بسم الله الرحمن الرحيم وأصلي وأسلم على الرحمة المهداة والأسوة المحتذاة والسراج المنير والنور المستطير وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وكل من اقتفى الأثر من الأبرار.

إذا كانت وظيفة القرآن الكريم هي انتشال النفس الإنسانية من ظلماتها وإمدادها بالأنوار الربانية كما أفصح عن ذلك قول ربنا عز وجل: ألۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ 1 ، وكما ترجم ذلك ربعي بن عامر مخاطبا رستم قائد جيش الفرس: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) 2 .

وإذا كانت السنة النبوية المطهرة هي الترجمان للقرآن والتجسيد العملي له كما وصفت أمنا عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن خلق النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم، قالت: (كان خلقه القرآن)، فالسنة هي المنهج النبوي النظري والعملي الذي جسد البلاغ القرآني، وأحال كلمات الله واقعا وحضارة يحياهما الناس الذين آمنوا بهذا البلاغ) 3 .

فإن وظيفة المنهاج النبوي هي السير على منوال الكتاب والسنة فهما واعتقادا وسلوكا، كما يعبر ذلك الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى بقوله: يمكن أن نحدد وظيفة المنهاج بأنه وضوح وتوضيح يتبعهما سلوك على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو آلة للعلم ومرشد للعمل، وهو في نفس الوقت مادة العلم وبرنامج العمل، لا ينفصل المنهاج آلة للعلم والتوضيح عن المضمون العلمي والعملي للمنهاج الطريق.) 4 . وهذا تجديدا للدين وغيرة على حال المسلمين واستشرافا للخلافة الثانية على منهاج النبوة، لا مجرد ترف فكري أو نافلة قول، يقول الإمام: من كان من إخوتنا وأخواتنا يلتاع لضياع القضية الإسلامية ويتشوف لقيام حركة إسلامية منظمة ويأنس من نفسه الاستعداد والرغبة ليبني مستقبل الإسلام فسيفهمنا ويؤيدنا ويتأمل عرض تصورنا لمنهاج العمل. فبدون تصور واضح لمنطلق الحركة وسيرها وأهدافها ومراحلها لن نستطيع بناء. ومن لا لوعة له على الإسلام ولا عزم له على جهاد فلا كلام معه) 5 .

يعرض الإمام إذن مقاربته للمشروع المجتمعي بقوة وحماس رجل قرأ حديث الخلافة فأبى إلا أن يكون فاعلا أساسيا في هذا الموعود النبوي يستمطر الفتح الرباني ليتلمس الطريق ويجد المنهاج المبلغ لهذه الغاية السنية، فيتساءل: ما هو منهاج المسلمين؟ ما هو طريقهم على معارج الكتاب والسنة، لكيلا يبقى التعبد القابع في مساجد الركود منفصلا عن الحياة العامة، ولكي يكون الإقبال على الله عز وجل هو نفس الجهاد ولب الجهاد، لتكون كلمة الله هي العليا في الأرض؟) 6

من خلال هذه الأسئلة يضح أن الوظيفة المركزية للمنهاج النبوي هي رسم خارطة طريق للتوسل بها إلى تحقيق المقصدين العامين من الخلق: العدل والإحسان، في ظلال حكم إسلامي راشد.

ينبثق عن الوظيفة الأساسية وظائف فرعية، سأسير في بيان بعضها على خطى الإمام حيث أبرزها في ثنائيات قائلا: وظيفة المنهاج النبوي العلم والعمل مترابطين، النداء والاستجابة متلازمين، الرحمة والحكمة متعاضدتين، أمر إلهي وطاعة، خطة وتنفيذ معا) 7 .

وسأقتصر على خمس أزواج هي كالتالي:

1- الربط بين العلم والعمل (أو التخطيط والتنفيذ).

2- الأثر على العقل والقلب.

3- الفعل في الفرد والجماعة.

