَ دسّاً فيذهب حَقُّنا ويضيع. ظلم فظيع، واعتراض شنيع، وإرهاب مُريع.

قالت أمي: وماذا قالوا بعدما سمعوا هذه الآية الكريمة؟

قلت: أرجأوا الحُكمَ إلى ما بعد أسبوعين.

قالت: لعل يومَ النطق بالحكمِ يوافق أيام الرحمة الأولى من رمضان المـُطهِّر، الـمُذكِّر الـمُبشِّر الذي مَن ظلَم فيه ضاعف الله له العقاب، ومن أدركه ولم يُغفَر له فلا غفر الله له. شهر تُصَفَّد فيه الشياطين، وتفتح فيه أبواب الجِنان، وتغلق فيه أبواب النيران، ويقال فيه لباغي الخير أقْبِل، ولباغي الشر أقْصِر.

قلت: إشارة بشارة، وذكرى تنفع المؤمنين. يا لله توافِقُ المراجعةُ بركةَ رمضان ورحمته، كما وافقت براءة النقض وبُطلان المتابعة يوم عرفات؟

قالت: إشارات بشارات. قل لي يا ولدي كيف كانت ملامح وجه القاضي وهو يُصغي إليك؟

قلت: عامَلَني باحترام، ولم يقاطعني عند الكلام، وفي بعض الأحيان كان يقابل ردودي بابتسام، وقد أُمِرْنا بحسن الظنِّ، ومهما يكن من أمر، فالأحكام الجاهزة هي ما تَعَوَّدْنا عليه في جلّ محاكماتنا السابقة، وفي بعضها، وهو قليل، فوجئنا بعدل وإنصاف، لهذا لا ينبغي أن نَقَع في جُرمِ الأحكام الجاهزة، فنَنْهى عن فِعْلٍ ونأتي مثله، فإن أنصَفَنا القضاء، ويستدعي إنصافُه إيانا ما سمع وعِلمَ وشهِدَ، فهذه الأمّة لا ينقطع فيها الخير، ولن نعدِمَ وجود شرفاء مُنصفين في كثير من مؤسساتنا التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإن فُجِعْنا، بما يقضي به علينا الناس، فالله أكبر، والله يحكم بيننا في ما كنا فيه مُختلِفين، هو مولانا نعم المولى ونعم النصير، له الأمر من قبل ومن بعد، لا راد لقضائه، ولا مُعَقّب لحكمه، وهو خير الحاكمين.

قالت: نرضى بالقضاء الإلهي، ونرفُض المقدور البشري، ونَكِلُ أمر مَن قدَّرَ وقضى إلى الله، ونحمد الله على كل حال لا يُحمدُ على مكروه سواه.

قلت: لقد وجَدْتُ، أمّاه، عنَتاً ومشَقَّة في محاولة فَهْم واستِكناه أبعاد ما أكّدوا جميعُهم قوله في نهاية مُرافعاتهم، قالوا إنّني مُجرم مُعترِف بجُرمه، ومُقِرّ بظلمه، وهذا خَبَالٌ من صنع الخيال، وأنني خرَّبتُ بيت “من قذفت” وجعلتُ مكتبَهُ قاعا صفصفا، وشوَّهتُ سُمعتهُ بشعري الذي نظمت و”نشرتُ” في موقعِ الجماعةِ، حيث تَناقلَ الناسُ أخبار ما قلت، والناس إن عَلِموا أنك قريب من “المخزن” وَلَّوْا منك فرارا ومُلِّئوا رُعبا. ولهذا وَجَبَ أن يكون إعادةُ إعمارِ ما خَرَّبت، وتعميرِ ما أخليت من التعويضات التي طالبوا بها أضعاف أضعاف، لو جنحَ الحُكمُ إلى الإنصاف.

