ويتبين مما سبق أن لكراهية السؤال مواضع، نذكر منها عشرة مواضع:

الموضع الأول: السؤال عما لا يترتب عليه حكم شرعي تكليفي

(أحدها: السؤال عما لا ينفع في الدين، كسؤال عبد الله بن حذافة: من أبي؟ وروي في التفسير أنه عليه الصلاة والسلام سئل ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط، ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدرا. ثم ينقص إلى أن يصير كما كان؟ فأنزل الله: يسألونك عن الأهلة فإنما أجيب بما فيه من منافع الدين.)

الموضع الثاني: السؤال فوق ما يحتاج إليه السائل من العلم به

(أن يسأل بعدما بلغ من العلم حاجته، كما سال الرجل عن الحج أكل عام؟ مع أن قول الله تعالى: ولله على الناس حج البيت (آل عمران 97) قاض بظاهره انه للأبد، لإطلاقه. ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله، إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة (البقرة 67).

الموضع الثالث: السؤال عن الحوادث التي لم تقع بعد

(السؤال من غير احتياج إليه في الوقت، وكأن هذا -والله اعلم- خاص بما لم ينزل فيه حكم، وعليه يدل قوله: “ذروني ما تركتكم” وقوله: “وسكت عن أشياء رحمة لكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها”.)

الموضع الرابع: السؤال بقصد التعجيز ولمجرد الترف العقلي

(أن يسال عن صعاب المسائل وشرارها. كما جاء في النهي عن الأغلوطات.)

الموضع الخامس: السؤال عن علل الأحكام التي لا تعقل علتها

(أن يسأل عن علة الحكم وهو من قبيل التعبدات التي لا يعقل لها معنى، أو السائل ممن لا يليق به ذلك السؤال كما في حديث قضاء الصوم دون الصلاة.)

الموضع السادس: السؤال بما فيع تنطع وتكلف

(أن يبلغ بالسؤال إلى حد التكلف والتعمق، وعلى ذلك يدل قوله تعالى: قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين (ص 86). ولما سأل الرجل يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع وترد علينا. الحديث.)

طالع أيضا  الإفتاء في فقه الإمام الشاطبي.. الأحوال والأقسام والأحكام (2)

والموضع السابع: أن يكون ظاهر السؤال معارضة الكتاب والسنة بالرأي

(أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب والسنة بالرأي ولذلك قال سعيد: أعراقي أنت؟ وقيل لمالك بن أنس الرجل يكون عالما بالسنة أيجادل عنها؟ قال لا ولكن يخبر بالسنة فان قبلت منه وإلا سكت.)

الموضع الثامن: السؤال عن المتشابه من الآيات أو الأحاديث

(السؤال عن المتشابهات، وعلى ذلك يدل قوله تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه (آل عمران 7).

وعن عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه عرضا للخصومات أسرع التنقل.

ومن ذلك سؤال من سال مالكا عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والسؤال عنه بدعة.

الموضع التاسع: السؤال عن ما وقع من الخلاف بين الصحابة

(السؤال عما شجر بين السلف الصالح. وقد سئل عمر بن عبد العزيز عن قتال أهل صفين فقال تلك دماء كف الله عنها يدي. فلا أحب أن يلطخ بها لساني.)

الموضع العاشر: السؤال بغرض إفحام المناظر وإظهاره بمظهر الجاهل

(سؤال التعنت والإفحام وطلب الغلبة في الخصام. وفي القرآن في ذم نحو هذا ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام (البقرة 204).

وقال تعالى: بل هم قوم خصمون (الزخرف 58).

وفي الحديث: “أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم”.

هذه جملة من المواضيع التي يكره السؤال فيها، يقاس عليها ما سواها. وليس النهي فيها واحدا بل فيها ما تشتد كراهيته، ومنها ما يخف، ومنها ما يحرم ومنها ما يكون محل اجتهاد. وعلى جملة منها يقع النهي عن الجدال في الدين كما جاء “إن المراء في القرآن كفر” وقال تعالى: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم (النعام 68) وأشباه ذلك من الآيات والأحاديث. فالسؤال في مثل ذلك منهي عنه، والجواب بحسبه.) (ص237).

طالع أيضا  الإفتاء في فقه الإمام الشاطبي.. الأحوال والأقسام والأحكام (3)

ثم يمضي الإمام الشاطبي إلى آخر كتابه وعالج فيه مساءل الاعتراض على العلماء والاعتراض على ظواهر النصوص وفي المسألة الخامسة ناقش المناظرات وفي السادسة والأخيرة عالج منهج المناظرات وآدابها و كيفياتها.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

ملاحظة: اعتمدنا في النقل التاريخي على الشيخ عبد الكريم زيان نقلا عن:

1) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 13/348.

2) جامع بيان العلم وفضله ص 7.

3) منهج السلف من السؤال عن العلم ص 33 عبد الفتاح أبو غدة.

4) جامع العلوم والحكم لابن رجب 1/204.

5) مجمع الزوائد 1- 158.

6) تاريخ بغداد للبغدادي 13_348.

7) أعلام الموقعين لابن القيم 1_77.

8) انظر كذلك: تاريخ الفقه للشيخ السايس.