صدر عن دار السلام بمصر، إصدار جديد للدكتور محماد رفيع، أستاذ أصول الفقه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، تحت عنوان: النظر الشرعي في بناء الائتلاف وتدبير الاختلاف دراسة تأصيلية تحليلية).

والكتاب، وهو من الحجم المتوسط، يأتي في سياق انتفاضات الشعوب العربية على أنظمتها الحاكمة، وهو عمل علمي تأصيلي يروم بحث أسس بناء الائتلاف بين المتخالفين، وسبل تدبير الاختلاف بينهم في الشريعة الإسلامية كتابا وسنة واجتهادا، لبيان أن الاختلاف بين الناس في أفكارهم وعقائدهم وانتماءاتهم في النظر الشرعي لا يلغي الائتلاف بينهم.

وقصد المؤلف من البحث في هذا الموضوع تقديم دراسة تأصيلية تحليلية لأصول المشترك الإنساني -الذي يهيمن على الفكر الإنساني المعاصر- انطلاقا من نص الوحي ومقصده ليثبت أن ارتباط هذا المفهوم في الثقافة الغربية بخصوصيات تاريخها الفكري ومنعرجاته، وبمفهوم حقوق الإنسان -الوثيقة المعروفة في القرن الماضي المنجزة في حضن هذه الثقافة- لا ينسينا حقيقة مفهوم المشترك الإنساني وأصالته ونصاعته في كتاب ربنا وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام.

كما يروم البحث تأصيل وتقعيد قضية تدبير الاختلاف مع الآخر من خلال المرجعية الإسلامية، وسواء كانت مخالفة هذا الآخر كلية أو جزئية، على اعتبار أن ضوابط التدبير هنا تمثل في مجموعها منهجا عاما في إدارة حالات الاختلاف.

وقد جاءت تفاصيل معالجة هذا الموضوع منتظمة في ثلاث قضايا مركزية:

القضية الأولى: تختص برصد وتحليل معالم النظر الشرعي في بناء الائتلاف مع المخالف من خلال أربعة مباحث: مبحث المعالم التكوينية للائتلاف الإنساني، ومبحث المعالم التشريعية للائتلاف الإنساني، ومبحث الأولويات المقاصدية الراهنة لبناء الائتلاف للإنساني، وأخيرا مبحث المنهج النبوي في بناء الائتلاف الإنساني.

القضية الثانية: تتعلق بتفصيل القول في النظر الشرعي في تدبير الاختلاف مع الآخر، وتمت معالجة ذلك في مبحثين اثنين: مبحث الأسس المرجعية لتدبير الاختلاف في التصور الإسلامي، ومبحث ضوابط تدبير الاختلاف في التصور الإسلامي.

أما القضية الثالثة: فهي معالجة تطبيقية لما تقرر في القضيتين السابقتين، وذلك من خلال نموذجين: أحدهما يتعلق ببحث مسألة تدبير الاختلاف في تراث علم من أعلامنا المعاصرين ألا وهو الحكيم سعيد النورسي، الذي تميز بمعالجة عميقة لموضوع تدبير الاختلاف مع المخالف في تراثه المكتوب، فجاءت معالجة القضية في مبحثين اثنين: أحدهما يتعلق بالنظر التأصيلي لقضية التعددية والاختلاف عند النورسي، والثاني يناقش النظر التدبيري لقضية التعددية والاختلاف عند النورسي.

أما النموذج التطبيقي الثاني فيتمثل في تتبع ورصد مسألة تدبير الاختلاف في تجربة الخلافة الراشدة من خلال نماذج متنوعة من القضايا، صنفناها إلى قضايا سياسية وأخرى تشريعية، وختم هذا المبحث باستنباط جملة من المبادئ المرجعية التي استند إليها تدبير الاختلاف في تجربة الخلافة الراشدة.

وقد توسل المؤلف في بناء هذا الموضوع بمنهج يقوم على استقراء المادة العلمية من مظانها الأصلية ممثلة ابتداء في نصوص الوحي كتابا وسنة، ومن مظانها التبعية المتنوعة قديمها وحديثها، كما يقوم على استنباط الأحكام من نصوصها وتحليل المعاني وتعليل القضايا، وتركيب المادة العلمية في سياق التصور العام للموضوع، مع اعتماد نظام التوثيق الأكاديمي للمادة العلمية.

وقد شاء الله أن يتزامن هذا المكتوب مع ما تعيشه أقطار الأمة في العالم العربي من انتفاضات شعبية عارمة جاد الله بها على هذه الأمة التي عانت من ويلات الظلم والاستبداد قرونا عديدة، حتى إذا ما بدأت الأنظمة الفاسدة تسقط الواحدة تلو الأخرى، وجدت المجتمعات العربية نفسها – وهي تحاول إعادة بناء ما خربه وأفسده الاستبداد – أمام واقع جديد من الاختلاف والتعدد في الفكر والولاء واضطراب في القيم وتضارب الأولويات، فكانت الحاجة ماسة إلى الإجابة العلمية المؤصلة عن تلك النوازل الطارئة بتقديم منهج شرعي لبناء الائتلاف وتدبير الاختلاف.

ولعل الكتاب الجديد للدكتور محماد رفيع أن يكون إسهاما مباركا في معالجة تلك المرحلة الانتقالية التي دخلتها الأمة، خصوصا، ومعالجة ظاهرة التعدد والاختلاف في المجتمعات الإنسانية عموما.