قالت أمي: عجبٌ في غير رجب، إن هدَّمَ بيت من الشعر بيتا أُسَرِيا فإنما هو بيت عنكبوت، وإن أَخْلَى نظمٌ من قريض مكتبَ دِفاعٍ جوي وبحري وبري فإنما هو مكتبٌ من زجاج مكشوف، بل منْ ورقٍ شَفَّافٍ ضعيف، والبحرُ يدفع عن نفسه، إن كان بحرا لا مستنقعا أو ماء راكدا، لا يُكدِّرُهُ قذفُ حَصَيات، والماء الأصيل الصافي الجاري لا تُدَنِّسُهُ قاذورات أو كدورات، وأما أن يكون القربُ من المخزنِ مما يُنَفِّرُ الناس، ويُؤَدي إلى إفلاس مقاول أو تاجر أو سمسار… فهذا قذفٌ للمخزن، فكأنْ لا وزن له عند الناس ولا قرار، ولا هيبة ولا وقارَ، والعكسُ هو الصحيح، مع الأسَفِ الشديد، فالمُتَقَرب من المخزن، المُتزلفُ إليهِ، الذي له حُظوةٌ عنده مطلوب عند الناس، لأن لديه ضمانات وتأمينات أن تُقضى حاجاتُهُ، ويوفَّى حقهُ وحقوق الناس. ثم إنهم رفعوا من سعرِ شِعرِكَ أن جعلوهُ مَهْوَى قلوب ملايين الشعوب، وسِلعةً غالية توازي ملايين الجيوب، كما رفعوا من قيمةِ سوقِ موقع الجماعة الإعلامي أن جعلوهُ منَ الشعبيةِ والسُّمعةِ العالية بمكان، حيث يقرأُ ما يرِدُ فيه من أشعارِ الالآفُ المؤلفةُ من القُرَّاء والمهتمين والباحثين، وأنَّ من أصابَهُ منهُ نقدٌ أو تجريح أصبحَ مرذولا معزولا غير مقبولٍ من جمهورِ المُتقاضين والمظلومين، والباحثين عنِ المحامين العُدولِ الثقاةِ المشهودِ لهم من قبَلِ العدول الثِقاةِ بالنزاهة والأمانةِ والخلقِ والدين.

ثم قالت: بسيطة، فهل أضافوا في تعييرِكَ إلى هذا نعتا آخَرَ غير هذه السفسطة؟

قلت: قالوا أيضا أنني مُستحقّ أن أُضرَب بيَدٍ من حديد، وأن أُلجَم بلجام من نار، حتى لا أُعيد ولا أعود إلى هجاء أحد من جديد، وأنّني مُلزَمٌ بعد إصدار الحكم الشديد القسوة أن أُصَرِّح بما يُدينُني ويبُرِّئُ من أُدين وأُهين في جريدتين وطنيتين، وفي الموقع الرسمي للجماعة. وزادوا على ذلك أن طالَبوا باستدعاء الأمين العام لجماعة العدل والإحسان السيد محمد عبادي ليَمثُل أمام المحكمة الـمُوقّرة ما دام المسؤول عن الجماعة والمَوقِعِ ضِمنا. وللإشارة أمّي، فالفاضل الموقّر السيد محمد عبادي لم يكُن يوم نَشرِ القصيدة المسؤولَ الأولَ والأكبرَ عن موقع الجماعة وإنما كان كذلك الإمام المجدّد، المرشد المؤسس عبد السلام ياسين رحمه الله، فهل لهم أن يَستدعوه من قبره، خابَتِ الدعوةِ وتبَّت أيدي وألسنة من طلب الاستدعاء، وحفظ الله أمواتنا الأحياء مِن الأحياء الأموات.

قالت أمّي: أوَ بلَغَت بهم الجُرأة إلى هذا الحدّ، وما علاقة السيّد الوقور الـمُحترم المـُكرَّم بحماقاتهم وتفاهاتهم، صدق من قال: إذا لم تَستحْيِ فاصنع ما شِئت، وصدَق قبله وبعده من علَّمنا أنْ نَبُثّ شكوانا وحُزنَنَا إلى الله: “اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني، أو إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.”.

قلت: بل إنّ أحدهم قال: إنّ لديه قنابل موقوتة سوف يُفجِّرُها في الوقت المناسب.

قالت أمي: أوَ ليس في هذا تهديداً عنيفاً جرّ مثله على العراق غزوا مُنسِفاً لا مجرّدَ قذف وسبّ.

قلت: اختلال موازين، بيت من شِعْر قَذْف، وضرب بيد من حديد، وتهديد بتفجير قنابل لُطفٌ وعطف. جميل أن اعتبر أحد الأحبّة المحامين هذا كلاما خطيراً ومسؤولا، لولا أَنْ جاء مجازا كالشِّعر لجاز أن يُعتبر إعلانا عن حرب كيماوية في قاعة قضائية عدلية.