4- النظر في الواقع والمثال.

5- المدخلات المثمرة حسن المخرجات.

أشرع في بيانها هذه النقاط بما تيسر من التقدير مستهلا بالأولى:

1- الربط بين العلم والعمل

في أدبيات الجماعة وعند كل العقلاء، لا شك أن العلم سابق على العمل، والتخطيط يثنى بالتنفيذ وإلا كانت النتائج ضياعا وتبديدا للجهود يقول الإمام: العمل بلا علم تخبط وجنون. والعمل في الغموض اضطراب لا يسير إلى غاية صالحة، فمن الناس من يفضل أن يعلم ماذا سيعمل قبل أن يبدأ في العمل، ومنهم من يكتفي بالظن فيبني عليه بناء لا يلبث أن ينهار، ومن الناس من يسطر الخطة لينجزها، بينما تجد من يعد إنجازا مجموعة من الأعمال المبعثرة، يحسب أن حجمها وما تحدثه من ضوضاء هو العمل. وتجد آخرين يحسبون أن العلم المرقوم على الأوراق كاف لتنتقل تلك المبادئ النيرة إلى واقع ينزل من السماء ويتلقاه الناس بتلهف. إنما – وهي حرف حصر – يكون عملا صالحا ما كان على الصراط المستقيم. والصراط المستقيم في كتاب الله تعالى مسطور، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم متمثل) 8 .

كما أن العلم وحده دون عمل يعد بهرجة ونفاقا لذلك تجد معظم أهل الفقه وأصوله يكرهون الخوض في المسائل التي ليس تحتها عمل، يقول الإمام الشاطبي: كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي، وأعني بالعمل عمل القلب وعمل الجوارح من حيث هو مطلوب شرعا. والدليل على ذلك استقراء الشريعة: فإنا رأينا الشارع يعرض عما لا يفيد عملا مكلفا به) 9 .

ويقول الإمام مؤكدا هذا الاقتران: المنهاج علم متحرر من حيث هو علم موحى به، ومن حيث هو نداء من لدن رب العالمين، من كل ثقل أرضي اجتماعي أو اثني أو تاريخي أو اقتصادي. لكن المنهاج من حيث هو عمل، من حيث هو استجابة لداعي الله تعالى وتقدس، إنما هو عبور شاق، صعود مجهد، اقتحام لكل العقبات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والجغرافية) 10 .

2- الأثر على العقل والقلب: (تجديد الدين والإيمان)

بما أن الدين عقيدة وشريعة فإنه يخاطب العقل والقلب، فوظيفة المنهاج في هذا المضمار هي فهم أحكام الشرع واستيعاب مقاصد الدين وأسراره حتى يسهل تنزيلها على الواقع المعاش وهي تجديد الإيمان وإحياؤه في النفوس لتستجيب لنداء الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا وكأنها تسمعه غضا طريا حديث عهد بالنزول من السماء. يقول الإمام: المنهاج العلم وحي مجرد يمكن للعقل المجرد أن يتلقاه ويفهمه في تجريده فيبقى فكرا عاطلا.أما إذا تلقاه قلب المؤمن، وأصبح أمره ونهيه باعثا صارما، وانعقد الباعث إرادة عازمة، فالتنفيذ إنما يكون في عالم المادة، في عالم الأجسام والمصالح والدوافع والموانع والعادات والأعراف والعداوات والصداقات والحروب. والعقل عندئذ أداة تنفيذ لا مصدر تخمينات تعطي المعرفة وتؤسس العمل) 11 .

وقد عقد الإمام فصلا من كتابه المنهاج النبوي فصلا تحت عنوان: تجديد الدين والإيمان جاء فيه: الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان (وهو القلب) وعمل بالأركان. لكن موطن الإيمان القلب، بل هو منطلق الإيمان. فإن خبت بواعث الإيمان في القلب بطل العمل ونطق اللسان نفاقا. ومتى قوي الإيمان في القلب بتجديده اشتدت بواعث العمل الصالح.فالتجديد المطلوب للأمة هو تجديد بواعثها لتقوم، أفرادا تجدد إيمانهم بالتربية، وجماعة تجددت قوتها بتجدد بواعث أعضائها الإيمانية، بواجب الجهاد واقتحام العقبة) 12 .

