فيما يلي الجزء الرابع، مجال التعليم والثقافة، من الملخص التنفيذي لتقرير “المغرب في سنة 2013” الذي أصدره المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات.

في مجال التعليم

بعد الإقرار بفشل البرنامج الاستعجالي سنة 2012، عاد خطاب الأزمة بقوة إلى الواجهة سنة 2013، تجسد ذلك على نحو واضح في الخطاب الملكي الذي ألقى باللائمة على الحكومة المنفذة.

ولعل التتبع الدقيق للخطاب الرسمي حول التعليم يكشف عن اضطراب مرجعيات القرار التربوي حيث لم يعد يعرف الدارس المرجعية المؤطرة للمجال التربوي؛ ذلك أن مجموع التدخلات الرسمية طبعها على مدى تاريخها الاضطراب في اتخاذ القرارات واعتماد منطق الترضيات والتوافقات في تركيبات اللجان الاستشارية على قاعدة الولاء للقصر والقرب من الدوائر العليا وفي إنجاز المهمات واتخاذ القرارات الكبرى التي همت تمفصلات الحياة التعليمية المغربية.

كما تميز التدخل الرسمي بالتراجع عن المبادئ الكبرى التي أطرت العمليات الإصلاحية الأولى والخضوع في الاختيارات المتبناة لضغوط المؤسسات المانحة وللتوازنات الاقتصادية من دون الاستجابة للحاجيات الحقيقية الذاتية الملائمة للاحتياجات الآنية والمستقبلية.

كانت الحصيلة السنوية لتدبير القطاع خلاصة متميزة لعمل يطبعه الارتجال أساسا ويحكمه تدبير الأزمات المتتالية. فعلى مستوى التمدرس، استمر الهدر المدرسي والخصاص الفظيع في الأطر مما يعني أن الدولة لم تحقق أي تقدم ملموس في احتضان الأعداد المؤهلة للتمدرس وحتى إن سجلت ارتفاعات في نسب التمدرس فإن ذلك يتم على حساب الجودة.

وظل التوجيه إلى شعب التعليم التقني يراوح مكانه، إن لم نقل إنه تراجع من حيث عدد التلاميذ المقبلين على هذا النوع من التعليم، وجمود الشعب والمسالك المكونة له. وكذا انسداد الآفاق ومحدوديتها بعد الباكالوربا خاصة مع عدم الملاءمة بين التكوين وعالم الشغل.

أما على مستوى البرامج والمناهج، فقد استمرت المدرسة المغربية تشتغل من دون بوصلة موجهة، خاصة في ظل غياب نموذج بيداغوجي واضح، وإيقاف إنتاج الكتب المدرسية، وعدم فتح ورش اللغات والمناهج.

على مستوى القيم ما عادت المدرسة المغربية منتجة للقيم ولا حاضنة ولا حارسة لها. بل لقد أصبحت مشتلا لإنتاج مختلف الظواهر المشينة من عنف بمختلف مظاهره اللفظية والجسدية، وتخريب للممتلكات وغش وتحرش جنسي، تحولت معها المدرسة إلى فضاء مفتقد للأمن والأمان.

على مستوى الحكامة، كشفت التقارير الرسمية نفسها عن قمة الاستهتار بالمال العام وبالمعايير المتعارف عليها في التخطيط الجيد. وعلى الرغم من كل هذا لم يتم إعمال منطق المحاسبة وربطها بالمسؤولية، ولا إعمال معايير الشفافية المختلفة ولا تقديم المتورطين في جرائم نهب المال العام للقضاء وحتى الإجراءات التي تمت فقد كانت في إطار نزاعات سياسيوية لم تثمر الغاية منها.

أما التعليم العالي، فقد أبان البرنامج الحكومي أنه لا يرتكز على معرفة بهذا القطاع الحيوي والمهم، وما يلازمه من أمراض مزمنة (ضعف المردودية الداخلية والتأطير والميزانية…)، ولم تكن وضعية البحث العلمي أفضل حال مما تقدم.

والخلاصة أنه طوال التاريخ الطويل من أزمات التعليم المتكررة لم يتم الوقوف خلال هذه المراحل كلها إلا عند تجليات الأعطاب التي تنخر جسم المنظومة دون القدرة على الولوج إلى عمق الكارثة المرتبطة أساسا بالسياسة المتبعة والمتمثلة في خضوع القطاع لتحكم القصر ولجانه الاستشارية هذا إلى جانب الحرص على عزل واقع المنظومة عن واقع التدبير العام لمختلف مجالات الشأن العام.

