كشفت الأحداث الجارية، في أعقاب الثورة التي شهدتها بعض بلدان ما يعرف إعلاميا بالربيع العربي وحتى الآن، عن الوزن المجتمعي والسياسي للإسلاميين، كما أن الإسلاميين تقدموا بخطى واسعة واحتلوا الفضاء السياسي بالمنطقة في نهاية المطاف، وعقب الربيع العربي اختارتهم شعوب المنطقة لاعتلاء سدة الحكم في أكثر من قُطر… وهكذا أضحي الإسلاميون عبر انتخابات نزيهة وحرة لأول مرة في تاريخ المنطقة العربية في مقاعد الحكم، وبدأ يتردد على الألسنة الآن بقوة إثر الأحداث التي تشهدها بعض بلدان الربيع العربي بعض الأسئلة وهي: لماذا تم انتخابهم؟ هل فشل الإسلاميون في الحكم؟ أم أُفشلوا؟ هل تعجلوا الوصول للحكم؟ هل وقعوا فريسة لكمين داخلي وخارجي؟ هل يمكنهم تجاوز الأزمة؟

لماذا تم انتخابهم؟

سبب صعود الإسلاميين وثقة الشعوب بهم رغم قسوة الحملات التي واجهتهم، وانتخاب الشعوب لهم:

أولا أنهم كانوا الفصيل القائد في مقاومة الاحتلال في كل الساحات العربية، بما في ذلك الساحة الفلسطينية.

وثانيا: أنهم كانوا في طليعة القوى التي قارعت الاستبداد العربي، واكتظت سجون حكامه بقياداتهم ومختلف عناصرهم، ولا زالت مكتظة.

وثالثا: أن مشروعهم يتماهى مع هوية شعوب المنطقة المسلمة، مما حدا بالشعوب لأن تلتف حولهم، وأن تحتفي بمشروعهم.

ورابعا أن ما يغري الناخب بشكل عام لانتخاب الاسلاميين هو الطهر السياسي الذي يظنه في المرشح الاسلامي. هذا الطهر السياسي الذي يتخيله الناخب ناشئ من تصورات حول وجود إنسان على الأرض في حالة من العرفان والورع والتقوى يستحق أن يدير أمور البلاد.

إفشال الإسلاميين في الحكم.. الأسباب والنتائج

إن المدقق فيما جرى يعلم جيدا أن الإسلاميين لم يمكنوا من الحكم بعد تحالف قوى الشر عليهم من جميع الجهات؛ يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله: ثم بعدها ننظر في المعوِّقات والعقبات التي تحول دون بناءِ قوتنا الذاتية. أمامنا حواجز كيف نخرقها؟ ومَهاوٍ كيف نتجنبها؟ وشِراكٌ منصوبة وعدو ومُنافس. إن لم يكن لك هموم كافية فسيُنشئها لك من لا تتطـابق مصلحته مع مصلحتك. كيف والهموم للحاكم الإسلامي في بدايته كالجبال: هَمُّ المسكنِ للضَّاحي، والعملِ للعاطل، والصحة للمريض، والقوتِ والغذاء ونحن لا ننتج، والتعليمِ الذي يجب أن يعاد النظر في طبيعته ووسائله وأهدافه ونظامه. عقبات لتُقتحمَ والعالم في مخاض، والحكم الإسلامي تتوجس منه خِيفةً وشكّاً وعِداءً قوى المال. والاستحقاقات حالّة، والضرورات ضاغطة، والميراث ثقيل، والوسائل شحيحة. مشاكل تُنْسي الحليم مثاليَّتَهُ وتوشك أن تفُتَّ في عَضُد القائمين عندما يصطدمون بالرخاوة العـامة من بعد الحماس الأول، وبالمحسوبية الساكنة في النّخَاع، وبالرشوة أصبحت مذهبا في العـلاقات بين الحاكم والمحكوم، وبانعدام الضمير، وقلة المبالاة بالشأن العام، والفقر من الرجال الجامعين بين أمانة الإيمان وقوة العلم والكفاية في الإنجاز).

– دولة عميقة تتوفر على شبكة معقدة من الأفخاخ السياسية والاقتصادية والقانونية والقضائية والعسكرية سهلت تقديم غطاء شرعي لقطاعات عريضة شعبية وسياسية لقيادة الثورة المضادة، عبر إشراكهم في جبهة المعارضة السياسية للإسلاميين، مما مكنهم في نهاية المطاف من القفز على سدة الحكم من جديد والتي عمل دهاقنتها على إفشال تجربة الاسلاميين بالتنسيق مع كافة القوى السياسية المناهضة لهم لإعلان أن مشروع الإسلاميين قد فشل، تمهيداً لطي صفحتهم بالكامل، وإزاحتهم من المشهد السياسي وقد وظفت الاختلافات، وأذكت التنافس، ورفعت حدة الصراعات، وسعت إلي إحداث الانقسامات والانشقاقات بين الجماعات وداخلها، وضيقت المساحات المتاحة أمام الجميع للحركة والعمل.

– معارضة علمانية ويسارية تُضخّم عن عمد أخطاء الإسلاميين ويجري تحويلها بشكل ممنهج إلى خطايا عظيمة في إطار الصراع السياسي القائم بينهم والدعوة لاستئصالهم واعتماد أساليب المناكفة والإفشال، بل والتنسيق مع القوى الخارجية لإسقاط تجربة حكم الإسلاميين.

– إعلام فاسد عمل على شيطنتهم وتشويه مشروعهم السياسي لعزلهم عن قاعدتهم الشعبية.

– جيش متكالب ومنهزم له مطامح ومصالح وشبكة علاقات ومصالح في خدمة الاعداء ولوبيات الفساد وإزاحتهم عن الحكم بقوة الجيش في الحالة المصرية تثبت أن لا بديل عنهم سوى العسكر، أما سائر القوى الأخرى فليست سوى ديكور أكمل مشهد الانقلاب العسكري، وأعطاه الوجه المدني صوريا.

– الغرب بما له من تأثير طاغٍ على البيئة الإقليمية لم يكن جاداً بقبول الإسلاميين في الحكم، إنما قبل بهم مؤقتاً كمعطى فرضه الأمر الواقع، وما المرحلة السابقة سوى لحظة استيعاب لهم فقط، وبمثابة مصيدة لإفشالهم، من أجل إزاحتهم عن سدة الحكم بحجة الفشل… كما عملت النظم الحاكمة العربية على استخدام الظاهرة الإسلامية كفزاعة لتخويف الغرب من الإسلاميين واستُخدم تكتيك التفرقة بذكاء بارع لتفتيتهم الظاهرة.

ولعل من الدقة القول إن تجربة الإسلاميين في الحكم لم تبدأ بعد بالمعنى الحقيقي، وإذا كانت مدة حكمهم تعد بالأشهر، فإن غيرهم من القوميين واليساريين أخذوا عقودا من الزمن في الحكم قبل أن يُحكم على تجاربهم.