3- الفعل في الفرد والجماعة

وظيفة المنهاج بالنسبة للفرد هو إعطائه معنى للحياة وإنقاذه من براثن الشيطان والنفس والهوى ليعرف رسالته في الحياة ويحيا من أجلها ويموت في سبيل تحقيقها، وهذا في صف جماعة وطليعة مجاهدة تسعى إلى إقامة خلافة ثانية عبر مراحل رتبها الإمام في كتابه المنهاج النبوي تحت عنوان: مهمات جند الله كالتالي:

1- تأليف جماعة المسلمين القطرية وتربية رجالها وتنظيمهم.

2- إقامة الدولة الإسلامية القطرية.

3- توحيد الأقطار الإسلامية.

4- الخلافة الوارثة.

ويقول الإمام في شأن الربط بين جهاد الفرد وجهاد الجماعة: اقتحام العقبة بالنسبة للفرد المؤمن جهاد لنفسه كي تستقيم على طاعة الله، وجهاد مع المؤمنين المتواصين الصابرين المتراحمين لإقامة دين الله في الأرض. وبالنسبة لجند الله المنظمين فإن اقتحام العقبة جهاد تربوي وتنظيمي وميداني ومالي وقتالي وسياسي حتى تقوم دولة الإسلام الخليفية على منهاج النبوة) 13 .

4- ردم الهوة بين الواقع والمثال

بين مثال النموذج الذهبي الأول (عصر النبوة والخلافة الراشدة) والواقع المتردي للأمة اليوم هوة سحيقة وبون شاسع، فكيف يوظف المنهاج لرأب الصدع ولم الشتات؟

يقول الإمام: التحدي الأكبر أمام جند الله هو قدرة جند الله على تقديم رؤية واضحة للواقع الحاضر المتقلب المستعصي على التغيير، ثم قدرتهم على تقديم رؤية واضحة لأهداف الإسلام في الميادين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحضارية وفي كل الميادين، ثم خاصة قدرتهم على انتزاع إمامة الأمة من الأيدي المتسلطة، ومن الأفكار الإيديولوجية التي تبرر واقعا حاضرا أو تبشر بمستقبل يزيغ بالأمة عن طريقها إلى موعود الله لها بالخلافة في الأرض والسيادة والعزة) 14 .

ويضيف: قمة التحدي أن ينزرع الإسلام في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، أن ينتقل بالجهاد الدائب اليومي من دعوة إلى حياة، من مثال إلى واقع، من مطمح عال إلى إنجازات عينية. والهوة سحيقة بين مثال الإسلام وواقع الأمة، بين النموذج العزيز في ضمير الأمة وبين القزامة الذليلة المفروضة على الأمة.)إن في الميدان عروضا نظرية للإسلام يكون مجموعها حصيلة لا بأس بها. لكن الطريق الأضمن لتحصيل النتائج العملية لا يزال يحتاج لاجتهاد يلقي عليه الأضواء. لا تقل لي: «الإسلام هو كذا وكذا في العقيدة، وكذا وكذا في الاقتصاد الخ»، لكن أخبرني عن المنهاج العملي لكي يكون تحزبنا لله عز وجل قوة فاعلة، أخبرني عن التربية العملية، عن وسائل وآداب وأفعال التغلغل في الأمة، عن المخطط الصالح للتطبيق، المتدرج، الكفيل بإيصال حزب الله حيث يكون من الوجود الكثيف والانتشار والتمركز والتمكن والدراية والخبرة والنظام بحيث يستطيع أن يفرض على الواقع وجوده وإرادته رغم المعـارضين ورغم سندهم الداخلي والخارجي، وبحيث يتوج جهاده بإقامة دولة القرآن دولة وحدة الأمة. العالم تحكمه موازين القوى المادية الاقتصادية، تحكمه القوى العسكرية والسلاحية. لا مكان في العالم للمثاليات الحالمة، والأخلاقيات العزلاء، والكيانات الفقيرة. فأخبرني كيف يتحزب جند الله حتى يكونوا كتلة يحسب لها حسابها، كتلة تقاتل، يحدوها حب الموت في سبيل الله، كيف تنظم وسائلها المادية قبل الحكم وبعده، كيف تخترق الحواجز، كيف تقتحم العقبة. عمليا وبالتفصيل وبالتعلم الدؤوب من إصابة الغير وأخطائه، من نجاح الصف وفشله، من أحداث العالم اليومية) 15 .