في المجال الثقافي

بالرجوع إلى البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية لسنة 2013، نجد أن أبرز التوجهات الثقافية للحكومة تحددت في تعزيز الهوية الوطنية الموحدة وصيانة تلاحم وتنوع مكوناتها والانفتاح على الثقافات والحضارات، ومواصلة جهود تغطية التراب الوطني بمؤسسات القرب الثقافية.

كما أكدت الحكومة على أهمية الحفاظ على التراث المعماري، والترويج للقراءة العامة والنشر، وتمويل الإجراءات الرامية إلى تشجيع نشر وتوزيع الكتاب على الصعيد الوطني، وتنظيم الفعاليات الثقافية والمهرجانات الفنية وتطوير التراث الوطني المادي وغير المادي، والترويج للصناعة السينمائية.

على مستوى التنشيط الثقافي، اتسمت الأنشطة الرسمية بالمحدودية التي تكرست بإحياء المناسبات الروتينية كالمعارض والندوات ومختلف المواسم الثقافية المكررة. الشيء الذي حدا بالوزارة الوصية إلى التفكير في ضرورة الاعتماد على سياسة القرب والقطع مع النخبوية والالتزام بالحكامة، من أجل تحسين صورتها لدى المجتمع. وبالتالي تم التفكير في استراتيجية للمغرب الثقافي في أفق 2020، تنبني على سياسة القرب والحق في الثقافة والتنوع الثقافي.

ولقد شهدت سنة 2013 تنظيم الدورة 12 من مهرجان “موازين إيقاعات العالم” وسط احتجاجات مكثفة لمناهضي المهرجان ولتبذير المال العام. وتمت مواجهتهم من طرف السلطات المغربية بالقمع والسحل والإهانة في شوارع العاصمة. وبسبب تزايد مظاهر الانحلال الأخلاقي في المهرجان، بدت الحكومة متحرجة في ظل الرفض الشعبي وقوة الجمعية المنظمة.

في الشأن الأمازيغي، فشلت الحكومة للسنة الثانية على التوالي في وضع القانون التنظيمي لدسترة الأمازيغية، فيما تواصلت مناداة الحركة الأمازيغية – مدعومة من المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية – لتحقيق هذا المطلب. وإذا كان الضغط الاحتجاجي الأمازيغي قد خف، فقد تميز هذا العام بإيلاء أهمية كبيرة للاحتفالات بالسنة الأمازيغية الجديدة.

من جهة أخرى، واصل مفكرون وأدباء ونقاد مغاربة تفوقهم خارج البلاد، حيث نالوا عدة جوائز رفيعة في ظل غياب اهتمام الدولة المغربية بهم. وقد شهدت أواخر سنة 2013 سجالا كبيرا حول دعوة بعض المثقفين المحسوبين على الدوائر العليا إلى اعتماد ”الدارجة المغربية” لغة للتعليم بدلا عن اللغة العربية، وفي غياب رد حكومي حيال الموضوع، تحركت الخبرات الأكاديمية التي أكدت استحالة تطبيق المقترح، فيما ساد الاعتقاد أن ذلك النداء لم يكن بريئا وأن خلفياته لا تبتعد كثيرا عن الرغبة في النيل من اللغة العربية.

كما تميزت سنة 2013 بالاعتراف الرسمي على لسان وزير الثقافة نفسه بأن القراءة عند المغاربة شهدت تراجعا رهيبا بسبب الخلل في المنظومة التعليمية الحالية.

وعلى العموم، لم تخل سنة 2013 من أحداث ثقافية تميزت إجمالا باستمرار معاناة الثقافة بالمغرب في ظل إكراهات عديدة أبرزها ضعف الإمكانيات، وضعف تجاوب مسؤولي المدن الكبرى مع مخططات الوزارة، وضعف الاهتمام بالعاملين في الوزارة وكذا الفنانين والمثقفين، فضلا عن استمرار تعرض المآثر التاريخية والمواقع الأثرية والأركيولوجية للسرقة ولعملية استنزاف خطير يهدد هذا المخزون بالاندثار في ظل الصمت الرسمي الرهيب.

خلاصة

هذه بعض الخلاصات التي طبعت سنة 2013. وبالرجوع إلى التفاصيل في التقرير الرئيسي، بوسع القارئ أن يلمس بنفسه مجموع هذه الخلاصات، وهي تؤكد كلها فشل المبادرات والسياسات العمومية والقطاعية المتبعة، سواء تلك المرتبطة بالمناظرات أو الحوارات أو المخططات، وهو ما يقودنا إلى ضرورة مراجعة شاملة لمنهجية تدبير الشأن العام ببلادنا إن كنا نبحث عن تصحيح للمسار التنموي والديمقراطي لنضع المغرب في السكة الصحيحة ليكون في مصاف الدول الصاعدة.