قالت أمي: أفيكون مَن فاهَ بهذا الهُراء مَن قَذَفَ المحكمة في جلسة سابقة إذ اعتبرها زبالة، ومن قذف الجماعة إذ جعَلَها عميلة لحوزة “قُمْ” بالوكالة، وقذف الحاضرين من مؤازريك بالإصبع الوسطى بكل حقارة ونذالة.

قلت: هو هو والله.

قالت: لا حول ولا قوة إلا بالله، لولا فُضلاء لَكبَّرْنا أربعاً على العدالة. اللهم لا تؤاخِذنا بما فعل، يا لطيف اللطائف، يا صاحب الجلالة، شفِّع فينا نبيَّك محمّدا، ودَاوِ الأمّة من هذه الحالة.

قلت: وهو أيضا من نشرَ في جريدةٍ وطنيةٍ بعينِها في حوارٍ سابقٍ له مع أحدِ مُراسليها، أنَّ قضية التنازُلِ عن الحقِّ المدني ما هي إلا لُعبة وكمين، وأن باقي الأيام ستُفاجِئُ الركراكيَ وجماعة العدل والإحسان بما لا يخطُرُ لهم على بالٍ، ولا يرِدُ في حُسبان.

قالت أمي: إذن هي لُعبة وفخٌّ وكمين شَهِدَ بهذا شاهدٌ من أهلِها، أو أنهُ يتكلم من موقعٍ مسؤول، ومن مِنبَرِ قضاءٍ لا بِساط محاماة، فهو يعي ما يقول، ويُخبرُ عن محسومٍ جاهزٍ معلوم، لا عن تمنٍّ أو افتراضٍ مُحتَمَلٍ أو موهوم.

قلت: لعلَّها ثقةٌ في النَّفسِ زائدة عن الحدود، وليست كشفا لمستور، ولا فضحا لكواليسِ مُقَرَّرٍ مكرور، أو مُكرَّر مقدور.

قالت: في عُرفِ من لهم دستورٌ استَفتى عليه الجمهور؛ الإنسان بريءٌ حتى تثبت بَراءَتُه، وفي أسوء الأحوال حتى تثبُْت إدانته، وفي بلدان “دُس لِيَتُور” أنت مُدانٌ حتى تثبت إدانتك.

قلت: سأنقل هذا الحوار الذي أجريته معكِ أمّي بأمانة في إحدى الوسائل الإعلامية الحرة المستقلة المستقيمة، فإن عزَّ أن يَجِدَ من لا جريدة له جريدةً أو موقعا في موقع ففي صفحتي الرسمية في مواقع التواصل الاجتماعي غُنية وكِفاية.

قالت: ينفع الله به من كانت له على الدّينِ غيرة، وعلى الفضيلةِ حمِيَّة، وعلى كل حال فالكلمة الطيّبة إن لم تجد في الأرض آذانا صاغية، رفعها الله إلى السماءِ إلى حين فرصة مواتية، ثم يُنزِلها إذا شاء عندما يجد لها في القلوب أمكنة نقيّة. فاعمل صالحا ياولدي يُثبِّتُ الله كلِمَك الطيّب، ويتقبّله بالقبول الحسن، ويُنبته نباتاً حسنا؛ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ. أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ.

قلت: حوار طويل، وحويصلة قُرّاء التواصل الاجتماعي تضيق عن مثله.

قالت: اُنقُص من كلامي، وأَبْقِ ما قُلتَ من كلام.