5- المدخلات المثمرة حسن المخرجات

يعيش المسلمون اليوم أفرادا وجماعات حالة من الخمول والهوان والتخلف والتشرذم حتى يكاد المصلحون والمجددون يصابون باليأس لولا فسحة الأمل والأمر بالتفاؤل المبثوثين في الوحيين (الكتاب والسنة)، ولولا التجربة النبوية التي ارتقت بالناس في الجاهلية من رعاة للغنم إلى قادة للأمم في زمن طواه الله تعالى لأحبابه وأوليائه، فجاء الوعد بمثيلتها في قول المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديث الخلافة المشهور.

يقول الإمام: العبرة أن نكتشف المنهاج النبوي في التربية، ذلك المنهاج الذي كان عملا باهر النتائج، خرج من مدرسته كبار الصحابة، عظماء الأمة، نخبة الإنسانية بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.العبرة أن نكتشف أسرار المنهاج النبوي الذي نتج عنه الجهاد الخالد الذي كانت ثمرته “المعجزة التاريخية” التي غيرت العالم أعمق تغيير وأوسع تغيير وأسرع تغيير) 16 .

ويضيف قائلا: الآن قد تقدم فهم الإسلام وتعمق بفضل الله على رجال الدعوة الذين ابتعثهم لإعادة بناء الأمة. فأخذ يتضح للمسلمين أن الإيمان الذي كان حيا في قلوب سلفنا الصالح، فاعلا في مجتمعهم وفي العالم، يمكن أن يصبح بديلا للفتنة وعلى رأسها الحكم الجبري، يمكن أن يعود كما كان حركة عالمية منتصرة) 17 .

وختاما فالله أسأل أن يهيئ لهذه الوظائف رجالا ونساء يتحملونها بإخلاص وأمانة ودون سآمة أو كلل ليكون نجم الإسلام هو الساطع وكلمة الله هي العليا. ورحم الله الإمام عبد السلام ياسين وأغدق عليه موفور عفوه وصلى الله وسلم وبارك على خير المرسلين والتابعين إلى يوم الدين.


[1] سورة إبراهيم: 1.\
[2] ابن كثير في البداية والنهاية، الجزء السابع، غزوة القادسية.\
[3] محمد عمارة، السنة النبوية مصدرا للمعرفة، ص 22.\
[4] مقدمات في المنهاج له، ط1، 1989، ص 36.\
[5] المنهاج النبوي، ص 10.\
[6] نفسه ص 11.\
[7] مقدمات في المنهاج ص: 37.\
[8] المنهاج النبوي، ص218.\
[9] الموافقات: ج1، ص:46.\
[10] مقدمات في المنهاج ص 28.\
[11] مقدمات في المنهاج ص 29.\
[12] المنهاج النبوي: ص 40.\
[13] نفسه ص 24.\
[14] مقدمات في المنهاج ص 32.\
[15] نفسه ص 33-34.\
[16] مقدمات في المنهاج ص 34.\
[17] المنهاج النبوي، ص 14.\