شهر رمضان هدية الله السنوية، شهر الله، وكل الشهور لله، لكن رمضان خصه الله وجعله له، فهو شهر القرآن: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان البقرة 185. إن رمزية الشهر القرآنية دالة تمنحه قوة الرسالة، فرسالة رمضان من رسالة القرآن، وقيمة رمضان من قيمة القرآن الذي يهدي الناس، وبالتالي يكون رمضان شهر الهداية “النعمة الكبرى” وليس فقط “الهدية الكبرى”، فأكبر هدية في الكون هي الهداية “لأن يهدي الله على يديك رجلا خير مما طلعت عليه الشمس”، فالهداية ارتبطت بالقرآن والقرآن ارتبط برمضان، ومغبون من ضيع نعمة رمضان ولم يهتد بالقرآن.

إن الهداية بداية العهد، وتجديد للبداية، والقرآن هو الذي ينشئ هذه الأمة النشأة الهادية، ويمنحها مقومات الهداية، أي البوصلة التي لا تضل ولا تزيغ. يأتي رمضان كمؤتمر سنوي للهداية، يجدد للأمة عهدها ويربطها بقرآنها ويمنحها رسالة الهداية، فبدون هذه الهداية لا يكون للأمة مكان في الأرض ولا ذكر في السماء.

إن الهداية خاصية هذا الدين في الزمن والمكان والعمق الكوني والامتداد البشري. تأملوا عدد المصلين في العالم، وبازدياد في رمضان شهر الهداية، وعدد الصلوات وعدد الركعات، وكل ركعة تتضمن اهدنا الصراط المستقيم. فليس هناك إجماع كوني مثيل لهذه الصيغة اهدنا الصراط المستقيم، صيغة تجعل التغطية مفتوحة باستمرار، فلا الخط مقطوع ولا التعبئة غير كافية، بل وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان البقرة 186، وهذه الآية مرتبة مباشرة بعد آية شهر رمضان وهداية الناس.

إن الهداية امتداد في الزمن والمكان، لا تتوقف لحظة، بالامتداد الدائري للصلوات عبر الكرة الأرضية، فتلتقي الهداية الماليزية بالهداية الصينية والباكستانية بالهداية العربية والفارسية.

وتستمر الهداية.

فحين تنطق اهدنا الصراط المستقيم، فاعلم أنها الخطاب الذي يوحد الأمة، الخطاب الذي جاءت به الرسالة، وحين تنطقها وأنت في شهر رمضان فتذوق مذاق الهداية ومذاق رمضان، وكل الأشياء يتغير طعمها في رمضان، أنت تأكل بالفرحة عند الفطر وتنتظر فرحة كبرى عند الله، فأي شيء نطلبه في هذه الحياة سوى الهداية، يا أهل القرآن ويا أهل رمضان؟

لقد جمعنا الله بهدايته، بقرآنه، وفي شهره وبصيامه، فمن يستطيع أن يوحد شعوبا مختلفة الأجناس والأماكن حول إحساس واحد وأمر واحد والتزام واحد، أن يكفوا عن الملذات في وقت محدد؟ كم يكفي من المراقبين المحليين والدوليين للامتثال لهذا الأمر الإلهي؟ أمر يمكن أن تخرقه في منأى عن الناس، دون رقيب، لكنها الهداية البوصلة.

نحن محتاجون لرمضان احتياجنا للهداية، فليس هناك شهر أكثر هداية وأكثر استعدادا لها وأكثر تذكيرا للإنسان وأكثر رهافة إحساس وأكثر تجليا لسلوكيات التدين من شهر رمضان، شهر الله، فالنفس في حالة أبعد عن التفكير في المعصية، والجوارح مهيأة للطاعة، والشعور بالهدى محسوس يستحق التكبير ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون البقرة 185. فلا أقل من شكر الله على نعمة الهداية القرآنية بصوم شهر رمضان.

إن رمضان شكر وتكبير لله وليس تكليفا وشقاء للأبدان والنفوس كما يبدو للجائعين، إن غايته تهيئ الرجال للمكارم العظام ولمقامات الهادين المهتدين الباحثين عن “التقوى” وتلك مقصدية مقبلة بحول الله.