قلت: لا بل كلامُكِ هو ما ينبغي أن أُثْبِتَه، ولا ينبغي أن أنقُص منه شيئا، وهل كلام الأمّ إلاّ كلام الأمّة الخيرية؟!؛ الأمّة المظلومة مشرقا ومغربا، الأمّة المهضومة الحق، المنهوبة الرّزق، التي تتداعى عليها الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، الأمّة التي جار رُعاتها، وداهَن علماؤها، وسكت شرفاؤها، ونطق سفَلَتُها، الأمّة التي تسلّط على رقابها من لا يخاف الله فيها ولا يرحمها، ووُكِلَ أمرها إلى من لا يتّقي اللهَ في أموالها وأعراضها وأطهار رجالها ونسائها، الأمّة التي أصبح فيها الظالم مأجورا مأزورا منصورا، والمظلوم مأسورا محصورا مقهورا. الأمّة التي يُسَبُّ الله فيها عَلَنًا في الشِّعر والرواية ومُقرّرات التعليم، وقنوات الإعلام ولا مِن ناه ولا من مُنتهٍ، فإذا تكلم شاعر إسلامي بما لا يُرضي الجاهليين حقا، أبناء بيئتهم صدقا، قولا وفعلا وخُلُقا، قامت منهم قائمة، وناحت منهم نائحة، وانتصَبَت منهم لائحة جارحة، للانتخابات ممهدة بالتفاتة مُعبِّئةٍ مُضمَرة لا بائحة، وعَلَت من بينهم أصوات، وجالت وصالت أقدام في القاعات تندّد وتهدّد، وتتوعد وتُرعِد وتُزبِد، فكأنها وصية على الضمائر والمصائر، والله أكبر من كل متكبرٍ ومستكبرٍ ومكابر.

قالت أمي: عزاؤُكَ في مَنْ قولُهُ فصلٌ ليس بالهزل، ومن خاطبَ خيرَ سامِعٍ ومنادى وملبٍ ومجيب: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ . الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ . وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ . وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ.

قلت: اُدْعُ الله لي أُماه.

قالت: حفظك الله ورعاك، وسدّد على جادة الحق والصواب والحكمة وفصل الخطاب خُطاك، ونصرك على مَن عاداك.

قلت: اُدع الله لهم بالهداية عسى أن يكون منهم تائب ومنيب.

قالت: يتوب الله على من تاب إنه قريب مجيب. ومن كان ممن لا يُرجى خيره، ولا يُؤمنُ شره فليس له من المتَابِ نصيب.

قلت: ما وقع علينا من ظلم قليلٌ هزيلٌ بالنظر إلى ما أصاب ويصيب إخوتنا في مصر وسوريا وفلسطين وباقي ديار المسلمين؛ ظلم فوق الظلم، وظلمات بعضها فوق بعض.

قالت أمي: في مصر وسوريا وفلسطين الظالمون لا يَتَقَنَّعون ولا يتوارون خلفَ شعاراتٍ زائفةٍ، بل يكشفون عن وجوهِهم القبيحة بلا لثامٍ، ولا حجاب، ولا لِحى، ولا دينارٍ على الجبينِ، ولا حُلَلٍ هي من خِلَعِِ الوقار، ولا مِنْبَرٍ ولا محراب، وأبشعُ الظلمِ وأدهاهُ وأَمَرُّهُ ظُلمُ من يتلو الكتاب، ويَدَّعِي الحق والصواب، ويبتسِمُ بلا حساب، وألسنتهم حِدادٌ، وقلوبُهم كالحجارة وإن من الحجارةِ لما يتفجر منهُ الأنهار وإن منها لما يهبط من خشية الله، وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ.

قلت: أذان العصر ينادي، سأدعُكِ أمّي في أمن الله وأمانِه.

قالت: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ.

قلت: مع ترديد النداء خُصّيني بدعاء، يستذِرُّ من الله حكما بالبراءة.

قالت: ظننتُكَ أفطن وأكثرَ نباهة، وهل يحتاج البريء إلى براءة؟ !هذا من تحصيل حاصل، وإنما هم ومن وراءهم مَنْ يحتاجون إلى تبرئة، إن كانوا لها مُستحقين؛ أن يُبرئوا أنفسهم من محاربة الدين ومحاولة استئصاله، وإعدام العدل وإقصاء نسائِهِ ورجاله، واعتقال العقل وتقليص مجاله، وتَسفِيهِ الشعر وتشويه جمالِه. الحرب يابُني على الإسلام عالمية وليست مجرد تعليمية أو إعلامية، فصبر جميل، وإلى الله المشتكى، حسبنا ونعم الوكيل.

قلت: ونِعْما بالله.

قالت: خير الكلام، ومسك الختام، وعلى الماحِي الصلاة والسلام، والحمد لله على الدوام. والسلام.