أنواره سطعت، بشائره هلت، أكرم به من ضيف وأكرم به من كريم، هو شهر الهدى والفرقان، هو شهر الهدى والبيان، أوله رحمة وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، قال الله سبحانه فيه: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان 1 .

تتزين الأرض والسماوات فرحا بقدومه وتهليلا بحلوله؛ قال ذلك الذي علم حقه وقدره وشد فيه مئزره، صلى الله عليه وسلم: “لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنت أن تكون السنة كلها رمضان، إن الجنة لتتزين لرمضان من رأس الحول إلى الحول” 2 . هو الجود والكرم، هو الخير كل الخير، والإدبار عن الشر كل الشر، ففيه ينادي المنادي من قبل الله الهادي: “يا باغي أقبل، ويا باغي الشر أدبر” 3 .

الفريضة فيه بسبعين فريضة فيما سواه، وخصلة من أعمال الخير تعدل فريضة فيما سواه، نهاره وليله سيان صلاة وقرآن وذكر ودعاء وطلب للزلفى والغفران، طوبى لمن صام نهاره وقام ليله إيمانا واحتسابا، وأناب إلى ربه واغتنم ليله ونهاره. هو شهر المسجد، بيت الله حيث السكون والسكينة والتضرع والطمأنينة، فيه يلبي المؤمن نداء المولى الكريم: “سارعوا” و”سابقوا”، فرارا إلى الله ذي النوال، تقربا وتعطفا لله ذي الجلال.

هو شهر الطهر بل هو المطهر، عن أنس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ، قَالَ لِلنَّاسِ: “قَدْ جَاءَكُمْ مُطَهَّرٌ شَهْرُ رَمَضَانَ فِيهِ تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، يَعُدُّ فِيهِ الْمُؤْمِنُ الْقُوَى لِلصَّوْمِ وَالصَّلاةِ، وَهُوَ نِقْمَةٌ لِلْفَاجِرِ، يَغْتَنِمُ فِيهِ غَفَلاتِ النَّاسِ، مَنْ حُرِمَ خَيْرُهُ فَقَدْ حُرِمَ” 4 .

تصفو فيه النفوس وتتطلع إلى باريها، تهفو فيه القلوب وتستمطر رحمات خالقها. شهر الطهر دعوة إلى التخلق بشعب الإيمان حالا ومقالا، ذكرا لله، دعاء، توبة واستغفارا، سلامة قلب، إخلاص نية، كرما ونفقة، إطعام طعام، صلة أرحام، تعلُّما وسماع وعظ، حرصا على الحلال، حياء وبشرا وحفظ لسان، صبرا وحلما ورحمة وحرصا على التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم… وشعب أخر هي من مشكاة سيد ولد عدنان، صلى الله عليه وسلم، وعليها يحث شهر الغفران.

هو وقفة مع النفس لمساءلتها، لمناصحتها، ما صدقك في طلب رضاه؟ أين أنت من الصادقين الذين يعبدونه رغبا ورهبا؟ ما مسارعتك بين المتسارعين إلى نيل الدرجات والارتقاء والالتحاق بأهل العزمات ممن سبقوك بإيمان وإحسان؟ الذين قال الله فيهم: أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما 5 .

هو فرصة لمصارحتها: لم فاتك الرجال يا خسيسة؟ لم التثاقل؟ لم التسويف؟ لم الالتصاق بدنيا هي في حقيقتها سراب وزيف؟

هو مدرسة اليقين وعبق النصر، هو فتح مكة وبدر الكبرى، والقادسية وفتح الأندلس، هو معركة الزلاقة وعين جالوت ومعركة حطين) 6 ، هو درس اقتحام العقبات والوثوق برب الأرض والسماوات، هو ترتيل: فاستمسك بالذي أوحي إليك، إنك على صراط مستقيم 7 ، ونداء فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون 8 .

هو شهر الشرف والقدر، هو ليلة القدر، حيث تنزل الملائكة والروح الأمين، قال الله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ{1} وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ{2} لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ{3} تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ{4} سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ{5} 9 .

هذا بعض شأن شهر القرآن، هذا نزر يسير من أسرار شهر الغفران. اللهم بلغنا رمضان وأهله علينا باليمن والأمن والإيمان.


[1] سورة البقرة الآية 185.\
[2] حديث أخرجه الإمام ابن خزمة في صحيحه.\
[3] المستدرك على الصحيحين للإمام الحاكم النيسابوري ومتنه كاملا: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين، ومردة الجن، وغلقت أبواب النار ، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب، ونادى مناد يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار.”\
[4] سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي.\
[5] سورة الفرقان الآية: 75.\
[6] غزوة بدر وكانت في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة. / فتح مكة كانت في العاشر من شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة. / معركة القادسية كانت في رمضان سنة خمسة عشر للهجرة بقيادة سعد بن أبي وقاص. / فتح بلاد الأندلس كان في رمضان سنة 92 هـ بقيادة طارق بن زياد. / معركة الزلاقة وهي في جنوب دولة إسبانيا حالياً كانت في سنة 479هـ. / ومعركة عين جالوت كانت في رمضان سنة 685 بقيادة السلطان قطز والقائد العسكري بيبرس.\
[7] سورة الزخرف الآية 43.\
[8] سورة الروم الآية 60.\
[9] سورة القدر.\